غزة: الطريق إلى اللامكان

تاريخ من المواجهة واتفاقات التهدئة ومخاوف الحرب المدمرة لا تروّع أحداً

غزة: الطريق إلى اللامكان
TT

غزة: الطريق إلى اللامكان

غزة: الطريق إلى اللامكان

لا تعرف إسرائيل ماذا ستفعل مع حماس في قطاع غزة غداً. فالحركة التي تحكم سيطرتها على القطاع من 2007 ليست دولة يمكن هزيمتها في حرب كلاسيكية. إذ لا مقرات لرئيس ولا وزارة للدفاع... لا مطارات، لا ثكنات للجيش. ثم إنه ليس لها عملة يمكن أن تهوي في أي حرب. إنها مثل شبح يوجد في كل مكان،... في كل شخص في كل بيت وشارع وزقاق وتحت الأرض، ولا تبدو هزيمتها أو التخلص منها فكرة ممكنة.
هذه المعضلة هي التي جعلت واحداً من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط، بعد عدة حروب كبيرة ومواجهات أصغر، وكرٍّ وفرّ وكمّ كبير من الاغتيالات، محتاراً في كيفية هزيمة فصيل مسلح بدأ بمجموعات عسكرية صغيرة، وظل ينمو حتى بنى قوات شبه منظمة وليست نظامية.
تريد إسرائيل كبح جماح حماس، إلا أنها في المقابل، تريد «لحكمها» أن يبقى في غزة، وذلك لأنه يعني استمرار الانقسام. لكن إسرائيل أيضا تعاني من أن بقاء حماس هناك يعني تطوراً مستمراً للقدرات العسكرية.
إنها معضلة. لكن قبل حماس وبعد حماس، كانت غزة وستبقى عقدة مستعصية على الحل.

بعد 13 سنة من انسحاب إسرائيل أحاديا من قطاع غزة، ما زال القطاع الصغير والمحاصر عقدة تستعصي على الحل. لقد جربت إسرائيل كل شيء في غزة. أبقتها قديماً مع الحكم المصري، ثم احتلتها، ثم سلمتها إلى السلطة الفلسطينية، ثم انسحبت، ثم شنت عدة حروب طاحنة ومدمرة. كل هذا من دون أن يتضح أن إسرائيل نجحت مرة واحدة في التخلص من صداع القطاع الصغير والمكتظ بالسكان.
على مدار سنوات طويلة من جولات المواجهة في القطاع، ظلت غزة التي يحلو للإعلام الإسرائيلي تسميتها بـ«طنجرة الضغط» تغلي على نار هادئة، فلا هي انطفأت ولا هي انفجرت، بل ظلت مثل قنبلة تحتمل الانفجار.
تعود مشكلة إسرائيل مع غزة حتى ما قبل احتلالها عام 1967، عندما كانت تحت الحكم المصري. إذ تردد ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في احتلال القطاع بعد حرب 1948. ثم شن أول هجوم إسرائيلي عليها في 14 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1948، أي بعد ثلاثة أيام من إعلان الاستقلال في إسرائيل. وعاد بعد 7 سنوات، أثناء حملة سيناء، لاحتلال القطاع الذي لم يدم طويلا، قبل أن يعود وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان لاحتلال القطاع عام 1967.
في العام 1987، أطلق قطاع غزة شرارة الانتفاضة الشعبية الأولى، وغدا «ساحة حرب» صغيرة مزعجة للدولة النووية إلى الحد الذي تمنى معه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين لو تغرق غزة في البحر.

- في أيدي عرفات
هربت إسرائيل من غزة عام 1993. وسلمتها للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وحتى العام 2005 شنت إسرائيل 4 حروب، حتى قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون في 2005، الانسحاب من غزة ضمن خطة عُرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط الأحادي الجانب»، وبموجبها أخلت إسرائيل 21 مستوطنة في القطاع، ومعها معسكرات الجيش الإسرائيلي.
أجبر شارون 8.600 إسرائيلي على ترك المستوطنات متعهداً بأن خطته هذه «ستحقق أقصى مستوى من الأمن». لكن بعد ذلك، اضطرت إسرائيل لشن حروب كبيرة وصغيرة، ومواجهات لا تحصى، أثبتت آخر جولاتها - التي بقيت يومين فقط - أن الإسرائيليين لم ينعموا أبدا بالأمن، وإنما لفرط الرعب راحوا يتظاهرون ضد حكوماتهم لأنها تفشل في جلب حياة عادية لهم.
إنها مظاهرات جعلت السياسيين الإسرائيليين في انقسام، يتبادلون اتهامات قديمة حول الفشل في التعامل مع غزة. وبينما ما زال النقاش محتدماً داخل إسرائيل حول كيفية التعامل مع القطاع، يعيش سكانه البالغ عددهم 1.8 مليون مأساة متواصلة، بفعل حصار مستمر منذ 11 سنة، جعل «طنجرة الضغط» تغلي بتسارع كبير نحو مواجهة غير مسبوقة.

