من الإذعان إلى التمرّد

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفاً من ترجمة تصدر قريباً لكتاب «العصيان» لفريديريك غرو

فريديريك غرو
فريديريك غرو
TT

من الإذعان إلى التمرّد

فريديريك غرو
فريديريك غرو

تصدر عن «دار الساقي» قريباً ترجمة كتاب جديد لأستاذ الفكر السياسي المعروف فريديريك غرو بعنوان «العصيان»، أنجزها جمال شحيد. وفي هذا الكتاب، يدعو غرو إلى الديمقراطية النقدية والمقاومة الأخلاقية عبر طرح أسئلة حول جذور الطاعة السياسية: هل هي امتثال اجتماعي أم إذعان اقتصادي أم احترام للسلطات؟
إن الفكر الفلسفي الذي يدفعنا إلى رفض الاستسلام للبديهيات يحثّنا أيضاً على إيجاد معنى للمسؤولية السياسية. وفي الوقت الذي تأتي فيه قرارات الخبراء نتيجةً لإحصاءات جامدة، يصبح العصيان تأكيداً للإنسانية. فريديريك غرو أستاذ فكر سياسي بمعهد العلوم السياسية في باريس. له إصدارات عدّة وعُرف بنشره الأعمال الكاملة لميشال فوكو في سلسلة «La Pléiade». وقد خصّت دار النشر «الشرق الأوسط» بهذا المقطع من الكتاب: «في مجال التنميط الأخلاقي، لنبدأ بما سأسميه هنا (الإذعان). الإذعان هو البديهية الأولى والنموذج البدئي.
لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن: ويستحيل أن أتصرّف بطريقة مغايرة. هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس. الذي يطيع على نحو مميَّز هو العبد.
وأقصد بالإذعان طاعة إكراهية خالصة: نطيع من يحمل في يديه السلاحَ والسوط، والقدرةَ على التحكّم بالوظيفة، بل بالحياة والموت. أي إننا نطيع ربَّ العمل ورئيس العمال والكابو و(المدير) الإداري و(الرئيس)... أن أذعن يعني أنني سجين تتحكم بي علاقة قوة تُخضِع وتُرضِخ وتستلب، بالمعنى الحصري للكلمة. عندما أذعن، أكون تابعاً للآخر تماماً، فيسيّرني ويقرّر عني ويُصدر أوامره الهادرة ويمنعني من النجاح ويكسر حقوي وإرادتي. ما أفعله عندئذ هو أن أنفّذ باستسلام ما طلبه مني هذا الآخر الخارج عني والمهيمن عليّ. لا تستطيع لا الإرادة الخاصة ولا الدافع الداخلي ولا العفوية الحية ولا الحركة الشخصية أن تتدخّل في حركاتي وسكناتي.
إنني مذعن.
هذا على الأرجح هو المعنى الأدقّ والأقسى للطاعة: هو علاقة (أن أكون مسيَّراً ومسيطّراً عليّ ومأموراً ومحكوماً... إلخ) ترغمني على التصرّف وفقاً لإرادة آخر، أي إنني عندما أتصرّف أبقى عديم الحيلة. هذه عبارة إشكالية في الإذعان: أي إنني أجمع عند شخص بمفرده بين الهمود والنشاط. راقبوهم كيف يتخبّطون: العامل أمام آلته الذي تُرهقه متابعة الوتائر المستحيلة، الموظف الصغير الذي يسعى حثيثاً في مكتبه لتطبيق التعليمات الزئبقية، المستخدَم الذي يرهق نفسه في (الانفعال). جميعهم منهكون ويستنفدون قواهم. ولكن هذه الحركة المحمومة ليست سوى الوجه الآخر لانفعال تام.
لماذا يطيع المذعنُ؟ لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر: إنه أقل قوة، وأقل اقتداراً. لماذا تطيع؟ لأنني لا أستطيع أن أعصي. ويعود سبب الطاعة عند المذعن إلى عبثية العنف الأعمى وعلاقات القوة.
