شقاء الكاتب ومسرّات الكتابة

ألبرتو مانغويل في مكتبته
ألبرتو مانغويل في مكتبته
TT

شقاء الكاتب ومسرّات الكتابة

ألبرتو مانغويل في مكتبته
ألبرتو مانغويل في مكتبته

قلّ أن اقترن العذاب بالمتعة واللذة بالألم والقنوط بالرجاء، كما هو الحال مع الكتابة. كأن هذه الأخيرة هي المجال الحيوي النموذجي لالتقاء الأضداد وتعايش المفارقات وتشابكها. وقد تكون عذابات الكتابة ومكابداتها ناجمة في الأصل عن طبيعتها البدئية التي تحولها بالنسبة لمن تقع عليهم «قرعة» الإلهام إلى قَدَر محتوم، لا إلى خيار طوعي يستطيعون أن يتلافوه أو يتجنبوا نتائجه ومآلاته.
هكذا ينمو الكاتب في ظل ذلك الإلحاح المضني لغمغمات الداخل، وتلك الرياح السوداء التي تسدّ عليه المنافذ وتسوقه وراء صراخها الخلّبي ونداءاتها المغوية، دون أن يستطيع تلافياً لها أو فكاكاً منها. وعبثاً يحاول الكاتب أن يصمّ أذنيه أو ينأى بعيداً عن المهب المتعاظم لتلك الأصوات المبهمة التي تحتاج إليه لكي يهدئها أو يضعها في سياق لغوي.
على أن ما يقلق الكتّاب ليس متأتياً فقط من كونهم لا يجدون في الحياة ما يتقنونه سوى الكتابة، بل لأن الفسحات القليلة الفاصلة بين مخاض وآخر لا تكاد تكفي لالتقاط الأنفاس، أو للتلذذ بما ينعم به الآخرون من بساطة العيش وهناءته الوادعة. صحيح أن لحظات الانخطاف والكشف الإبداعي لا تقتطع من الحياة سوى شطرها الأقل، ولكن الصحيح أيضاً أن مثل هذه اللحظات لا تخضع لإرادة الكاتب وقراره الذاتي، بل هي تملك شرطها الخاص ومنطقها الداخلي العصي على أي ترويض.
وهكذا فإن على الشعراء والمبدعين أن يظلوا متأهبين دائماً لتلك الزيارة المباغتة التي قد يتأخر حدوثها إلى زمن طويل، وقد لا تحدث أبداً في بعض الحالات.

