إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

الشاعر السعودي قال لـ «الشرق الأوسط»: من دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي
TT

إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي

يُعتبر الشاعر السعودي إبراهيم زولي صوتًا بارزًا في المشهد الشعري الحديث الذي مزج بين التجربة الشعرية القائمة على سبر أغوار النصّ الجديد، والسير من خلال تلك التجربة في مضمار «الحداثة»، خاصة في تجلياتها الشعرية والسردية. تكونت مداركه في فترة الصراع بين التيار الصحوي، والتيار الذي أخذ على عاتقه الخروج عن النسق السائد.
ولد إبراهيم زولي في جيزان جنوب السعودية عام 1968. كتب عددًا من التجارب الشعرية جمعت بين العمودي والتفعيلة والنثر، توزعت عبر مجموعاته الشعرية المتنوعة. إلى جانب ذلك، ثمة مسحة فلسفية في شعر زولي، الذي يدير رحى القصيدة في بحور من القلق واجتراح الأسئلة.
آخر مجموعة شعرية لإبراهيم زولي كانت «حرس شخصي للوحشة» صادرة عن المركز الثقافي العربي - المغرب (2015). أما أولى مجموعاته فكانت «رويداً باتجاه الأرض» (1996)، تلاها ديوان «أول الرؤيا» (1999) و«الأشياء تسقط في البنفسج» (2006) و«تأخذه من يديه النهارات» (2008) و«رجال يجوبون أعضاءنا» (2009) و«قصائد ضالة... كائنات تمارس شعيرة الفوضى» (2010) و«من جهة معتمة» (2013) و«شجر هارب في الخرائط» (2014).
«الشرق الأوسط» التقت الشاعر السعودي إبراهيم زولي، وأجرت معه الحوار التالي...

> ماذا بقي من دراستك في المعهد العلمي؟ وكيف قاومت ما تسميه «الحشو المنهجي الذي كان لا يؤمن سوى برؤية واحدة وقول واحد»؟
- تلك مرحلة كانت تحاصر فينا التفكير والاجتهاد حتى الإبداع داخل أسوار المدرسة، غير أنني كنت أخرج من ذلك وأذهب لقراءة الروايات العالمية لمؤلفين كبار مثل ديستويفسكي وتشيخوف ووليم فوكنر، وأقرأ لكثير من المفكرين العرب أمثال محمد أركون والجابري وعبد الله العروي، وشعراء كسعدي ودرويش، وكانت الساحة الثقافية صاخبة بجدل نقدي خلّاق على صفحات «ملحق الأربعاء» وصحيفة «الندوة» وملحق «أصداء الكلمة» في «عكاظ»، وأدركت أن في تراثنا العربي والإسلامي فكرًا نيّرًا يؤمن بالاختلاف، وأصبحت مقولة محمد بن إدريس الشافعي: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» وسواها شعارًا وأيقونة في مرحلة من مراحل حياتي.
> لستَ وحدك من الشعراء الذين تكّونت اتجاهاتهم الحداثية أثناء دراستهم في حواضن مناهضة لهذه التجربة، كيف تفسر ذلك؟
- تلك حقبة قاسية وشديدة الوطء على شاعر لا يزال يتلمس خطواته الأولى في عالم الكتابة، إنها حالة تشبه الطوفان الذي لا يمكن لأحد مجابهته، فكيف بفتى يدرس في المرحلة الثانوية؟! بيد أن الأمل في غدٍ أجمل، هو الأمل المدجج بالوعي الحاد والقراءة المكثفة. هو من أنقذ قصيدة الفتى في مجابهة السائد والمكرس والمألوف.
> ماذا علق في ذهنك من فترة الثمانينات وصعود التيار الصحوي؟
- الجيل الذي كان يتعاطى مع المشهد الثقافي في تلك الحقبة يعلم أنّ جيلاً من الكُتّاب والمبدعين وجد نفسه في معركة لم يختر زمانها ولا مكانها. هذا الجيل لم يقف مكتوف اليدين بل تصدى لأولئك الذين لم يكن العداء الثقافي إلا لافتة خادعة ومبررًا واهيًا. أولئك كانت معركتهم ضد الوطن بجميع أطيافه، وهو ما حدث فعلا مع تلاميذهم ومريديهم الذين كفَّروا المجتمع، ومارسوا ضد مدخراته التفجير والإرهاب.
> لماذا تعثّر مشروع الحداثة في السعودية؟
- القول بفشل مشروع الحداثة في البلد قول بحاجة إلى مساءلة، أقلّ ذلك على مستوى الكتابة في تجلياتها الشعرية والسردية. ما نلاحظه أنّ أغلب كتاب الثمانينات والتسعينات هم الآن من يشار إليهم بالبنان عند الحديث عن المشهد الثقافي في السعودية.
> ألم ينسحب المثقفون «الحداثيون» أو «الليبراليون» من المشهد وتركوه طويلاً لخصومهم؟
- الذين انسحبوا، ومَن فضَّل الصمت في تلك المرحلة، كانت لهم مبرراتهم القوية والمقنعة إلى حدٍّ كبير، ذلك أنّ التيار المتشدد والراديكالي كان نافذًا ومتغلغلاً، كسرطانٍ شرس، في كل مفاصل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وكان كل صوت غير صدى صوتهم يعتبر كفرًا وزندقة ومروقًا من كل الأعراف والتقاليد. ما حدث حينذاك كان نزالاً غير بريء وغير عادل معًا، عندما تلقّى فيه معظم كُتّابنا ضربات «تحت الحزام» بسبب ودون سبب.

