روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

رجل أعمال ناجح ألقيت عليه مسؤولية إنعاش قطاع السياحة

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة
TT

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

أدت الحكومة التونسية الجديدة برئاسة يوسف الشاهد، اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بعدما صوّت لفائدتها نحو ثلثي أعضاء البرلمان في أعقاب جلسة عامة صاخبة وصراعات بين رأسي السلطة التنفيذية من جهة، والأحزاب والنقابات من جهة أخرى انطلقت منذ مطلع العام الحالي.
إلا أن ممثلي المعارضة اليسارية والقومية في البرلمان التونسي وخارجه شنّوا حملة كبيرة على الحكومة الجديدة، وعلى رئيسها الشاهد وحلفائه، وعلى رأسهم قادة حزب «حركة النهضة» الإسلامي بسبب وزير السياحة الجديد روني الطرابلسي، وهو مواطن يهودي تونسي - فرنسي استثمر في قطاعي النقل الجوي والسياحة بين فرنسا والبلدان المغاربية.

يُعتبَر روني (أو رينيه) الطرابلسي، الذي عُيّن وزيراً جديداً للسياحة في تونس، أول يهودي يعيّن في منصب حكومي في البلاد، منذ عام 1958. وتعود شهرة الطرابلسي وشقيقه إيلي في عالم المال والأعمال منذ ربع قرن لكونهما ابنَي جوزيف بيريز الطرابلسي، رئيس الجالية اليهودية في جزيرة جربة بجنوب تونس، ورئيس تظاهرة الاحتفال السنوي بالحج اليهودي الدولي إلى كنيس الغريبة القديم الشهير. وجدير بالذكر، أن تظاهرة «الغريبة» تعد أبرز تظاهرة ثقافية دينية وسياحية من نوعها؛ إذ يزور الكنيس القديم في جزيرة جربة، سنوياً، آلاف اليهود من كل أنحاء العالم.

- دور سياسي منذ 2002
ولقد بلغت هذه التظاهرة الأوج في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بعد التوقيع على اتفاقية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية في أوسلو وواشنطن، ومن ثم، سماح السلطات التونسية لطائرات إسرائيلية آتية من مطار بن غوريون (اللد) بأن تحط مباشرة في مطار جربة - جرجيس الدولي. وكانت طليعة الزائرين مجموعة قوامها زوّار إسرائيليون غالبيتهم من أصول تونسية ومغاربية، بينهم سليفان شالوم، الذي كان في حينه وزير الخارجية الإسرائيلي، وهو متحدّر من أصول تونسية.
وبرز روني، النجل الأكبر لجوزيف الطرابلسي، بعد الهجوم الانتحاري على كنيس الغريبة في خلال شهر أبريل (نيسان) 2002، عندما تصدر مع والده في وسائل الإعلام التونسية والدولية مَن ساندوا السلطات التونسية في جهودها للحد من الآثار السلبية على الهجوم الانتحاري. وكان ذلك الهجوم قد تسبب في سقوط أكثر من 20 قتيلاً وعشرات الجرحى غالبيتهم من السياح الألمان.

- تسويق سياحي
هذا، وحرصت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ تلك العملية الإرهابية على ضمان تأمين كبير لموسم الحج لكنيس الغربية في شهر مايو (أيار) من كل عام، وبخاصة في الفنادق التي يقيم بها سياح يهود أو إسرائيليون. وكان روني الطرابلسي وشقيقه إيلي على رأس المؤسسات السياحية التي كلفتها السلطات بالتسويق للتظاهرة، وجلب السياح اليهود من العالم أجمع، بمن فيهم مئات من حاملي الجنسية المزدوجة الفرنسية - الإسرائيلية والتونسية - الإسرائيلية. ولئن كان الطرابلسي، على غرار غالبية يهود تونس منذ 60 سنة، من بين المقيمين بصفة دائمة في فرنسا، ومن حاملي جوازات مزدوجة، فإنه ووالده تميّزا بأنشطتهما السياسية المكثفة منذ عهد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