الكتابة والقلق

ليست الكتابة تبعاً لذلك رديفة للطمأنينة والرضا والمصالَحة مع العالم، بل هي الابنة الشرعية للقلق وتصدعات النفس والبحث المضني عن الحقيقة. ولعل أكثر ما يرهق الكتاب والفنانين هو كون القضايا التي تشتغل عليها أعمالهم تظل معلقة دائماً في فضاء النقصان واللاتحقّق واللايقين. ففي المجالات السياسية والاجتماعية والحياتية لم تأخذ قضايا الفقر والمرض والاستبداد وغياب العدالة وانتهاك حقوق الإنسان طريقها إلى الحل. وكذلك هو الأمر مع القضايا الوجودية الأكثر تعقيداً، حيث الأسئلة المتصلة بالحب والزمن والفقدان والشيخوخة والموت وتبدّل المصائر ومعنى الحياة، تظل معلقة أبداً في فضاء الشكوك والحيرة الملغزة. كما أن شقاء الكاتب يتصل اتصالاً وثيقاً بسعة مداركه وعمق معرفته بالأشياء، وبسبره الجحيمي لأغوار الحقيقة الإنسانية. وهو ما عبّر عنه المتنبي بقوله ذو العقل يشقى في النعيم بعقلِهِ
وأخو الجهالة بالشقاوة ينعمُ
وليس بعيداً عن هذا التوصيف يقع قول الفنان الإسباني الأشهر بابلو بيكاسو: «كلّ ما له قيمة، إبداعٌ ما أو فكرة جديدة، إنما يجلب معه منطقته المظلمة. إن لكل حركة نقوم بها حصتها من العدم. ولا أرى أبداً شيئاً عظيماً لا يكون له جانب مريع. إن عبقرية أينشتاين تفضي إلى هيروشيما!».
أما الجانب الآخر من الشقاء، فهو متصل بالطبيعة الملغزة للكتابة الإبداعية التي تظل مفاتيحها في عهدة الغيب أو المصادفات العمياء، حيث يمكن لشياطين اللغة أن تخذل أصحابها أو تهجرهم بالكامل، وحيث الصراع الطويل مع الكلمات لا يسفر أحياناً إلا عن غثاء تام، سبق للشاعر الأموي جرير أن عبَّر عنه بالقول إن الآلام الناجمة عن قلعه لأحد أضراسه هي على شدتها أهون عليه من كتابة بيت واحد من الشعر.
كما أن التفاوت الفاقع بين قصر الحياة ومحدوديتها من جهة، وبين لا محدودية اللغة وتراكيبها، تضع هذا الأخير أمام متاهة من الاحتمالات وضروب التعبير لا قِبَل لأحد سوى الموت بكتابة سطرها الختامي.
ولأن في كل نص إبداعيٍّ انزياحاً من نوع ما عن النصاب الأصلي لدلالات الألفاظ، فقد نُظر إلى الشعراء والفنانين كما لو أنهم، على المستوى اللغوي، كائنات منحرفة وخارجة عن المألوف وبعيدة عن المنطق. فيما ربط آخرون بين التجاوز اللغوي واللاسوية الأخلاقية، ولم يتردد فيلسوف استثنائي من وزن أفلاطون في طرد الشعراء من جمهوريته المثلى، بدعوى المروق ونشر الفوضى والتجديف على الآلهة.
ولطالما اعتبر الكثيرون أن الإبداع في مختلف وجوهه هو نوع من الأمراض الخطيرة أو اللعنة المزمنة التي لا قدرة لأحد على درء مخاطرها، أو هو ضرب خاص من ضروب الجنون والخبل واللاسوية. فلقد ذهب فرانس كافكا إلى القول: «إن الكتابة عطيّةٌ مدهشة، لكنها عطية واقعة في خدمة الشيطان والهبوط إلى القوى المظلمة والتحلل الروحاني من القيود الطبيعية». ولم يكن بالأمر المفاجئ أن يذهب صاحب «التحول» و«القضية» إلى ذلك الحد من النزوع السوداوي، وهو الذي وقف من خلال رواياته على البذرة الأم لاندحار القيم وفساد العلاقات بين البشر في ظل تدهور الحضارة الإنسانية واهترائها المتنامي.
نشوة الكاتب

ولعل سوء الفهم العميق بين الكاتب وعصره، أو بينه وبين نفسه، هو أحد المصادر الأهم لتعاسته وشقائه الدائمين، بما وضع الكثير من المبدعين على طريق الجنون، وأفضى بكثُر آخرين إلى الانتحار والهلاك المحقّق.
لكن للكتابة، من زاويتي الكاتب والقارئ على حد سواء، جوانبها الأخرى المتصلة بمتعة الاكتشاف، والانتصار على الصمت، والظفر باللقى الغائرة في الأعماق. ففي الجانب المتعلق بالمبدعين لا نشوة على الإطلاق يمكنها أن توازي نشوة الكاتب في اختباره للحظة الإلهام والتجلي، خصوصاً حين تُسلس له اللغة قيادها بعد فترة قاسية من التمنع والاستعصاء.
لا بل إن الكاتب فيما يكتب، يشعر بأنه يفاجئ نفسه قبل أي أحد آخر، وأنه محتشد بالحياة وممتلئ بذاته بما لا يدع لليأس فرصة للتسلل، وللموت ذريعة لاقتحام الخانات الفارغة من النفس. ثمة في لحظات كهذه ما يمنح المرء شعوراً بالقفز خارج حدود الجسد المحدود أو اللحظة العابرة، وما يمكّنه من معانقة الأبدي والمطلق وغير القابل للزوال. ولا يجافي الحقيقة بشيء، أولئك الذين يربطون بين آلام المخاض والولادة عند المرأة، والآلام الموازية التي يختبرها الكتاب والفنانون في لحظات الخلق الإبداعي. ولا أولئك الذين يربطون من ناحية أخرى بين النشوة العارمة المتأتية عن فعل الإنجاب ووهْب الحياة، والمتعة المتولدة عن إنجاز نص جديد، يشعر الكاتب قبل سواه بفرادته وتميزه.