البحث عن الشاعر

> متى اكتشفتَ الشاعر في داخلك؟
- حتى اللحظة ما أزالُ في بحث دؤوب ومضنٍ عن الشاعر في داخلي، ومن هو هذا الذي يستطيع القول إنه وجد الشاعر الذي يبحث عنه؟! البحث وتناسل الأسئلة هو ما يحرض على الكتابة، ويوقظ القصيدة من غفوتها. لا أريد لهذه الرحلة من البحث عن الشاعر في داخلي أن تصل إلى نهايتها. لا أريدُ ذلك أبدًا.
> بين مجموعتك «رويداً باتجاه الأرض»، و«حرس شخصي للوحشة» 9 تجارب شعرية في 20 عامًا، هل اصطفتك القصيدة؟
- كلّ ما يحلم به الشاعر هو أنْ تصطفيه القصيدة، ويصل إلى مرحلة من الوجد والعشق اللانهائي. إنّ الاصطفاءَ، هنا، هو ذلك الشيء الذي لن يتأتى لكل من كتب الشعر أو هَمَّ به. كم من الشعراء على مستوى العالم كتبوا القصيدة منذ بدء الخليقة، بيد أنه لا يوجد إلا «متنبي» واحد و«رامبو» واحد أيضًا. قلة هم أولئك الذين اصطفتهم القصيدة بكل أسف.
> كيف نضجتْ هذه التجربة؟ وكيف تنّقلت بين العمودي والتفعيلة والنثر؟
- يقولون إنه بالكتابة يتعلم المرء الكتابة. ومع هذه التجارب التي تحدثتَ عنها ثمة عامل واحد هو التجريب والمغامرة في خلق لغة ورؤيا مختلفة. لم أقم بحرق المراحل كما فعل غيري. كتبت العمود الشعري وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ولا أدّعي مجدًا مظفرًا في ذلك. كان هاجسي المغامرة من قبل ومن بعد، ومتى ذهب هاجس المغامرة من الشاعر فقد أضاع كل شيء، وانتكس في شكل وفخ شعري يتيم لن يغادره حتى آخر العمر. إنّه دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه.

