رئيس الوزراء العراقي يكرّر خطأ سلفه العبادي

عبد المهدي في مأزق بعد فشله في تشكيل حكومة قوية

عبد المهدي في زيارة سابقة إلى مقر البرلمان في بغداد (رويترز)
عبد المهدي في زيارة سابقة إلى مقر البرلمان في بغداد (رويترز)
TT

رئيس الوزراء العراقي يكرّر خطأ سلفه العبادي

عبد المهدي في زيارة سابقة إلى مقر البرلمان في بغداد (رويترز)
عبد المهدي في زيارة سابقة إلى مقر البرلمان في بغداد (رويترز)

ليسَتْ حكومة عادل عبد المهدي الأولى بين الحكومات العراقية في عهد ما بعد 2003، التي يتأخَّر تشكيلها، كلّياً أو جزئياً، أشهراً عدّة بسبب الخلافات والصراعات بين القوى السياسية على المناصب الوزارية. الحكومة السابقة التي ترأسها حيدر العبادي، مثلاً، لم تتشكّل إلا بعد نحو أربعة أشهر ونصف الشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية التي أثمرتها في 2014. قبلها كانت حكومة نوري المالكي الثانية (2010 - 2014) قد امتدّ تشكيلها إلى ثمانية أشهر بعد الانتخابات.
عبد المهدي عُهِد إليه أمر تأليف الحكومة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنّه لم يستطع تقديم تشكيلته غير المكتملة إلا بعد أربعة وعشرين يوماً، فقد عرض على مجلس النواب العراقي حكومة من 14 وزيراً، مؤجِّلاً إلى وقت لاحق تقديم البقية من الوزراء، وعددهم ثمانية، بينهم وزيرا الداخلية والدفاع. الوقت اللاحق استمرّ إلى اليوم بسبب خلافات قوية على الوزيرين الأمنيين، خصوصاً بين الكتلتين الأكبر في البرلمان؛ كتلة الإصلاح والإعمار التي تضمّ نواب التيار الصدري وأحزاباً وجماعات مدنية صغيرة، وكتلة البناء المُشكّلة من نواب ائتلاف دولة القانون والواجهات السياسية للتنظيمات المسلحة التي تألفت منها قوات «الحشد الشعبي».
كان من المُفترض ألا يطول الأمد بعبد المهدي كل هذا الوقت ليقدّم حكومة متكاملة، فتكليفه جاء بتوافق بين الكتلتين الأكبر، وبتأييد صريح من سائر الكتل البرلمانية، ممّا ضمِن له أغلبية مريحة جداً في مجلس النواب عند عرض تشكيلته. أكثر من هذا، القوى الفائزة في الانتخابات تعهّدت جميعاً بأن تترك لعبد المهدي حرية اختيار أعضاء حكومته، وامتنعت عن ترشيح وزراء له، بخلاف ما كان يجري سابقاً عندما كانت كل القوى الفائزة في الانتخابات، الكبيرة منها والصغيرة، تتدافع للتمثيل في الحكومة بذرائع شتى، منها الاستحقاق الانتخابي، والتمثيل المكوّناتي (الطائفي والقومي والديني)، وكان ذلك مما يؤخّر تشكيل الحكومات.
أكبر مشكلة واجهها عبد المهدي أن القوى المتعهّدة بعدم التدخل في تشكيل حكومته، وبمنحه كامل الحرية على هذا الصعيد، خصوصاً الكبيرة منها، نقضت في الحال عهودها وتنصّلت من وعودها.
كتلتا الإصلاح والبناء كلتاهما سعت ليكون لها رأي في التعيينات الوزارية، خصوصاً وزيري الداخلية والدفاع، واعترضتا على مرشّحين بحجج مختلفة. الكتل الأخرى من جهتها ضغطت ليقبل عبد المهدي بمرشحين تختارهم من أنصارها، ومقرّبين منها لشغل المقاعد الثمانية التي بقيت شاغرة، والمشكلة هنا أنّ داخل كلِّ مكوّن طائفي أو قومي يوجد كثير من القوى التي تزعم لنفسها تمثيله أو أحقية تمثيله.
المشكلة الأخرى أن عبد المهدي بدا غير مُحسن تماماً في اختيار وزرائه، وفق ما وعد به هو، وما كان مطلباً عاماً، نخبوياً وشعبياً، متمثلاً في توزير أشخاص يتميّزون بالكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية، وعدم الحزبية أيضاً. ومما أوخِذَ عليه عبد المهدي أن أغلب مرشحيه لم تتوفر فيهم هذه المواصفات أو أنها توفرت ولكن بمستوى متدنٍ. كما جرى لومه عن تمريره في قائمة مرشحيه أشخاصاً تلاحقهم اتهامات بالفساد الإداري والمالي أو بالعمل سابقاً لصالح جماعات متّهمة بالإرهاب.
وقد صرح أحد النواب، هو علي البديري عن كتلة تيار الحكمة (عمار الحكيم) علناً منذ ثلاثة أيام بأن «حكومة عبد المهدي هي حكومة عوائل، فكل زعيم سياسي جاء بأحد أقاربه وأعطى له وزارة معينة، واختيار الأقارب كان بعيداً عن الاختصاص، فأصبحت حكومة عبد المهدي حكومة عوائل وليست حكومة كفاءات ومستقلين»، كما أشار إلى وجود «وزراء عليهم شبهات كثيرة من فساد، بل وحتى اتهامات إرهابية».
تحت وقع المعارضة السياسية والشعبية لهؤلاء المرشّحين اضطر عبد المهدي إلى سحب ترشيح البعض، وتفيد معلومات بأن ثلاثة من الوزراء الحاليين مهدّدون بسحب الثقة منهم، وأن معظم المرشحين الثمانية الذين لم يُعرضوا على البرلمان في المرة السابقة سيُستبدلون بمرشحين جدد مخافة رفضهم من البرلمان.
التشكيلة النهائية لوزارة عبد المهدي لم تزل عالقة عند دائرة الخلافات والصراعات بين القوى السياسية، خصوصاً كتلتي الإصلاح والبناء، ولا يُلام في هذا غير عبد المهدي نفسه الذي تسرّب دوائره الآن أنه هدّد القوى السياسية بالاستقالة، فهو يبدو قد وقع في الخطأ نفسه الذي ارتكبه سلفه العبادي في عام 2015. في صيف ذلك العام، اندلعت موجة احتجاجات صاخبة بسبب انهيار نظام الخدمات العامة واستشراء ظاهرة الفساد الإداري والمالي.
وكان في مقدم مطالب الحركة الاحتجاجية إصلاح العملية السياسية بإلغاء نظام المحاصصة، وتشريع قانون جديد للانتخابات، وتشكيل مفوضية انتخابات جديدة وسنّ قوانين بناء الدولة المُعطّلة، واضطر العبادي، الذي لم يكن قد مضت عليه سنة واحدة في الحكم، للتقدّم إلى البرلمان بحزمة إصلاحات أيّدها المحتجون الذين هتفوا باسمه في ساحات الاحتجاج، وهي المرة الأولى التي يفعلون فيها مثل ذلك منذ سقوط نظام صدام، لكنّ العبادي لم يستثمر الحركة الاحتجاجية والتأييد الشعبي له لتحقيق الإصلاحات، وإرغام البرلمان على تشريع القوانين اللازمة لتنفيذ الحزمة الإصلاحية التي ما لبثت أن غدت مجرد حبر على ورق.
عبد المهدي أيضاً كان بإمكانه أن يستغلّ إعلان القوى السياسية جميعاً أنها لن تتدخّل في تشكيل الحكومة، فيختار مجموعة من أفضل الكفاءات الخبيرة والنزيهة وغير الحزبية ليشكّل بها حكومة قوية، ويتقدّم بها إلى البرلمان طالباً تمريرها بالكامل، وإلا فعلى البرلمان أن يختار شخصاً آخر لرئاسة الحكومة. لو فعل عبد المهدي هذا، فالأرجح أنه ما كان سيواجه الضغوط والتدخلات التي أغرى بها موقفه الذي بدا ضعيفاً، ما يحمله الآن على التهديد بالاستقالة.
هذا بالطبع افتراض، فربما لم يكن العبادي مؤمناً في الأساس بالإصلاح، واضطر اضطراراً للانحناء أمام عاصفة الاحتجاجات، وقد يكون عبد المهدي غير مؤمن بتشكيل حكومة لا دخل بها للأحزاب، خصوصاً أحزاب الإسلام السياسي، إما لأنه لا يرغب في تحجيم نفوذ هذه الأحزاب، أو لأنه لا يريد لحكومته أن تكون في حال تُشبه حال الكرام على موائد اللّئام.



منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
TT

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقَّعت اليابان والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مذكرتَي تفاهم تتعلقان بمنحة مخصصة لدعم الأوضاع الإنسانية في اليمن، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

وجرى توقيع المذكرتين، في جنيف بين القائم بالأعمال بالإنابة في البعثة الدائمة لليابان لدى المنظمات الدولية في جنيف، يوشيزاني إيشئي، والمدير الأول للاستراتيجية والتواصل الخارجي في المنظمة الدولية للهجرة، كيم - توبياس إيلينغ. وتبلغ قيمة المنحة نحو 840 مليون ين ياباني، (5.3 مليون دولار).

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقالت السفارة اليابانية لدى اليمن، في بيان، إن هذا المشروع يأتي في ظلِّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها اليمن جراء النزاع المستمر منذ سنوات، حيث تستضيف محافظة مأرب، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.1 مليون نسمة، أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، يقدَّر عددهم بنحو 1.8 مليون شخص، ويعيش أكثر من 60 في المائة من هؤلاء في ملاجئ طارئة أو خيام.

وأضافت السفارة: «وفق المعطيات المتاحة، يفتقر أكثر من 260 ألف نازح في المحافظة إلى خدمات الرعاية الصحية الملائمة، في حين يضطر أكثر من 50 ألف شخص إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، مثل البرك وشبكات المياه المتدهورة».

ويهدف المشروع إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المستضيفة عبر تنفيذ عدد من التدخلات الإنسانية، من بينها إعادة تأهيل المرافق الصحية والطبية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بإدارة الكوارث، إضافة إلى إنشاء ملاجئ في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين في مأرب.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع - بحسب السفارة اليابانية - في تحسين الأوضاع الإنسانية في المحافظة، بما يعزِّز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المرتبطة بالنزوح المستمر، مؤكدة أن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن يمثل عاملاً مهماً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

ويُنظَر إلى المشروع، الذي يستهدف تحسين الوضع الإنساني والمساهمة في تعزيز الاستقرار، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم الأمن الاقتصادي في المنطقة. وأشارت طوكيو إلى أنها ستواصل العمل بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المعنية لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.


تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.