روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

رجل أعمال ناجح ألقيت عليه مسؤولية إنعاش قطاع السياحة

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة
TT

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

روني الطرابلسي... شخصية يهودية تشكّل أحد المعالم البارزة في حكومة تونس الجديدة

أدت الحكومة التونسية الجديدة برئاسة يوسف الشاهد، اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بعدما صوّت لفائدتها نحو ثلثي أعضاء البرلمان في أعقاب جلسة عامة صاخبة وصراعات بين رأسي السلطة التنفيذية من جهة، والأحزاب والنقابات من جهة أخرى انطلقت منذ مطلع العام الحالي.
إلا أن ممثلي المعارضة اليسارية والقومية في البرلمان التونسي وخارجه شنّوا حملة كبيرة على الحكومة الجديدة، وعلى رئيسها الشاهد وحلفائه، وعلى رأسهم قادة حزب «حركة النهضة» الإسلامي بسبب وزير السياحة الجديد روني الطرابلسي، وهو مواطن يهودي تونسي - فرنسي استثمر في قطاعي النقل الجوي والسياحة بين فرنسا والبلدان المغاربية.

يُعتبَر روني (أو رينيه) الطرابلسي، الذي عُيّن وزيراً جديداً للسياحة في تونس، أول يهودي يعيّن في منصب حكومي في البلاد، منذ عام 1958. وتعود شهرة الطرابلسي وشقيقه إيلي في عالم المال والأعمال منذ ربع قرن لكونهما ابنَي جوزيف بيريز الطرابلسي، رئيس الجالية اليهودية في جزيرة جربة بجنوب تونس، ورئيس تظاهرة الاحتفال السنوي بالحج اليهودي الدولي إلى كنيس الغريبة القديم الشهير. وجدير بالذكر، أن تظاهرة «الغريبة» تعد أبرز تظاهرة ثقافية دينية وسياحية من نوعها؛ إذ يزور الكنيس القديم في جزيرة جربة، سنوياً، آلاف اليهود من كل أنحاء العالم.

- دور سياسي منذ 2002
ولقد بلغت هذه التظاهرة الأوج في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بعد التوقيع على اتفاقية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية في أوسلو وواشنطن، ومن ثم، سماح السلطات التونسية لطائرات إسرائيلية آتية من مطار بن غوريون (اللد) بأن تحط مباشرة في مطار جربة - جرجيس الدولي. وكانت طليعة الزائرين مجموعة قوامها زوّار إسرائيليون غالبيتهم من أصول تونسية ومغاربية، بينهم سليفان شالوم، الذي كان في حينه وزير الخارجية الإسرائيلي، وهو متحدّر من أصول تونسية.
وبرز روني، النجل الأكبر لجوزيف الطرابلسي، بعد الهجوم الانتحاري على كنيس الغريبة في خلال شهر أبريل (نيسان) 2002، عندما تصدر مع والده في وسائل الإعلام التونسية والدولية مَن ساندوا السلطات التونسية في جهودها للحد من الآثار السلبية على الهجوم الانتحاري. وكان ذلك الهجوم قد تسبب في سقوط أكثر من 20 قتيلاً وعشرات الجرحى غالبيتهم من السياح الألمان.

- تسويق سياحي
هذا، وحرصت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ تلك العملية الإرهابية على ضمان تأمين كبير لموسم الحج لكنيس الغربية في شهر مايو (أيار) من كل عام، وبخاصة في الفنادق التي يقيم بها سياح يهود أو إسرائيليون. وكان روني الطرابلسي وشقيقه إيلي على رأس المؤسسات السياحية التي كلفتها السلطات بالتسويق للتظاهرة، وجلب السياح اليهود من العالم أجمع، بمن فيهم مئات من حاملي الجنسية المزدوجة الفرنسية - الإسرائيلية والتونسية - الإسرائيلية. ولئن كان الطرابلسي، على غرار غالبية يهود تونس منذ 60 سنة، من بين المقيمين بصفة دائمة في فرنسا، ومن حاملي جوازات مزدوجة، فإنه ووالده تميّزا بأنشطتهما السياسية المكثفة منذ عهد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