تأثير القراءة

> ما أكثر ما أثّر في تجربتك الشعرية؟
- لا شيء في تقديري يؤثر في الشاعر مثل القراءة. القراءة وحدها هي من تصنع لغة ووعي الشاعر، وتصنع رؤيته تجاه العالم والذات. الشاعر ابن مكتبته وقراءاته، لا ابن مجتمعه.
> كيف تجد مستقبل قصيدة النثر في السعودية؟
- المستقبل للإبداع دون تأطير بشكلٍ جاهز؛ لأنّ الإبداع الحقيقي يتعالى على التصنيف والتأطير. وقصيدة النثر في مدونة الشعر السعودي خطت خطوات مهمة، وقدمت أسماء لافتة وذات أهمية، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العربي أيضًا، لكنّ ذلك لا يمنع أنّ هناك دخلاء على هذا الشكل من الكتابة، مثل أي صنعة أخرى، ثمة طارئون ودخلاء. بعضهم ما تزال قصائدهم النثرية لا تتجاوز الخاطرة والتداعيات الرومانسية.
> تقول: «منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، يمثّل فيّ الآن مرحلته وزمنه. لا أن يتنفّس من فم امرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين». هل يقوى الشاعر أن يمتلك فرادته في مجتمع يفرض سلطاته؟
- فرادة الشاعر هي أمرٌ نسبي ومرحلي، والشاعر في ذات الوقت ابنٌ بارٌ لظرفه وسياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي. هو ليس كائنًا فضائيًا، ومع كل هذه القيود يستطيع أنْ يخلق لغته ويصنع عالمه الخاص. إن الشعراء الذين اختاروا المهاجر أو المنافي، طوعًا أو قسرًا، ربما كان مناخهم مناسبًا لخلق فرادتهم، بيد أنّ تلك الفرادة لم تتأت إلا لقلة قليلة منهم.
> كيف يحضر المكان في قصيدتك؟ أنت مسكون بتفاصيل البيئة المحلية، وتقول إن من يمتلك تفاصيل المكان ومفرداته الحميميّة يحمل في شرايينه أرضًا وشعبًا من سلالته، كيف؟
- البعض يعدّ المكان هو الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر للعالم، مَن يمتلك تفاصيل المكان يمتلك عالمه الشعري، عالماً لا يمكن أن يضل برفقته السبيل، وحتى لا تكون القصيدة ريشة في مهب الرياح، غريبة الوجه واليد واللسان، يبقى المكان بكلّ تجلياته وتمظهراته هو الذي يمكّن المبدع من كتابة عملٍ زاهٍ، عمل يقف معه على قدمين راسختين، وقامة يمدّ عنقها إلى الفضاء.
> هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلاً؟
- الأوراق و16 بحرًا وقلم دون غطاء، كلها تتأهب، وقد لا تأتي الكتابة، تغضب وترمي بكلّ شيء في أقرب سلة أمامك. تختلط إيقاعات الوافر والرمل ممزوجين بالمتدارك، ثم ينتصب الخليل بن أحمد أمامك كعفريت صابًّا جام غضبه عليك. تقوم منكسرًا من مكانك الذي هيأته للقصيدة الحلم، ثم في خلسة من كلّ هؤلاء تُقْبِلُ وأنت أعزل إلا من حزنك، عاريًا إلا من البهجة بقدومها، لا لشيء إلا لأنّها هي سيّدة الزمان والمكان... طقس بحاجة إلى طقس آخر، وعملية استحضار تشبه الضرب في الرمل. هي كمَن ينظر إلى قدميه عندما يقود دراجة ليعرف كيف تتمّ عملية القيادة، ثم يتعثّر في الطريق. الكتابة موعد مع الغياب، أو هي انتظار جودو، أو «البحث عن وليد مسعود»، قد تأتي وقد لا تأتي.
> ماذا يوفر لك الفضاء الإلكتروني؟
- بسبب هذه الشبكات المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، صار بإمكان المرء في أي ركن من أركان المعمورة، التواصل مع أخيه الإنسان «الافتراضي» في الجهة الأخرى من العالم صوتاً وصورة وكتابة. لم تعد الأخوّة في اللون أو الدين أو العرق، كما تعارف الناس، بل تبدّلت إلى معنى آخر وجديد لم يكن مألوفًا من قبل. «عالم افتراضي، أصدقاء افتراضيّون»، وهكذا. ما من شكّ في أنّ هذه الشبكات باتت تشكّل حضورًا طاغيًا في حياة الناس، بمختلف أطيافهم وشرائحهم، لم ينجُ من ذلك أحد، فقراء وأغنياء، ملونون وغير ملونين، وسقطتْ معانٍ كثيرة، فلم نعد نميّز بين الشيخ والمريد، وبين المعلم وتلميذه. هذه الهدية الكونية من اقتصاد المعرفة لم تأت حكرًا على النخب وطبقات الأنتلجنسيا الذين احتكروا ردحًا من الزمن المعلومة ومصدرها، الكِتاب ومؤلّفه، البحث ومحتواه، وبالتالي كانوا يهبون أو يمنحون - لا فرق - الثقافة لمن شاؤوا، وكيف شاؤوا. ذلك زمن ولّى وانقضى إلى غير رجعة، زمن أضحى في سلة الذكريات، زمن غير مأسوف عليه.



من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.