- هدوء أم حرب؟
لن يستطيع شخص واحد في حماس أو إسرائيل الإجابة عن هذا السؤال، غير أن الأكيد بالنسبة لهما أنهما سيكونان يوما ما أمام حرب ضروس.
لكن متى؟
ربما قربت المواجهة الأخيرة التي انتهت قبل أيام من هذه الحرب المنتظرة، إذا أرسل الطرفان ما يكفي من رسائل حول جاهزيتهما لهزيمة الآخر.
وخلال يومين فقط دمر الجيش الإسرائيلي، وفق الناطق باسمه يوناثان كورنيكوس، أكثر من 150 هدفاً عسكرياً، تشمل «أهدافاً استراتيجية مهمة... وذات قيمة بالنسبة لحماس ولها تأثير نفسي». وشملت الأهداف التي قصفتها إسرائيل مباني كبيرة، بينها مبنى قناة «الأقصى» التابعة لحماس، ومقر جهاز الأمن الداخلي، ومجمّع وزارات، بالإضافة إلى بناية قالت إسرائيل بأنها تابعة لاستخبارات الحركة.
قابل ذلك إطلاق الفصائل الفلسطينية نحو 400 صاروخ وقذيفة باتجاه مستوطنات وبلدات إسرائيلية قريبة من الحدود، مجبرة عشرات آلاف الإسرائيليين في الجنوب بالبقاء بالقرب من الملاجئ. وشكل هذا العدد بالنسبة للطرفين أكثر من ضعفي أي عدد لغارات وصواريخ شنت أو أطلقت خلال هذه الفترة (يومين) في أي حرب سابقة.
لقد استعرضت إسرائيل قدرتها على قصف مبانٍ مهمة، في حين استعرضت حماس قدرتها على إسقاط صواريخ على المستوطنات، وزادت على ذلك بفيديو يظهر قدرة مقاتليها على اصطياد حافلة إسرائيلية بصاروخ «كورنيت».
لم يتردد مراقبون في الطرفين بالقول إنها كانت بروفة المواجهة الصعبة. وقال يحيى السنوار، رئيس حركة حماس في قطاع غزة، بأن «الحركة وفصائل المقاومة لن تسمح للاحتلال بتكرار الاعتداء على قطاع غزة»، في إشارة إلى أن زمن الاعتداءات بلا مقابل انتهى. وهذا التهديد قابله وزير الإسكان الإسرائيلي يوآف غالانت بالتأكيد على «أن إسرائيل لن تسمح لحماس مجدداً بتحديد قواعد اللعبة»، في إشارة إلى أن إسرائيل لن تسمح لحماس بإطلاق صواريخ ثم العودة إلى تهدئة.
وهكذا، في حين يهدد الطرفان بحرب لا يريدانها، يظل السؤال القائم هو... إلى متى سيتجنبان ذلك؟
يقول أليكس فيشمان، المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بأن «إسرائيل وحماس تجدان أنفسهما، في رحلة جوية خطيرة إلى اللامكان»، مضيفا «كلا الجانبين عالق في وضع يتعين عليهما فيه إعطاء تفسير لجمهورهما وإعادة بناء الردع». وهذا الردع، الذي سعت إليه كل من إسرائيل وحماس، وصفه بن كسبيت، المحلل السياسي في صحيفة «معاريف»، بأنه «فخ». وقال إن إسرائيل وحماس علقتا في «فخ ردع متبادل... ومن كثرة حالات أن الجميع في هذه القصة يردعون الجميع، لم يعد أحد يرتدع من أي شيء!».

- حيرة وفشل وخوف
على الأقل، يبدو أن التهديدات الإسرائيلية الكثيرة والحروب المتتالية وعدد الهدن التي عقدت في وقت قصير تشير إلى حيرة إسرائيلية كبيرة في التعامل مع القطاع، وربما إلى عجز. ويترجم ذلك ما قاله الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف، ذات مرة، بقوله إن «القصة بين إسرائيل وغزة طويلة ومستمرة منذ عام 1948. كانت وما زالت وستبقى علاقة عنف وضغط وإحباط ويأس واتفاقيات وفرص ضائعة». ويرى الكاتب أن سلسلة الحروب الطويلة التي شنتها إسرائيل على غزة في السنوات الأخيرة تثبت ما ذهب إليه بن غوريون نفسه عام 1948، بما معناه «لو غزونا غزة ألف مرة، فإنها لن تخضع».
وحقاً، ليس أكثر دلالة على هذا الواقع سوى أن جولة حرب من يومين كانت كفيلة بإسقاط وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان ووضع حكومة إسرائيل في مهب الريح.
في الحقيقة لم تكن جولة اليومين هي السبب بل المعضلة الأساس وهي كيف نتعامل مع غزة؟