أمامنا شخص ساءله الفكرُ السياسي منذ أرسطو على الأقل: وهو العبد. قال أرسطو في كتابه (السياسات) إن العبد يملكه شخص آخر، وهو (سلعة حيّة)، (ktêma empsukhon) و(منفّذ أوامر). وهذا يعني أنه لا يمتلك نفسه. فجسده وحركاته وحياته بالذات يمتلكها سيدُه. هو أداة وآلة في أيدٍ غريبة. وهو سلعة يجري تبادلها وتُباع، وهو مُقتنى يتصرّف به مالكه على هواه، ويسيّره ويستطيع استخدامه أو يسيء استعماله.
العبد هو الذي لا يملك نفسه، و(ينفّذ الأوامرَ دون مبادرة منه. العبد لا يبادر في شيء، ولا يشرع في شيء: حركات يديه وجسده ليست سوى صدى وإجابة وردّ فعل ونتيجة لقولٍ آمر ناهٍ صدر أولاً وهيمن. العبد لا يبدأ شيئاً: إنه يتبع وينفّذ أوامر شخص آخر).
ليس نص أرسطو سوى مناسبة، ولا أتكلّم على العبودية كوضع محدّد تاريخياً، وهو في النتيجة متغيّر ومتنوّع، كما تشهد بذلك كتب التاريخ. وأبني هنا فقط أنموذجاً يقول بتقليص العجز ويرى في العبودية تبعيةً ما: (استعباد شيء ما يعني أن هذا الشيء يخضع لسبب خارجي؛ على العكس، لا تعني الحرية أنها خاضعة لهذا الشيء بل متحررة منه). بهذا المعنى الواسع، أُجْمِلُ العبيدَ في العصور القديمة الذين كان يمكن تبادلهم كما تُتبادَل الجرار، وأتكلّم على الأقنان في العصر الوسيط الذين كانوا يحصلون على قوت يومي زهيد مقابل عمل لا ينتهي على أراضي الآخرين، وأعني بهم أيضاً عمّال المصانع الكبرى إبان القرن التاسع عشر الذين كانت رواتبهم بائسة، والناس المثقلين بالديون في أيامنا ممن يشترون حقّهم في العيش والسكن والغذاء وتعليم أولادهم - «فانخرطوا في الدوّامة» كما يقال - مقابل أتعابهم المزمنة وقلقهم البالغ، في حين أن هناك نخبة لا تخجل وتستطيع أن تكسب في أيام معدودة ما لا يستطيعون الحصول عليه في حياتهم كلها.
لماذا يطيع المذعِنُ؟ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر، ولأنه عاجز عن العصيان؛ ذلك أن العقاب المبرِّح يأتي مباشرة. وإذ إنه مهان ومسرَّح ومضروب ومستبعد ومتقهقر، فإن العصيان يكلّفه غالياً جداً... وينطوي على مجازفة كبرى. يطيع المرء لأن تكلفة العصيان مرهقة. في المحصلة، يكمن السبب الوحيد للطاعة في استحالة العصيان. يستند الإذعان إلى العنصر الاعتباطي لعلاقة متخلخلة في القوى، وإلى اللاعدالة في السلّم الهرمي. ينصاع العبد بصمت لأوامر سيده، ويزرع القن؛ إذ إنه يَبقُر أراضي سيده، ويَقبل العامل أن تُفرض عليه وتائر (عمل) مجنونة، ويُصغي المستخدم لانتقادات رئيسه الهازئة وهو يُصرّ بأسنانه. كيف يسعه أن يتصرف بأسلوب مغاير؟
في الآن نفسه، يستطيع الإذعان أن يَحمل كوجهه الآخر العتيد وعداً بالتمرّد أو بالفتنة. ينتظر المذعِن أن تحين ساعتها. يراقب مواقع الضعف عند سيده، وينتبه إلى الهشاشات وخطوط الانكسار، مستعداً للانقضاض وقلب المعطيات. إنني أكثّف هنا مفهوم (الإذعان). وإذا قلت عن ميزان القوى، هذا، إنه تاريخي وطارئ ومؤقت وقابل للانقلاب - أي إنه حالة حاصلة فحسب - عندئذ ينطوي الإذعان والطاعة الجامحة على اللاإذعان فيكون بمكانة انتقام. ما إن يتوصّل المذعنون إلى توحيد أنفسهم ليتآمروا على أسيادهم، وما إن يشعروا بقوّتهم الجماعية ويبنوها، حتى تبدأ الحرب. إن كلمة (rébellion) (الفتنة) المشتقة من (re–bellum) اللاتينية تعني أن الحرب عادت، وأن المهزوم سابقاً راح يرفع رأسه.