- علاقات مميزة
ولعل ما يستحق الإشارة، أن روني وشقيقه إيلي ووالدهما كانوا من بين المقربين إلى النظام التونسي السابق وربطتهما علاقات سياسية ومصالح بأغلب رموزه ومسؤوليه. وكانوا دائماً يتصدرون الوفد الذي يرافق رئيس الحكومة ووزراء السياحة خلال زيارتهم إلى المعالم الدينية اليهودية في كامل البلاد، وبخاصة إلى كنيس الغريبة وجزيرة جربة ومعالمها السياحية. ولذلك؛ كان على رأس المرحّبين بتعيين روني وزيراً جديداً للسياحة أصدقاؤه من بين وزراء السياحة في عهد زين العابدين بن علي، مثل صلاح الدين معاوي والتيجاني الحداد.
وهنا نشير إلى أنه بعد انهيار حكم بن علي في 2011 تسببت الاضطرابات الأمنية والسياسية في التوقف عن تنظيم موسم الزيارة السنوية إلى الكنيس القديم. إلا أن الموسم السياحي استؤنف في عامي 2012 و2013 بعد تحركات قام بها روني الطرابلسي ووالده رئيس التظاهرة وعدد من قادة «اللوبي» التونسي اليهودي المقيم في فرنسا، بينهم رجال أعمال وإعلام وسياسة من اليهود الشبان بزعامة غابريال كابلا. ومنذ ذلك الوقت ربط روني علاقات متطوّرة بزعامات سياسية من حزب «حركة النهضة» الإسلامي ومعارضي نظام بن علي السابقين، على رأسهم رئيسا حكومة «النهضة» في 2012 و2013 حمّادي الجبالي وعلي العريّض وبعض وزرائها، مثل وزير الخارجية الدكتور رفيق عبد السلام، صهر راشد الغنوشي رئيس «حركة النهضة»، وكذلك، إلياس فخفاخ القيادي في حزب «التكتل» الليبرالي.

- ترشح للانتخابات
ظهر ولع روني الطرابلسي بالسياسة في عام 2011، عندما ترأس قائمة مستقلة في فرنسا وحاول الفوز بعضوية البرلمان الانتقالي ممثلاً للجالية التونسية في أوروبا. وبعدما فشل في تلك الانتخابات، التي فاز فيها حزب «حركة النهضة»، كان من بين أبرز رجال الأعمال التونسيين في المهجر الذين حضروا أول اجتماع عام عقده حمّادي الجبالي، بصفته الأمين العام لـ«حركة النهضة»، في أحد فنادق العاصمة تونس للإعلان عن ترشحه لرئاسة الحكومة وعن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وكان روني الطرابلسي من بين أكثر الذين شدّوا الأنظار يومذاك بدفاعهم القوي عن الجبالي ورفاقه الذين وصلوا إلى الحكم بعد انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2013... والذين كان من أشرس أعدائهم قبل «انتفاضة يناير (كانون الثاني)» 2011. ثم إنه، رغم اعتراضات النشطاء القوميين والإسلاميين وتهديدات الجماعات الدينية المتشدّدة، ضمن روني الطرابلسي ووالده دورية تنظيم الزيارة السنوية لكنيس الغريبة وبقية المعالم اليهودية التونسية بمشاركة وفود إسرائيلية.