- غزة التي أطاحت ليبرمان
بعد ساعات قليلة فقط على موافقة الحكومة الإسرائيلية على تهدئة أخرى في غزة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان استقالته من الحكومة، قائلا إنه استقال بسبب «الاستسلام أمام الإرهاب». وأردف «نحن نشتري الهدوء على المدى القصير، لكن ثمنه الأمن القومي على المدى البعيد». وجاءت الاستقالة بعد يوم من دخول هدنة بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ إثر جولة قتال عنيفة تخللها إطلاق مئات الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة وتنفيذ إسرائيل عشرات الغارات على أهداف في القطاع.
انسحاب حزب ليبرمان من الائتلاف الحاكم ترك القاعدة البرلمانية للحكومة هشة (61 مقعداً من مجموع 120 مقعداً في البرلمان)، ولذلك فإن انسحاب أي شخص فيها يهدد بسقوطها. ومن ناحية ثانية، أشعلت الاستقالة خلافات طاحنة في إسرائيل وردود فعل متباينة. وخرج الوزير نفتالي بنيت، رئيس حزب المستوطنين، بهجوم كاسح على ليبرمان، واصفاً إياه بأنه «وزير الدفاع الأفشل في تاريخ إسرائيل». وللعلم، يسعى بنيت إلى تولي حقيبة ليبرمان «من أجل الإطاحة بغزة» كما يقول. لكن المشكلة في غزة ليست مشكلة وزراء وأشخاص.
لقد خرج آلاف المستوطنين في مظاهرات ضد نتنياهو هاتفين «ارحل يا بيبي» محتجين على الفشل في معالجة صواريخ غزة. وأظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية غداة الجولة التصعيدية الأخيرة في القطاع، أن معظم الجمهور الإسرائيلي غير راضٍ عن أداء رئيس الوزراء، إذ قال 74 في المائة من المستفتين إنهم غير راضين عن أداء نتنياهو الأمني، مقابل 17 في المائة أعربوا عن رضاهم.
وفي استطلاع آخر للرأي، قال 64 في المائة من الإسرائيليين إنهم يعتقدون أنه كان يتوجب مواصلة العملية العسكرية ضد قطاع غزة، وقال 49 في المائة بأنهم يعتبرون أن «حماس انتصرت»، مقابل 14 في المائة يعتقدون أن إسرائيل هي المنتصرة. في حين قال 15 في المائة إن أيا من الأطراف لم يخرج منتصرًا من هذه الجولة القتالية القصيرة. واتضح من الاستطلاع، الذي أجرته هيئة البث الإسرائيلية الجديدة «كان»، أن 21 في المائة من الإسرائيليين يؤيدون وقف إطلاق النار مع القطاع مقابل 64 في المائة يرون أنه كان يتوجب مواصلة العملية العسكرية، وربما توسيع الضربات والغارات.
والى جانب ذلك، وجه مسؤولو دفاع في إسرائيل انتقادات حادة لتعامل الحكومة مع التصعيد في غزة، وقالوا إن الاعتبارات الأمنية في إسرائيل أصبحت «مسيّسة بصورة متزايدة». وأشار مسؤولون لم تُذكر أسماؤهم أن حكومة نتنياهو فشلت في إبلاغ مجلس وزرائها الأمني بالسياسة الرسمية حول العمل العسكري في غزة. واعتبر مسؤول لهيئة البث الإسرائيلية «أن قيمة عقد جلسة للكابينت [الأمني] هي صفر». وكان «الكابينت الأمني» قد وافق على اتفاق غير رسمي لوقف إطلاق النار مع حركة حماس في قرار عارضه عدد من وزرائه. وذكرت «القناة 10» أن ليبرمان، ووزيرة العدل أييليت شاكيد، ووزير حماية البيئة زئيف إلكين، ووزير التربية والتعليم نفتالي بنيت، طرحوا رداً بديلاً، لكن الوزراء الآخرين رفضوه. وكان الرد هو توجيه ضربة قاسية لحماس.
ولكن هذا التهديد قديم عمره سنوات طويلة، ورفضه وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي، معتبراً أن توجيه «ضربة قاسية يعني شللا في تل أبيب مع مئات الصواريخ في كل يوم. سيشل مطار بن غوريون لأسابيع، فلا حرب من دون ثمن، وفي نهاية هذه الحرب وبعد المئات من الجنائز للشبان الصغار سنعود إلى النقطة الراهنة نفسها».