أو إن المذعِن عندما يرى عدد الثورات التي انقلبت على الثوار، وعدد الانتفاضات الخائبة، والصراعات التي تم احتواؤها، يقول في سرّه إن عجزه غير محدود، وإن اعتقاده الممكن بقلب الظروف سيكلّفه دماء غزيرة وويلات كبرى، فلا يبقى له خيار آخر سوى أن يستبدل الخيبات الأليمة ووجع الأحلام المنكسرة بحلاوة التسليم للقدر، أي بالإذعان المقبول في استدامته.
أو يقول لنفسه - لكنه يقول لها لأنهم علّموه أن يقول ذلك وأن يكرّره ويسمعه ويتلفّظ به (في المدرسة والعائلة) - إنّ تفاوت المستويات الاجتماعية هو في المحصلة أمر طبيعي وإنّ تفوّق الزعيم راسخ بسبب مواهبه الطبيعية (الذكاء والنزاهة)، أو يقول - في الشأن الخاص بالطاعة السياسية - يجب عليه أن يذعن للقوانين العامة، حتى إذا كانت لا تناسبه، لأن العصيان يعني الفوضى والمطالبةَ الأنانية بمصلحة خاصة. أو يلقي خطاباً مروّضاً جيداً ويدعو إلى تثبيط اللاإذعان، دون إعلان الهزيمة والتسليم بها: (ولكن أخيراً استيقِظوا، يا متمردي المساء الأول، خلخلوا وهْم نسف كل شيء وانفضوا الغبار عن أحلامكم؛ هذه السلطات الهرمية التي تعارضونها، لم تُبْنَ قط إلا من أجل هذا النظام الاجتماعي، النظام الذي تشكّكون فيه مع أنكم استفدتم منه منذ ولادتكم، وتقولون الآن (لا) لأن هذا القانون أو ذاك يتعارض معكم. ولكنكم في المحصلة قد أذعنتم أنتم أنفسُكم، وبحرية ومنذ الأبد، لتطيعوا القوانين بعامة! هذا المجتمع يعطيكم حقوقاً سياسية، فكوّنوا منابرَ بالأعداد التي تريدونها للإعراب عن معارضتكم، صوّتوا لممثلين من اتجاهات أخرى، ولكن أطيعوا بخاصة، احترموا قواعد اللعبة السياسية كما وُضعتْ من أجل الوئام العام والسلام العمومي وخير الجميع).
نرى في هذا الخطاب صورة أخرى من صور الطاعة: الإذعان للميثاق الجمهوري. وإزاءه - وحتى إزاء الطاعة الموقّرة (والاعتراف بالسلطة) - نرى أن مفهوم الإذعان، بقسوته وحدّته، قد لعب دوراً في إزالة الأوهام السياسية. ما استنكره متجاوزو الأوهام السياسية الكبار (ابتداء من ثراسيماكوس عند أفلاطون وماركس، مروراً بمكيافيلي) هو إرادة إخفاء علاقة الإذعان، هذه، إخفاءً منهجياً.