- علاقات مميزة
ولعل ما يستحق الإشارة، أن روني وشقيقه إيلي ووالدهما كانوا من بين المقربين إلى النظام التونسي السابق وربطتهما علاقات سياسية ومصالح بأغلب رموزه ومسؤوليه. وكانوا دائماً يتصدرون الوفد الذي يرافق رئيس الحكومة ووزراء السياحة خلال زيارتهم إلى المعالم الدينية اليهودية في كامل البلاد، وبخاصة إلى كنيس الغريبة وجزيرة جربة ومعالمها السياحية. ولذلك؛ كان على رأس المرحّبين بتعيين روني وزيراً جديداً للسياحة أصدقاؤه من بين وزراء السياحة في عهد زين العابدين بن علي، مثل صلاح الدين معاوي والتيجاني الحداد.
وهنا نشير إلى أنه بعد انهيار حكم بن علي في 2011 تسببت الاضطرابات الأمنية والسياسية في التوقف عن تنظيم موسم الزيارة السنوية إلى الكنيس القديم. إلا أن الموسم السياحي استؤنف في عامي 2012 و2013 بعد تحركات قام بها روني الطرابلسي ووالده رئيس التظاهرة وعدد من قادة «اللوبي» التونسي اليهودي المقيم في فرنسا، بينهم رجال أعمال وإعلام وسياسة من اليهود الشبان بزعامة غابريال كابلا. ومنذ ذلك الوقت ربط روني علاقات متطوّرة بزعامات سياسية من حزب «حركة النهضة» الإسلامي ومعارضي نظام بن علي السابقين، على رأسهم رئيسا حكومة «النهضة» في 2012 و2013 حمّادي الجبالي وعلي العريّض وبعض وزرائها، مثل وزير الخارجية الدكتور رفيق عبد السلام، صهر راشد الغنوشي رئيس «حركة النهضة»، وكذلك، إلياس فخفاخ القيادي في حزب «التكتل» الليبرالي.

- ترشح للانتخابات
ظهر ولع روني الطرابلسي بالسياسة في عام 2011، عندما ترأس قائمة مستقلة في فرنسا وحاول الفوز بعضوية البرلمان الانتقالي ممثلاً للجالية التونسية في أوروبا. وبعدما فشل في تلك الانتخابات، التي فاز فيها حزب «حركة النهضة»، كان من بين أبرز رجال الأعمال التونسيين في المهجر الذين حضروا أول اجتماع عام عقده حمّادي الجبالي، بصفته الأمين العام لـ«حركة النهضة»، في أحد فنادق العاصمة تونس للإعلان عن ترشحه لرئاسة الحكومة وعن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وكان روني الطرابلسي من بين أكثر الذين شدّوا الأنظار يومذاك بدفاعهم القوي عن الجبالي ورفاقه الذين وصلوا إلى الحكم بعد انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2013... والذين كان من أشرس أعدائهم قبل «انتفاضة يناير (كانون الثاني)» 2011. ثم إنه، رغم اعتراضات النشطاء القوميين والإسلاميين وتهديدات الجماعات الدينية المتشدّدة، ضمن روني الطرابلسي ووالده دورية تنظيم الزيارة السنوية لكنيس الغريبة وبقية المعالم اليهودية التونسية بمشاركة وفود إسرائيلية.