- خيارات الإنقاذ «مصالحة»
قد لا يكون أمام إسرائيل وحماس سوى خيار واحد الآن هو عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. وهذا خيار قد يؤجل الحرب إلى أجل غير مسمى، غير أنه صعب ومعقّد إلى حد كبير، لأنه مرهون بمصالحة ما زالت تراوح مكانها. لكن، ربما من محاسن الجولة الأخيرة للحرب، أنها فتحت أبواباً جديدة لهذه المصالحة. ولم يتردد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القول، قبل يومين فقط، بأن «الطريق مفتوح الآن من أجل إزالة أسباب الانقسام وتحقيق المصالحة»، مطالباً حماس «بتنفيذ أمين ودقيق لاتفاق القاهرة» الذي وقع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
عباس أكد، لدى ترؤسه اجتماعات للقيادة الفلسطينية واللجنة العليا المكلفة بتنفيذ متابعة قرارات المجلس المركزي، أن «الطريق سالكة اليوم لتحقيق إزالة أسباب الانقسام عبر التنفيذ الدقيق والأمين للاتفاق الذي وقع في 12-10-2017 بشكل شمولي، وبما يضمن تحقيق الوحدة الوطنية والسياسية والجغرافية، واستنادا إلى العودة إلى إرادة الشعب وصناديق الاقتراع». وأضاف «وحدتنا الوطنية هي الأساس، والتعالي عن الخاص لصالح العام، والانعتاق من التعصب التنظيمي ووضع استقلال فلسطين والقدس فوق أي اعتبار، يجب أن تكون نقطة الارتكاز لجميع أبناء شعبنا».
وأمس ترأس عباس اجتماعاً طارئاً للقيادة خصص لبحث العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وأيد وقف جولة المواجهة هناك مؤكدا أن هدفه دائماً كان «تجنيب الشعب المزيد من المجازر وجرائم الحرب التي ترتكبها سلطة الاحتلال الإسرائيلي».
وأدان عباس «العدوان الإجرامي على قطاع غزه، محملا الحكومة الإسرائيلية (سلطة الاحتلال) المسؤولية الكاملة عن نتائج وتداعيات هذا العدوان». وجاء الاجتماع في رام الله بعد يومين على تحقيق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي رعته مصر وشاركت فيه دول أخرى. ولقد أعاد الاتفاق الحالي الوضع إلى ما كان عليه سابقا بما يضمن تحقيق الهدوء، مقابل إدخال أموال ووقود إلى القطاع، والسماح بتخفيف الحصار وإقامة مشاريع إنسانية.
وكان عباس هدد باتخاذ إجراءات قريبة فيما يخص العلاقة مع هذه الأطراف بما في ذلك حماس، لكن جولة القتال الأخيرة في غزة قد تجعل قراراته أبعد فيما يخص حماس. ويريد الرئيس الفلسطيني الآن العودة لحكم غزة، ثم توقيع اتفاق مع إسرائيل بشأن القطاع.
ومن جانبه، قال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، إن القيادة تركز على وجوب تثبيت التهدئة، «لكن الطريق إلى التهدئة يجب أن تتم عبر منظمة التحرير والفصائل الوطنية والإسلامية على غرار ما حصل في التهدئة التي وقعت عام 2014. لأن إسرائيل تحاول أن تستفرد بهذا الفصيل أو ذاك وتحويلنا بدلا من سلطة واحدة إلى مجموعة سلطات وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلاً». وتابع «الطريق إلى التهدئة هي بالوحدة الوطنية وإزالة أسباب الانقسام».
صحيح أن الطرفين يريدان مصالحة، لكن عقبات كثيرة تقف أمام ذلك. فحركة فتح تصرّ على تسلم كامل لقطاع غزة يشمل الأمن والمعابر والجباية المالية والقضاء وسلطة الأراضي، ووضع اتفاق حول سلاح الفصائل، رافضة ربط المصالحة بالقرارات التي اتخذها الرئيس محمود عباس ضد قطاع غزة. ولقد رفضت دفع رواتب موظفي حماس العسكريين، وأي نقاش حول ملف منظمة التحرير قبل إنهاء الانقسام. وردّت حماس، في المقابل، برفض تسليم غزة من دون رفع العقوبات، واشترطت تشكيل «حكومة وحدة وطنية» جديدة، ودفع رواتب موظفيها بالكامل، رافضة أي نقاش متعلق بالسلاح، ومصرة على فتح ملف منظمة التحرير وإجراء انتخابات للمنظمة.
في ظل هذا الواقع، لا توجد حرب في غزة ولا هدنة... ولا توجد هناك مصالحة كذلك. إنما «طنجرة ضغط» ما زالت تغلي.

- غزة الأكثر كثافة في العالم: 1.76 مليون نسمة في 360 كيلومترا مربعا
في المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط، على مساحة لا تزيد عن 360 كيلومترا مربعا، بطول 41 كلم، وعرض يتراوح بين 5 و15 كلم، يعيش في قطاع غزة أكثر من 1.76 مليون نسمة، وهو ما يجعل القطاع البقعة الأكثر كثافة سكانية في العالم. وهو يسمى بقطاع غزة نسبة لأكبر مدنه... غزة.
تبلغ نسبة الكثافة فيه وفقاً لأرقام حديثة 26 ألف ساكن في الكيلومتر المربع الواحد، أما في المخيمات فترتفع الكثافة السكانية إلى حدود 55 ألف ساكن تقريبا بالكيلومتر المربع.
ويشكل القطاع مع الضفة الغربية، وهي الجزء الفلسطيني من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 5 يونيو (حزيران) 1967، الأراضي التي تسعى السلطة الفلسطينية لإنشاء دولة ضمن حدودها.
وحالياً، يوجد في القطاع 44 تجمعاً سكانياً، أهمها: غزة ورفح وخان يونس وبني سهيلا وخزاعة وعبسان الكبيرة وعبسان الجديدة ودير البلح وبيت لاهيا وبيت حانون وجباليا. ويقول البنك الدولي إن القطاع يمثل الآن أسوأ اقتصادات العالم أداء، وفيه أعلى معدل بطالة في العالم إذ يبلغ أكثر من 50 في المائة، ويمثل من هم في سن 20 - 24 سنة نسبة 68 في المائة بين العاطلين.