بهجة القراءة

أما من جهة القارئ فإن نصاً أو عملاً فنياً من الطراز الرفيع يمكن أن يمنحه شعوراً بالبهجة والامتلاء الروحي يصعب الحصول عليه من أي مصدر آخر. إن المنبع الحقيقي لمثل هذا الشعور يتمثل في قدرة المؤلف على مباغتة القارئ وإدهاشه بما يصيبه من اللقى الجمالية والمعرفية، بصرف النظر عن الطابع المأساوي للموضوعات التي يقاربها. صحيح أن شيئاً من الحزن لا بد أن يعترينا لدى قراءتنا لقصيدة ابن الرومي في رثاء ولده الأوسط، على سبيل المثال لا الحصر، ولكن هذا الحزن يخلي مكانه في الوقت ذاته لشعور بالمتعة متولد عن جماليات التأليف وليونة الأسلوب، ودقة التتبع الحسي والنفسي لحالة الفقد.
ورغم المضامين المفجعة لقصيدة غارسيا لوركا في رثاء صديقه الشاب الذي قضى فوق حلبة الصراع مع ثور هائج، فإن غمغمات الدهشة التي نواكب بها استعارات الشاعر وصوره المذهلة تدفع بحادثة الموت إلى الخلف، بحيث يغلب فرح التعبير على قتامة الموقف وحزن المعنى. وإذ تعبّر سيمون دي بوفوار عن مثل تلك المسرات العميقة بالقول: «حتى المحزن يصبح مفرحاً حين نجعله فنّاً»، يذهب ماريو فارغاس يوسا إلى أبعد من ذلك، فيعلن بلا تردد: «الذين لا يقرأون هم أناس يستحقون الشفقة لأنهم يجهلون المتعة التي تفوتهم. أما المجتمع الذي لا يقرأ فهو بالتأكيد مجتمع همجي الروح».



«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.


أمين «التعاون الإسلامي»... بين الدبلوماسية اليومية وسحر المواقع التاريخية

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
TT

أمين «التعاون الإسلامي»... بين الدبلوماسية اليومية وسحر المواقع التاريخية

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)

في التجارب الدبلوماسية التي تتجاوز حدود الوظيفة إلى عمق الحضور الإنساني، تبرز سيرة الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي؛ فمع انتقال السيد حسين طه، إلى مدينة «جدة» غرب السعودية قبل 5 اعوام لممارسة مهامه في مقر المنظمة، وجد بيئة قريبة لكل الثقافات، مما سهَّل التأقلم، لتتحول جدة إلى فضاءٍ يومي مألوف، يبحث فيها عن كل التفاصيل متفاعلاً مع مجتمعها المتنوع، واكتشاف موروثها الثقافي وأطباقها الشعبية.

يروي طه لـ«الشرق الأوسط» عن ولادته في مدينة «أبشة» بجمهورية تشاد، وكيف عاش طفولته في بيئة بسيطة بروابط اجتماعية قوية ومتماسكة بين الجيران، واصفاً تلك الاعوام بالهادئة في كنف الأسرة التي احاطته بحنانها الدافئ وغرست بين جوانحه قيم القناعة.

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)

الحكاية الأولى

تعلَّم طه أهمية التضامن الاجتماعي والعطاء والصبر والعمل الجاد، وهذه المكتسبات رافقته في مسيرته العلمية والمهنية، خصوصاً أن المدينة التي خرج منها (أبشة) التي تعد مدينة تاريخية مهمة اضطلعت بدور بارز في نشر الإسلام في المنطقة المجاورة.