- رشح لعضوية الحكومة في 2014
بعد اغتيال المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والتحركات التي شهدتها تونس في صيف 2013 والإطاحة بحكومة «النهضة» وشركائها، رشّح المهدي جمعة، رئيس الحكومة المستقل، الطرابلسي لتولي حقيبة السياحة، وأعلن عن الترشيح في وسائل الإعلام. بيد أن جمعة وفريقه تراجعا عن التعيين بسبب الحملة التي استهدفت الطرابلسي بسبب علاقاته المتطورة بعهد بن علي، ثم بسبب اتهامه بحمل جواز سفر إسرائيلي إلى جانب جوازيه التونسي والفرنسي. ومن ثم، في انتخابات 2014، عزف روني الطرابلسي عن الترشح للانتخابات البرلمانية، مع أنه حافظ على صداقاته في «حركة النهضة»، وفي المقابل، ترأس شقيقه إيلي قائمة تابعة لحزب «نداء تونس» المنافس القوي لـ«حركة النهضة» - في حينه - بزعامة الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

- لغط الجنسية الإسرائيلية
الواقع أن شخصية روني الطرابلسي أثارت لغطاً منذ الإعلان عن تعيينه وزيراً، ليس فقط بسبب تحدّره من عائلة يهودية، بل بسبب معلومات متضاربة عن حصوله على الجنسية الإسرائيلية، وبسبب تضارب المصالح بين عضويته للحكومة وترؤسه شركات سفر وسياحة في فرنسا تحتكر سوق سياحة اليهود إلى تونس، خصوصاً بمناسبة موسم الغريبة. كذلك، أشاع البعض أن الطرابلسي يمتلك أحد أبرز الفنادق السياحية في جزيرة جربة. ولقد انخرط في حملة انتقاد قرار تعيين الطرابلسي يساريون وقيادات من أقصى اليسار وقادة الجبهة الشعبية، التي لديها 15 نائباً في البرلمان. واعتبر «الجبهة» المركزي في بلاغ رسمي تعيين الطرابلسي وزيراً «مغازلة لإسرائيل وعواصم غربية» و«تكريساً للتطبيع مع إسرائيل». وسارت في المنحى نفسه سيدة الأعمال والإعلامية التونسية الكبيرة المقيمة في دبي بثينة جبنون، التي ادعت أن قريبة لروني الطرابلسي متزوجة من مسؤول كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وأيضاً انخرط ياسين العياري، عضو البرلمان الحقوقي المثير للجدل، في الحملة على الوزير الجديد «بسبب الشركات ذات الصبغة السياحية» التي ورد أنه يملكها.
ورغم التصريح القصير الذي أدلى به الطرابلسي إلى إحدى الإذاعات التونسية، والذي نفى فيه أن يكون حاملاً لجنسية إسرائيلية، أعلن عدد من المحامين والبرلمانيين والنشطاء السياسيين القوميين أنهم سيعترضون أمام القضاء، وبخاصة أمام المحكمة الإدارية المختصة على تعيينه.
كذلك، أعلنت هيئات قومية عروبية وبعض الجمعيات اعتزامها تقديم طعون سياسية وإعلامية وحملات شعبية ضد قرار التعيين. وبالفعل، رفع عدد من المحامين والنشطاء السياسيين القوميين قضايا لدى المحاكم التونسية للمطالبة بإسقاط الحكومة وبعزل الطرابلسي بسبب تصريحات ادعوا أنه أدلى بها قبل أشهر لقناة تلفزيونية فرنسية وساند فيها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، كما ادعوا أنه طالب بـ«التطبيع السياسي الشامل» بين تونس وإسرائيل.
غير أن بعض أصدقاء روني الطرابلسي، مثل الإعلامي أبو بكر الصغير، يرجّح نجاحه في خطته بحكم ما يتميز به من نشاط وحيوية وعلاقات مع معظم الأطراف السياسية من العلمانيين إلى الإسلاميين. واعتبر التيجاني حداد، وزير السياحة السابق، أن روني الطرابلسي يمكن أن ينسحب من رئاسة شركته أو شركاته مؤقتاً حتى لا يكون عرضة للطعن القانوني.