- حكاية غزة مع مسلسل العمليات العسكرية
كانت إسرائيل تعتقد أن تسليم غزة إلى السلطة الفلسطينية عام 1994 سيحوّلها إلى شرطي على الحدود، وكان هذا بمثابة وهم جديد. إذ اضطرت إسرائيل إلى شن أولى عملياتها العسكرية ضد غزة بعد تسليم السلطة لها بنحو 8 سنوات، وتحديداً في نهاية أبريل (نيسان) 2001.
وفي مايو (أيار) 2004، شنت إسرائيل عملية «قوس قزح»، وفي سبتمبر (أيلول) 2004، عادت ونفذت عملية «أيام الندم». ثم في 2005. انسحبت إسرائيل فعلا من قطاع غزة ضمن خطة عرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط الأحادي الجانب». وفي 25 سبتمبر (أيلول) 2005 شنت إسرائيل عملية «أول الغيث» وهي أول عملية بعد خطة فك الارتباط بأسبوعين.
بعد عام واحد، في يونيو (حزيران) 2006. شنت إسرائيل عملية باسم «سيف جلعاد»، ثم في فبراير (شباط) 2008، عادت من جديد لتنفذ عملية «الشتاء الساخن». وفي نهاية العام، وتحديداً في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008، شنت إسرائيل إحدى كبرى عملياتها العسكرية على غزة وأكثرها دموية، وعُرفت باسم «الرصاص المصبوب».
وبعد أربع سنوات، عام 2012. شنت إسرائيل عملية «عمود السحاب». وفي 2014 شنت حربا دموية باسم «الجرف الصامد» ظلت 51 يوماً، وخلفت أكثر من ألف قتيل فلسطيني ودماراً كبيراً. وقبل أيام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 خاضت جولة قاسية مع حماس. ولا أحد يعرف متى ستكون المواجهة التالية.


مقالات ذات صلة

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)
حصاد الأسبوع يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق

شوقي الريّس ( لشبونة)
حصاد الأسبوع الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»،

«الشرق الأوسط» (مدريد)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.


جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
TT

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات العسكرية في فنزويلا وإيران إلى تصدّعات في بنيان حلف شمال الأطلسي «ناتو»، ما يدفع أوروبا نحو استقلالية استراتيجية غير مسبوقة عن الولايات المتحدة، وقد تلعب فيه فرنسا دوراً ريادياً يهدف إلى استعادة السيادة الدفاعية بعيداً عن أولويات البيت الأبيض. كذلك رصّد المراقبون تحوّلاً تدريجياً في الموقف الرسمي الفرنسي، بدأ بمقاربة «حذرة» تجنبت الصدام المباشر مع الحليف الأطلسي الأكبر، حيث اكتفى الرئيس إيمانويل ماكرون في البداية بالترحيب بنهاية «ديكتاتورية مادورو» (في فنزويلا) مع التذكير بضرورة احترام السيادة، إلا أن هذا التحفّظ سرعان ما تبدّد تحت وطأة الضغوط الداخلية.

في ضوء أحدث التطوّرات الأطلسية - ولعل آخرها كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «مؤتمر ميونيخ للأمن» - انتقلت باريس إلى مربع «الحزم المدروس».

هذا ما عكسه تصريح وزير الحكومة سيباستيان ليكورنو أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) قبل فترة عندما وصف التدخل في فنزويلا بأنه «غير قانوني». وهذا بالتوازي مع تحذيرات منسقة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من أن «النموذج الفنزويلي» يمثل سابقة خطيرة قد تشرعن أطماع واشنطن في غرينلاند، الأمر الذي يهدّد السيادة الأوروبية والمصالح الدنماركية في تلك المنطقة الاستراتيجية.

العقيد ميشال غويا، الخبير العسكري البارز، يرى أن هذا التحوّل الفرنسي يعكس «نضجاً استراتيجياً» فرضته تجربة «حرب أوكرانيا»، حيث لم تعُد باريس تقبل بدور «التابع» في استراتيجية أميركية تشتِّت موارد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بين صراعات النفط في أميركا اللاتينية وطموحات تحييد البرنامج النووي الإيراني.

بل إن بعض التقارير ترى أن باريس باتت تقود اليوم حراكاً أوروبياً يهدف إلى «أورَبة» الدفاع وتحقيق الحكم الذاتي الاستراتيجي، معتبرة أن «الانعزالية» الأميركية الجديدة تفرض على أوروبا أن تكون «سيدة قرارها» لتجنب شلّل استراتيجي يلوح في الأفق نتيجة تقلبات القرار في واشنطن.