تأثير الأسرة التي غرست حب الوالدين واحترامهما والتشبث بالقيم الإسلامية كان واضحاً في حديث الأمين العام: «تعلمت التواضع واحترام الكبار، وقيمة العلم وخدمة المجتمع وحب الوطن، وهي مبادئ أعدها أساساً وقاعدة صلبة لعمل قيادي ناجح، خصوصاً في العمل الدبلوماسي»، لافتاً إلى أنه حرص على تربية ابنائه الـ6 على فضائل الإسلام السمحة.

حب وترحيب

يقول طه إن انطباعه الأول عند وصوله إلى السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لتولي مهامه كان إيجابياً، إذ لمس حفاوة الاستقبال ودفء الترحيب من كبار مسؤولي المملكة والأمانة العامة للمنظمة وموظفيها، مضيفاً أن هذا الوجود لم يكن الأول، إذ سبق ذلك بسنوات العمل في سفارة جمهورية تشاد عام 1991 مستشاراً أول للسفارة، واصفاً سنواته الأولى بأنها الأجمل التي قضاها في حياته، فالمملكة بحقٍّ حاضنة لكل الشعوب بتنوعها.

التقاليد السعودية

يرى طه أن التأقلم مع العادات والتقاليد في المملكة كان سلساً ولم يشكل أي عائق إطلاقاً «العادات السعودية نابعة في مجملها من قيمنا الإسلامية المشتركة، والمجتمع السعودي يعتز بتقاليده المتنوعة بتنوع مناطق ومحافظات المملكة الثرية بتراثها الأصيل، وفي الوقت نفسه الشعب السعودي الأصيل منفتح ويتفاعل بإيجابية وشغوف للتعلم، لذلك كان الاندماج بالنسبة لي أمراً طبيعياً».

البرنامج اليومي

يُنظم طه وقته في رمضان؛ فخلال النهار يمارس عمله في الأمانة العامة من خلال برنامج يومي لاستقبالات السفراء ومندوبي الدول ومتابعة عمل المنظمة وأنشطتها، وبعدها يقتنص الأمين العام وقتاً لقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، بعدها تجتمع العائلة على مائدة الإفطار، ومن ثم صلاة التراويح، واللقاءات الاجتماعية.

وقال إنه يحرص على أداء الأنشطة الخيرية، وإفطار الصائمين خلال هذا الشهر الكريم، وتوزيع الطعام ووجبات الإفطار على المستحقين، فيما تقوم المنظمة بتنظيم لقاء رمضاني خلال شهر رمضان في مدينة جدة، ويشكل هذا اللقاء الرمضاني فرصة سنوية لتعزيز التقارب بين المنظمة وبيئتها الحاضنة في جدة.

الجريش والسليق

عن المائدة الرمضانية في بيته يقول: «من الأطباق التي لا تغيب عن المائدة الرمضانية في بيتي العصيدة، والشوربة، ومشروب الكركديه». ويعد طبق الجريش السعودي من أهم الأطباق التي تكون دائماً حاضرة على مائدة الإفطار؛ «أضفناه إلى المائدة بعد استقرارنا في جدة، إضافة إلى بعض الأطباق الحجازية ومنها المنتو، والسليق، إلى جانب أطباق تقليدية تشادية وأخرى خفيفة تراعي روح الشهر».

جدة التاريخية

زار طه جدة التاريخية، ووصفها بأنها تجربة ثرية تعكس عمق التاريخ وعراقة التراث والحضارة، كما زار الرياض، والمدينة المنورة وعلَّق بأن لكل مدينة طابعها الخاص وطرازها المعماري المميز.

ويجد الامين العام راحته في المشي والقراءة، والجلوس الهادئ مع العائلة والأصدقاء، كذلك زيارة شاطئ البحر، بخاصة خلال إجازة نهاية الأسبوع.

Your Premium trial has ended