- رشح لعضوية الحكومة في 2014
بعد اغتيال المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والتحركات التي شهدتها تونس في صيف 2013 والإطاحة بحكومة «النهضة» وشركائها، رشّح المهدي جمعة، رئيس الحكومة المستقل، الطرابلسي لتولي حقيبة السياحة، وأعلن عن الترشيح في وسائل الإعلام. بيد أن جمعة وفريقه تراجعا عن التعيين بسبب الحملة التي استهدفت الطرابلسي بسبب علاقاته المتطورة بعهد بن علي، ثم بسبب اتهامه بحمل جواز سفر إسرائيلي إلى جانب جوازيه التونسي والفرنسي. ومن ثم، في انتخابات 2014، عزف روني الطرابلسي عن الترشح للانتخابات البرلمانية، مع أنه حافظ على صداقاته في «حركة النهضة»، وفي المقابل، ترأس شقيقه إيلي قائمة تابعة لحزب «نداء تونس» المنافس القوي لـ«حركة النهضة» - في حينه - بزعامة الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

- لغط الجنسية الإسرائيلية
الواقع أن شخصية روني الطرابلسي أثارت لغطاً منذ الإعلان عن تعيينه وزيراً، ليس فقط بسبب تحدّره من عائلة يهودية، بل بسبب معلومات متضاربة عن حصوله على الجنسية الإسرائيلية، وبسبب تضارب المصالح بين عضويته للحكومة وترؤسه شركات سفر وسياحة في فرنسا تحتكر سوق سياحة اليهود إلى تونس، خصوصاً بمناسبة موسم الغريبة. كذلك، أشاع البعض أن الطرابلسي يمتلك أحد أبرز الفنادق السياحية في جزيرة جربة. ولقد انخرط في حملة انتقاد قرار تعيين الطرابلسي يساريون وقيادات من أقصى اليسار وقادة الجبهة الشعبية، التي لديها 15 نائباً في البرلمان. واعتبر «الجبهة» المركزي في بلاغ رسمي تعيين الطرابلسي وزيراً «مغازلة لإسرائيل وعواصم غربية» و«تكريساً للتطبيع مع إسرائيل». وسارت في المنحى نفسه سيدة الأعمال والإعلامية التونسية الكبيرة المقيمة في دبي بثينة جبنون، التي ادعت أن قريبة لروني الطرابلسي متزوجة من مسؤول كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وأيضاً انخرط ياسين العياري، عضو البرلمان الحقوقي المثير للجدل، في الحملة على الوزير الجديد «بسبب الشركات ذات الصبغة السياحية» التي ورد أنه يملكها.
ورغم التصريح القصير الذي أدلى به الطرابلسي إلى إحدى الإذاعات التونسية، والذي نفى فيه أن يكون حاملاً لجنسية إسرائيلية، أعلن عدد من المحامين والبرلمانيين والنشطاء السياسيين القوميين أنهم سيعترضون أمام القضاء، وبخاصة أمام المحكمة الإدارية المختصة على تعيينه.
كذلك، أعلنت هيئات قومية عروبية وبعض الجمعيات اعتزامها تقديم طعون سياسية وإعلامية وحملات شعبية ضد قرار التعيين. وبالفعل، رفع عدد من المحامين والنشطاء السياسيين القوميين قضايا لدى المحاكم التونسية للمطالبة بإسقاط الحكومة وبعزل الطرابلسي بسبب تصريحات ادعوا أنه أدلى بها قبل أشهر لقناة تلفزيونية فرنسية وساند فيها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، كما ادعوا أنه طالب بـ«التطبيع السياسي الشامل» بين تونس وإسرائيل.
غير أن بعض أصدقاء روني الطرابلسي، مثل الإعلامي أبو بكر الصغير، يرجّح نجاحه في خطته بحكم ما يتميز به من نشاط وحيوية وعلاقات مع معظم الأطراف السياسية من العلمانيين إلى الإسلاميين. واعتبر التيجاني حداد، وزير السياحة السابق، أن روني الطرابلسي يمكن أن ينسحب من رئاسة شركته أو شركاته مؤقتاً حتى لا يكون عرضة للطعن القانوني.