غرينلاند

تمثل قضية غرينلاند مختبراً خطيراً يجسّد هذه المخاوف، حيث يستغل الرئيس دونالد ترمب إقليماً تابعاً للدنمارك، وهي دولة عضو في «الناتو»، لاختبار حدود التحالف من دون تفجيره. فهو تكلم صراحة عن «الاستحواذ» على الجزيرة «بطريقة أو بأخرى»، مشيراً علناً إلى الخيار العسكري، رغم وجود قواعد أميركية هناك بموجب اتفاقية 1951.

هذا التصعيد الجديد هو وفق العديد من المسؤولين الفرنسيين، يعادل عدواناً من عضو على آخر، وهو ما لا تنصّ عليه المعاهدة، وقد يؤدي إما إلى شلل أو إلى انفجار التحالف. وأيضاً يرى المحلّلون الفرنسيون في ذلك توضيحاً ملموساً لنية «تدمير ناتو من الداخل» باعتبار أن التحالف لا يتفكّك بانسحاب رسمي للولايات المتحدة، بل بأفعال تجعل عمله غير قابل للاستمرار.

ويضيف هؤلاء أن أي مغامرة عسكرية أميركية ضد جزيرة غرينلاند، التابعة لسيادة مملكة الدنمارك، لن تكون مجرّد أزمة دبلوماسية عابرة، بل ستمثل «خطراً وجودياً» يهدد بقاء حلف شمال الأطلسي.

ويذهب بعض الخبراء إلى حد التنبؤ الصريح بـ«موت ناتو» في حال أقدمت واشنطن على ضرب شريك وحليف بدلاً من توفير الحماية له، ما يقلب فلسفة الحلف رأساً على عقب. وفي هذا السياق، يرى ألكسندر تايت، الأستاذ الباحث في «مؤسسة البحوث الاستراتيجية» (FRS)، أن تهديدات الرئيس ترمب تندرج ضمن «حرب نفسية» أو نوع من «التضليل»، لكنه يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في «العجز الأوروبي» وحالة الانقسام القاري أمام حليف تحوّل هو نفسه إلى مصدر خطر.

وفق تايت، فإن «أوروبا لا تملك سوى القليل من أوراق الضغط، وستظل منقسمة لأن دولاً مثل المجر أو بولندا قد أعلنت ولاءها التام للولايات المتحدة». وفي تحليل لافت، وصف تايت الخطاب الأميركي حول التهديدات الروسية والصينية في غرينلاند بأنه خطاب مبالغ فيه. ورأى أن ترمب يعمد إلى «تضخيم» البُعد الاستراتيجي للجزيرة لأغراض تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية، ما يكشف كيف يمكن توظيف حلف «ناتو» وتحويله إلى أداة لخدمة أجندات انتخابية محلية في واشنطن.

انهيار عقيدة «الدفاع الجماعي»

من جهة أخرى، وفي تحليل جيوسياسي معمّق، حذّر خبراء من أنه إذا انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة الضغط اللفظي إلى مرحلة «العمليات العسكرية» ضد غرينلاند، فإن ذلك سيفقد المنظمة - أي «الناتو» - مبرّر وجودها الأخلاقي والقانوني «لأن ميثاق الحلف لم يُصمم أبداً لإدارة صراع يعتدي فيه عضو على عضو آخر». ومع أن البيت الأبيض يؤكد أن «اللجوء إلى الجيش الأميركي يظل خياراً قائماً» بذريعة وجود «حاجة حيوية» لتأمين الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، فإن المحللين يجمعون على أن هذا النهج يضع الحلف أمام الاختبار الأكثر حرجاً وخطورة في تاريخه منذ تأسيسه عام 1949، حيث تترنّح المبادئ أمام لغة القوة والمصالح القومية الضيقة.

تحوّل استراتيجي

هنا يجب التذكير، بأن خبراء فرنسيين اعتبروا التدخل الأميركي في فنزويلا، مطلع يناير (كانون الثاني) 2026، «تحوّلاً استراتيجياً جوهرياً» في سياسة واشنطن الخارجية، وتفعيلاً صريحاً لـ«شرعة مونرو». وحقاً، يضع هذا التوجه الجديد تأمين النصف الغربي من الكرة الأرضية على رأس الأولويات الأميركية، على حساب الالتزامات التاريخية عبر الأطلسي. وفي مقال نشره موقع التحليل السياسي «ديبلو ويب»، كتب الباحثان سيلفان دوميرغ وفيكتوريا فولات أن هذه العملية، بالتزامن مع التقارير الواردة من إدارة ترمب حول تدخل عسكري محتمل في إيران، أدّت إلى سحب هائل للموارد العسكرية الأميركية، من قطع بحرية وطائرات وقوات خاصة، وتوجيهها نحو القارة الأميركية والشرق الأوسط. وحذّر الباحثان، من ثم، من أن هذا التحرّك يقلّص بشكل حاد القدرات المتاحة لـ«ناتو» في شرق أوروبا.من جانبه، نبّه العقيد روبرت هنري بيرغر، في مقال نشرته مجلة «لو غران كونتينان» من التأثير المتسلسل المعروف بـ«تأثير الدومينو»، إذ يرى أن هذا التركيز الأميركي يفرض أجندات إقليمية أحادية الجانب من دون التشاور مع الحلفاء. وهو أمر يُعرّض الحلف لـ«إنهاك استراتيجي» تُضحي فيه واشنطن بالتماسك الجماعي مقابل مكاسب فورية، تتمثل في السيطرة على النفط الفنزويلي، وتحييد البرنامج النووي الإيراني.