- يهود في حكومة تونس
جدير بالذكر، أن روني (رينيه) الطرابلسي، المولود في جربة عام 1962 – ليس أول يهودي يعيّن وزيراً في تونس. فقد شغل مناصب وزارية قبله وزيران يهوديان في حقيبة التجهيز والإسكان والأشغال العامة قبل نحو 60 سنة، هما ألبير بيسيس الذي عيّن في حكومة الطاهر بن عمار في مرحلة الحكم الذاتي عام 1954، وآندريه باروش الذي عُيّن وزيراً في حكومة الحبيب بورقيبة الأولى بين 1956 و1957، وحافظ على موقع عندما عين بورقيبة رئيساً للجمهورية في يوليو (تموز) 1957 بعد انتهاء حكم البايات. وحافظ باروش على موقعه حتى ربيع 1958.
هذا، وكلف بورقيبة آندريه باروش بتحديث العاصمة التونسية عمرانياً. لكنه أبعده بعد احتجاجات مسؤولي التراث والمؤرخين داخل تونس وخارجها على هدم وزارته سور تونس التاريخي بحجة التحديث، وتخطيطه لهدم الأسوار في بقية المدن التونسية مثل صفاقس وبنزرت وسوسة والمنستير في الساحل التونسي، موطن الزعيم الحبيب بورقيبة. فهل يكسب روني الطرابلسي ببراغماتيته وابتسامته وعلاقاته المعركة الإعلامية والسياسية التي تنتظره... أم يحصل العكس فتتراجع السلطات عن تعيينه مرة أخرى؟

- كنيس الغريبة... أقدم معبد يهودي في أفريقيا
يُعد كنيس الغريبة، الواقع في جزيرة جربة التونسية (500 كلم جنوب شرقي العاصمة تونس)، أقدم كنيس في أفريقيا وأحد أقدم المعابد اليهودية في العالم؛ إذ يعود تاريخ تشييده إلى ما يزيد على 2500 سنة. وسنوياً، يزور آلاف اليهود الكنيس القديم في موسم تقليدي خلال شهر مايو (أيار) يستغرق 3 أيام للتبرك بالتوراة الموجودة فيه. وتشير المراجع إلى أن بين الروايات الشائعة عن أصل اسم «الغريبة»، هو لفتاة غريبة عن الجزيرة نجا جسدها من حريق أتى على مسكنها بالكامل، فصار الناس يتباركون بها.
ويتميز الكنيس الذي يقوم في قرية «الحارة الصغيرة»، على مقربة من مدينة حومة السوق كبرى بلدات جربة، بطابع معماري عربي - شرقي. من مبنيين كبيرين، الأول خاص بالعبادة ويغلب عليه اللون الأبيض والأزرق، بداخله بيت الصلاة وهو المكان الذي تؤدى فيه أهم طقوس الزيارة، أما المبنى الآخر فيستعمل للاحتفالات بالأهازيج والموسيقى التونسية وتوزيع المآكل في موسم الزيارة.
يوم 11 أبريل (نيسان) 2002، تعرّض الكنيس لهجوم إرهابي انتحاري خلّف 21 قتيلا (14 سائحاً ألمانياً بجانب فرنسيين اثنين وخمسة تونسيين). وأدى الهجوم إلى تراجع كبير في أعداد الزوار والسياح الوافدين إلى جربة – التي تضم 11 كنيساً – للمشاركة في الاحتفالات. ومنذ ذلك الحين، اتخذت السلطات التونسية إجراءات أمنية استثنائية وقائية خلال موسم الغريبة السنوي. بل، ألغيت الاحتفالات عام 2011؛ نظراً للظروف الأمنية والسياسية التي عاشتها البلاد.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن يهود تونس كانوا يشكلون إحدى كبريات الجاليات اليهودية في العالم العربي، لكن بعدما قدر عددهم بنحو 100 ألف نسمة عند استقلال تونس عام 1956، تراجع العدد الآن إلى أقل من ألفي نسمة يقيمون في جربة وتونس العاصمة وبعض المدن الأخرى.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.