- يهود في حكومة تونس
جدير بالذكر، أن روني (رينيه) الطرابلسي، المولود في جربة عام 1962 – ليس أول يهودي يعيّن وزيراً في تونس. فقد شغل مناصب وزارية قبله وزيران يهوديان في حقيبة التجهيز والإسكان والأشغال العامة قبل نحو 60 سنة، هما ألبير بيسيس الذي عيّن في حكومة الطاهر بن عمار في مرحلة الحكم الذاتي عام 1954، وآندريه باروش الذي عُيّن وزيراً في حكومة الحبيب بورقيبة الأولى بين 1956 و1957، وحافظ على موقع عندما عين بورقيبة رئيساً للجمهورية في يوليو (تموز) 1957 بعد انتهاء حكم البايات. وحافظ باروش على موقعه حتى ربيع 1958.
هذا، وكلف بورقيبة آندريه باروش بتحديث العاصمة التونسية عمرانياً. لكنه أبعده بعد احتجاجات مسؤولي التراث والمؤرخين داخل تونس وخارجها على هدم وزارته سور تونس التاريخي بحجة التحديث، وتخطيطه لهدم الأسوار في بقية المدن التونسية مثل صفاقس وبنزرت وسوسة والمنستير في الساحل التونسي، موطن الزعيم الحبيب بورقيبة. فهل يكسب روني الطرابلسي ببراغماتيته وابتسامته وعلاقاته المعركة الإعلامية والسياسية التي تنتظره... أم يحصل العكس فتتراجع السلطات عن تعيينه مرة أخرى؟

- كنيس الغريبة... أقدم معبد يهودي في أفريقيا
يُعد كنيس الغريبة، الواقع في جزيرة جربة التونسية (500 كلم جنوب شرقي العاصمة تونس)، أقدم كنيس في أفريقيا وأحد أقدم المعابد اليهودية في العالم؛ إذ يعود تاريخ تشييده إلى ما يزيد على 2500 سنة. وسنوياً، يزور آلاف اليهود الكنيس القديم في موسم تقليدي خلال شهر مايو (أيار) يستغرق 3 أيام للتبرك بالتوراة الموجودة فيه. وتشير المراجع إلى أن بين الروايات الشائعة عن أصل اسم «الغريبة»، هو لفتاة غريبة عن الجزيرة نجا جسدها من حريق أتى على مسكنها بالكامل، فصار الناس يتباركون بها.
ويتميز الكنيس الذي يقوم في قرية «الحارة الصغيرة»، على مقربة من مدينة حومة السوق كبرى بلدات جربة، بطابع معماري عربي - شرقي. من مبنيين كبيرين، الأول خاص بالعبادة ويغلب عليه اللون الأبيض والأزرق، بداخله بيت الصلاة وهو المكان الذي تؤدى فيه أهم طقوس الزيارة، أما المبنى الآخر فيستعمل للاحتفالات بالأهازيج والموسيقى التونسية وتوزيع المآكل في موسم الزيارة.
يوم 11 أبريل (نيسان) 2002، تعرّض الكنيس لهجوم إرهابي انتحاري خلّف 21 قتيلا (14 سائحاً ألمانياً بجانب فرنسيين اثنين وخمسة تونسيين). وأدى الهجوم إلى تراجع كبير في أعداد الزوار والسياح الوافدين إلى جربة – التي تضم 11 كنيساً – للمشاركة في الاحتفالات. ومنذ ذلك الحين، اتخذت السلطات التونسية إجراءات أمنية استثنائية وقائية خلال موسم الغريبة السنوي. بل، ألغيت الاحتفالات عام 2011؛ نظراً للظروف الأمنية والسياسية التي عاشتها البلاد.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن يهود تونس كانوا يشكلون إحدى كبريات الجاليات اليهودية في العالم العربي، لكن بعدما قدر عددهم بنحو 100 ألف نسمة عند استقلال تونس عام 1956، تراجع العدد الآن إلى أقل من ألفي نسمة يقيمون في جربة وتونس العاصمة وبعض المدن الأخرى.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.