تعدد الجبهات واستنزاف القدرات

وفي قراءته للمشهد، أوضح جان ميشيل بلانكيه، الوزير الفرنسي السابق، أن «نشوة ما بعد مادورو» هي التي تغذّي الآن طموحات ترمب تجاه طهران، مع تزايد الكلام عن ضربات محتملة تستهدف «الحرس الثوري» أو المنشآت النووية. ووفق صحيفة «لوموند»، هذه «النشوة» تشكّل معضلة عسكرية وتأتي بينما تحاول واشنطن «الموازنة» بين انسحابها من الشرق الأوسط وتركيزها الجديد على فنزويلا.

في سياق موازٍ، نقلت مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS) عن ضباط فرنسيين قولهم إن «تشتت القوى الأميركية بين مكافحة تهريب المخدرات والسيطرة على النفط في فنزويلا من جانب، ومواجهة (محور المقاومة) في إيران من جانب آخر، أدّى إلى استنزاف القدرات اللوجستية. ومن ثم، حّد من عمليات التناوب العسكري في بحر البلطيق والبحر الأسود، تاركاً (ناتو) في وضع دفاعي هّش أمام تحركات روسية انتهازية».

وضمن السياق ذاته، حذّر الجنرال فنسنت ديبورت، عبر قناة «بوبليك سينا»، من «متلازمة المسارح المتعددّة»، مؤكداً أن الموارد الأميركية المثقلة أصلاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تكافح بصعوبة لدعم هذه الجبهات في وقت واحد، ما يخلق فراغاً استراتيجياً قد تستغله موسكو عبر حروب هجينة في أوكرانيا.

انتقاد لسياسة «المركز والأطراف»

عودة إلى العقيد ميشيل غويا، فقد وصف الخبير العسكري الفرنسي البارز هذا التحول بأنه يشكّل عودة إلى سياسة «المركز والأطراف»، حيث يتحول حلفاء «ناتو» إلى مجرد «توابع» لعمليات أميركية خارج النطاق الأوروبي، ما يضعف مصداقية «المادة الخامسة» للحلف أمام الاستفزازات الروسية.

وبدوره، ربط كلود مونيكيه، مدير معهد «إيريس» للأبحاث الاستراتيجية (IRIS) الفرنسي، بين الملفين الفنزويلي والإيراني، لافتاً إلى أن أي ضربة ضد طهران ستستوجب استنفار الأسطول الخامس الأميركي، وهو ما سيسحب أصولاً عسكرية حيوية من «ناتو».

وبالتالي، حذّر من أن هذا «الكيل بمكيالين» - إذ يُتسامح معه في أميركا اللاتينية ويُدان في روسيا - سيستغله فلاديمير بوتين لتبرير توسّعاته. وفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ، شّدد الأدميرال باتريك شوفاليري على التداعيات «السيبرانية» والفضائية، مؤكداً أن العمليات في فنزويلا وإيران تستنزف قدرات الحرب الإلكترونية الأميركية، ما سيترك أوروبا، المفتقرة للأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة الكافية، في حالة ارتهان وضعف.

سيناريوهات لتفتت حلف «الناتو» إلى ائتلافات إقليمية متباينة

سلاح في يد الخصوم!

كثير من المقالات تطرق أيضاً إلى «شرعية معيارية منهارة»، إذ كل عملية أحادية (اختطاف مادورو، قصف منشآت إيرانية) تمنح موسكو وبكين حجة دامغة إزاء «المعايير المزدوجة» الغربية: «ناتو» يتسامح مع انتهاكات واشنطن لكنه يدين الانتهاكات الروسية، ما يجعل خطابه غير مسموع لدى الجنوب العالمي، حتى أوروبا الشرقية.ومداخلات لخبراء معهد العلاقات الدولية أشارت إلى أن وضعية كهذه قد تضعف التعبئة الأوروبية؛ فكيف ندافع عن «المادة الخامسة» ضد روسيا إذا كانت واشنطن، الحليف الأطلسي الأكبر، تتجاوزها في مكان آخر؟

 

هذا يسرّع الدعوات إلى «ركيزة أوروبية» مستقلة... إذ عندما تنتهك واشنطن سيادة دولة (فنزويلا) أو تفكّر في استخدام القوة ضد إقليم حليف (غرينلاند)، يجد الأوروبيون أنفسهم في استحالة أخلاقية للدفاع عن «القواعد» التي يعارضون بها روسيا، خاصة في أوكرانيا.