في ودنا أن ندفع الناس إلى الاعتقاد بأن الطاعة السياسية هي قبول حرّ طوعي، أو أنها تستند إلى امتنان صامت ومُشِيد. إن الخطاب الصغير القائل بالتخلي عن الأوهام السياسية يتعارض مع تكذيبه: (أرجوكم أنتم منظّري الانتماء السياسي، توقفوا، وكفّوا عن التأكيد - من محراب مكتباتكم الهادئة والوثيرة - أن طاعتنا السياسية هي طاعة عقلانية وشرعية، وأن رؤساءنا يحكموننا لخيرنا، وأننا عندما نثور على تلك القوانين التي لم تسنّ إلا لمصحة نخبة معينة، نخطئ من الناحية الفلسفية في العصيان. هذه الحجج واهية، في حين أنه لا يوجد واقع آخر سوى واقع الظلم المفروض بالوسائل العنفية، وأننا لا نطيع إلا لأن تكلفة العصيان باهظة فعلاً: دماء مسفوكة، إذلال فوري، هزيمة معلنة). نعم إن الإذعان بهذا المعنى موجِّهٌ يدل على تجاوز الأوهام السياسية، لأن المسألة هي أن تُظهر رشيم واقع الظلم والعنف خلف مباني الدخان. العصيان يعني معاودة الحرب، هذه الحرب الصماء التي لم تتوقف قط والتي تستمرّ تحت غلالة السلم الأهلي.
يكمن الالتباس الجسيم في أن مفهوم الإذعان، هذا، مع أنه موجِّه يدل على تجاوز الأوهام السياسية - ويفسد مقولة المواطنة المطيعة أو الاعتراف المرن - يشكّل موجِّهاً يدلّ على تجاوز الأوهام الأخلاقية.
نستطيع استعادة عبارات أرسطو: (العبد هو «ملكية مكتسبة» و«وسيلة» (organon) و«منفّذ أوامر»)، (1254a - 1253b). ويجب أن نفهم من ذلك أن جسمه ينصاع لإرادة شخص آخر، ولكن روحه لا تشارك إطلاقا في مضمون ما ينفّذه. السبب الوحيد الذي يدفع بالعبد إلى الطاعة هو أنه أُعطي أمراً. وهذا يقتضي قطيعة وانفصالاً: أعمل ما أمرني شخص آخر بفعله. وهنا تنفتح إمكانية الاستغلال الأخلاقي لمشاركة الروح والجسد. يستطيع الإذعان الذي يستغلّ هذا الانقطاع أن يتّخذ شكلين على الأقل.
الشكل الأول هو «إذعان المسايرة». وهذا يعني ما يلي: عندما يُكثر المذعن العلامات الخارجية للاستعباد، وعندما يبالغ في انحناءاته وطأطأة رأسه، وعندما يكثّف تصنّع التصاغر، فإنه يحافظ في قرارة نفسه على حكم نقدي صارم. المذعن يصغي بجدية كبرى واحترام عميق إلى لائحة الأوامر، ويحسب في سره كيف يتخلّص من واجباته ويعوّض مسبقاً وبصورة مأتمية لزجة ودبقة عن خموله العتيد وازدرائه العميق. هذا هو إذعان المسايرة، وهو الاستغلال الأخلاقي الأول للانفصال بين الروح والجسد: هناك مسرحة لعلامات الاستعباد بغية إخفاء العصيانات المادية والحرباوية والعينية، وهناك بخاصة إخفاء للازدراء النهائي. كلا، لم يستبطن المذعن استعباده، وإنما تحمّله وأوهم رئيسه فقط أنه يعترف بتفوقه الذي سيُثلج صدرَه. إن هذه اللعبة كلها وهذه المراوغة الاجتماعية - وهي ما سماه جيمس سكوت (الخطاب الخفي) - وإن هذا الإبراز الصاخب لصور الاستعباد التي من شأنها أن تحجب صور التحرر الملموسة، يصعب عملياً تقدير وظيفتها: هل سيكون إعداداً لصراعات مقبلة؟ - السبب في ذلك أن الاحتقار الاجتماعي يخزّن بعيداً عن استبطان الدونية، وأن روح الانتقام تعتمل في الذات - وهل هو صمّام أمان وتنفيس رمزي يتيح استدامة التباينات، ما دام لم يُقْدِم أي انتقام متخيّل قط على كسر شوكة الهرمية السلطوية؟ يبقى أن الأدب، من موليير إلى بالزاك، يعجّ بأولئك الخدّام الذين يسخرون من أسيادهم عندما يديرون ظهورهم، وبتلك المخلوقات الخانعة التي تغذّي غرور الأسياد لتطيع أقل فأقل. ولكنْ هناك استغلال أخلاقي آخر للتشارك بين الروح والجسد يشكّل المنحدر السياسي الأشد خطورة. لننظر مرة أخرى في ترسيمة الطاعة: المذعِن يطيع طاعة عمياء، فلا يعلم شيئاً عن غاية ما أُمِرَ به ولا عن مآله وهدفه ومعناه، ربما لا يريد أن يعلم شيئاً عنه. ينفّذ ويعمل لحساب ومصلحة شخص آخر دون مقاصد خاصة، ويترك الإرادة والقرار يقعان تحت مسؤولية شخص آخر. هو المنفّذ وليس صاحب القرار. لا بدّ من فصل الأمور عن بعضها بعضاً: أتصرف على هذا النحو، أنفّذ هذا الشيء، ولكن الفاعل ليس أنا حقاً، لست إلا المنفّذ والساعد الآلي والدماغ المستبصر والحركة الآلية، ولكن القرار والحكم لا ينبعان مني في أي حال من الأحوال. لماذا فعلتَ هذا؟ تلقيتُ الأوامر. وهذا يعني: لم آخذ زمام المبادرة، وأكاد أفتقر إلى اختيار الوسائل. لستُ فاعل ما أفعل. أنا منفّذ فقط. ولست مسؤولاً في المحصلة.
هنا يُفهَم دور المخاتلة الأخلاقية في وقت لم أعد أخضع فيه فعلاً للإذعان، بل إنني أستغله لأجعل منه رافعة تسويغ بالنسبة إلي وإلى الآخرين وضميري والعالم والتاريخ والأجيال المقبلة.
هل يذعن الإنسان دائماً إلى هذه الدرجة؟ ألا نبالغ في كلفة العصيان كي نتخلّى عن المسؤولية بخاصة وكي نعلن ذلك لذاتنا وللآخرين؟ (إنني أساهم بلا شك في هذه المنظومة الجائرة، عندما أحرّكها على مستواي الوضيع، كمستخدَم صغير وكادر صغير وسكرتير صغير ومسيِّر صغير وشريك صغير، أي إنني (صغير) دائماً وأكاد أعتزّ بذلك (لو لمرة واحدة). ولكن الأمور تجري على هذا النحو، فلا تجادلوني؛ ما رأيكم في هامش مناورتي وأداء عملي؟ إما أن أتصرف هكذا وإما أن أسرَّح، إما الطاعة وإما الفصل، إما الانقياد وإما الصرف. كيف يسعكم أن تتصوروا أنني قادر على المشاركة في تجفيف البشرية والموافقة على ما أعمل وعلى تنمية اليأس الاجتماعي وعلى الحط المتزايد من الطبيعة المختنقة ومن تدمير الحيوات؟ ولكنني لست إلا عبدا لنظام أستنكره دون أن تتوفر لدي وسائل محاربته. يداي تتحركان، وذكائي ينشط، وجسمي يتنقّل، ودماغي يحسب حساباته. ولكن لست الذي يتكلم، ولست الذي يتحرك، ولست الذي يفكّر: ثمة شخص آخر يبثّ الحركة في أعضائي).
هذا مريح جداً في المحصلة، مريح لأنني تخلصتُ تماماً من مسؤولياتي. ترتاح نفسي عندما أقول إنني لم أستطع أن أفعل شيئاً، أو بالأحرى عندما أقول إن ما فعلتُه لست أنا الذي فعلته حقاً.
(لستُ مسؤولاً؛ أطعتُ الأوامر)».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.