وهذا التناقض يجعل من الصعب تعبئة الرأي العام الأوروبي لالتزامات «ناتو» المقدمة كدفاع عن القانون الدولي، لأن هذه الاستراتيجية «الترمبية» تمنح موسكو ذريعة لتصعيد العمليات في أوكرانيا تحت مسمى «المعاملة بالمثل»، مستغلة الانفرادية الأميركية والصمت الأوروبي.

ثم إن هذا الواقع دفع شخصيات من اليسار، مثل جان لوك ميلونشون وفابيان روسيل، لوصف المشهد بـ«الإمبريالية» التي تجبر «ناتو» على مراجعة ذاتية عميقة؛ فهل يواصل الحلف تقبّل قيادة أميركية متقلبة، أم يدفع نحو «أورَبة» الحلف؟

خصوصية باريس

في أي حال، تظل الخصوصية الفرنسية نابعة من إرثها التاريخي الديغولي ومصالحها القومية؛ ففي أفريقيا والمشرق العربي، لا يمكن لباريس القبول بسابقة أميركية تُشرعِن التدخلات العابرة للحدود، خشية أن تستحضر بعض الأصوات «النموذج الفنزويلي» للرد على العمليات الفرنسية (في الساحل أو لبنان).

ومن الناحية الاستراتيجية، تمتلك فرنسا قوة نووية مستقلة ونفوذاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعلها أقل ارتهاناً لـ«المظلة الأميركية» مقارنة بألمانيا. هذا الاستقلال يتيح لها هامشاً للمناورة والانتقاد من دون الخوف من «التخلي الأميركي»، ولا سيما أن الغواصات النووية وحاملة الطائرات «شارل ديغول» تعوض الانكفاء الأميركي في المتوسط.

لكن مع ذلك، أي مواجهة مع إيران ستمس مباشرة مصالح شركة «توتال إنرجي» وطرق إمدادات النفط في مضيق هرمز. واقتصادياً، تثير الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي (1.5 مليون برميل يومياً تحت سيطرة «إكسون»)، ومعها احتمال السيطرة على الحقول الإيرانية، مخاوف من قفزة في الأسعار، ما قد يفاقم فاتورة الطاقة الفرنسية (التي ارتفعت بالفعل بنسبة 20 في المائة بعد أزمة أوكرانيا).

كل هذا يفرض على باريس تسريع تنويع مصادرها من الطاقة، وهو مسار قد يصطدم مجدداً مع توجهات ترمب بشأن العقوبات الثانوية.

 

نحو نهاية «الناتو»... كما نعرفه اليوم؟

> تشير التحليلات الفرنسية إلى أن نموذج «القوة كمنظم» يقوّض «ناتو» من الداخل، ليس بانسحاب رسمي، بل بفقدان التماسك المعياري. إذ كل عملية في أميركا اللاتينية أو تهديد لإيران، أو ضغط على غرينلاند، تطوّر يوسّع الهوة بين الخطاب الأطلسي القائم على القِيَم والممارسة الأميركية القائمة على القوة المجرّدة. ويرى خبراء فرنسيون أن احتمال انسحاب واشنطن من «ناتو» - رغم كونه غير وشيك وسط استفزازات إدارة ترمب في غرينلاند وإيران وكوبا - يفتح الباب أمام سيناريوهات استراتيجية كبرى: يتمثل الأول في بقاء «ناتو مصغّر» تحت قيادة أوروبية، يعاني من فقدان 70 في المائة من القدرات الأميركية الحيوية، أما الثاني فيقوم على «تفتت التحالف» إلى ائتلافات إقليمية متباينة، ما سيترك القارة عرضةً لروسيا متأهبة. وفي المقابل، يطلُّ «سيناريو» متفائل يتمثل في ولادة «اتحاد دفاعي أوروبي» بتمويل ضخم وتنسيق نووي (فرنسي - بريطاني) لحماية ألمانيا وبولندا. وفي هذا المشهد التحّولي، ستلعب فرنسا دور «حجر الزاوية» كقائد عسكري لا غنى عنه، مستندةً إلى «قوة الردع» المستقلة وخبرتها الميدانية الواسعة. ومن المتوقع أن تتولى باريس قيادة الحلفاء الأطلسيين في الجنوب، وتنسيق «قوة مهام قطبية» لمواجهة الأطماع في غرينلاند، فارضةً بذلك رؤيتها «الديغولية» لـ«أوروبا القوية». وتشير تحليلات «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» (FRS) إلى أن هذا الانسحاب المفترض سيُجبر فرنسا على تحمّل 30 في المائة من جهود الحلف. وتحويل «توجّسها» الحالي من التخبّط الأميركي إلى «قيادة أوروبية مستدامة»، كرّسها الرئيس إيمانويل ماكرون في «قمة لاهاي 2025» حين دعا إلى «استقلال استراتيجي لا رجعة فيه».


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.