العراق: مخاوف من نسخة محلية لـ«الحرس» الإيراني بجهاز أمن موازٍ

قادة الفصائل الشيعية ينقلون المعركة إلى البرلمان

مقر حركة عصائب أهل الحق في البصرة (رويترز)
مقر حركة عصائب أهل الحق في البصرة (رويترز)
TT

العراق: مخاوف من نسخة محلية لـ«الحرس» الإيراني بجهاز أمن موازٍ

مقر حركة عصائب أهل الحق في البصرة (رويترز)
مقر حركة عصائب أهل الحق في البصرة (رويترز)

في مايو (أيار) الماضي استبدل حسن فدعم بزيه العسكري بذلة أنيقة عندما أصبح واحداً من 45 من رجال الفصائل الشيعية الذين انتُخبوا أعضاء في مجلس الأمة العراقي المكون من 329 مقعداً. كان فدعم قد تلقى تدريباً عسكرياً في إيران وحارب تنظيم داعش في العراق. والآن أصبح يعمل في السياسة بعد أن ضاعفت الفصائل المسلحة التي تدعمها إيران عدد مقاعدها في البرلمان العراقي. وقد أصبح تحالف «الفتح» الذي يمثل هذه الفصائل ثاني أكبر كتلة سياسية.
في مقابلات أجرتها وكالة «رويترز»، شرح ثمانية من رجال الفصائل، الذين ترجموا نجاحهم في ساحة المعركة إلى نصر انتخابي، خططهم لاستغلال هذه المنصة الجديدة. وتبدو الفصائل في وضع أفضل من ذي قبل للتأثير في السياسات، من الأمن الداخلي إلى السياسة الخارجية. وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، قد قال إنه يخشى أن يقوض رجال الفصائل جهود توحيد العراق.
وتحاول الديمقراطية الوليدة الموازنة بين مطالب السُّنة والأكراد والشيعة بعد سنوات الصراع الطائفي، في حين بدأ الاقتصاد يخطو خطوات الانتعاش الأولى بعد الحرب على تنظيم داعش. وقد حاول العبادي دون جدوى منع قيادات الفصائل من خوض الانتخابات هذا العام. وتساءل في ذلك الوقت: كيف يكون لصاحب الزي العسكري رأي سياسي؟ وقال إن ذلك لا يحدث في أي مكان في العالم وإنه ممنوع. ورد رجال الفصائل بإعلان أنهم سيتخلون عن أدوارهم العسكرية للالتزام بالقانون الانتخابي في العراق.
كذلك يشعر البعض في واشنطن بالقلق. فقد قدم أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ مشروع قانون من شأنه فرض عقوبات على اثنين من الفصائل المدعومة من إيران في العراق: «عصائب أهل الحق» و«حركة النجباء». ومن أعضاء مجلس الشيوخ الذين يرعون قانون (عقوبات الإرهابيين وكلاء إيران) ديفيد برديو وتيد كروز وماركو روبيو. ولم تجزع إيران. فقد قال سفير إيراني سابق في المنطقة يعمل الآن مسؤولاً كبيراً في طهران «في الاجتماعات التي عقدناها مع أشقائنا العراقيين أكدوا لنا أنه لا يمكن لأميركا استغلال العراق».
ومن حلفاء إيران في العراق «منظمة بدر» التي فازت بـ21 مقعداً في الانتخابات. وعلى مدى عقدين قاد هادي العامري، زعيم «بدر»، الحرب على صدام حسين من منفاه في إيران. وقال كريم نوري أحد القادة المحليين في «بدر»، إن «الاتصال بإيران مستمر»، ولم يذكر تفاصيل. وقال هشام الهاشمي المستشار الأمني للحكومة العراقية إنه يعتقد إن «إيران على اتصال بساسة الشيعة».
عندما حث المرجع الشيعي العراقي علي السيستاني، الشيعة، على الانضمام لقتال تنظيم داعش في 2014، كان فدعم واحداً من عشرات الآلاف من الشيعة الذين لبّوا النداء. وقاد تشكيل «فجر»، وهو قوة قوامها 3400 مقاتل. وبعد طرد تنظيم داعش من مدينة جرف الصخر جنوبي بغداد ضغط فدعم على جهاز الحكم المحلي في محافظة الحلة التي خرج منها لإلغاء حقوق السُّنة في الملكية العقارية بالمنطقة، وقال إن صلات تربطهم بـ«داعش». ووافق المجلس المحلي في الحلة على مطلبه.
ويقول فدعم الذي انتُخب في مايو (أيار) لتمثيل الحلة في البرلمان، إنه يكرّس وقته الآن للسياسة ويظهر مراراً في البرامج الحوارية على قنوات التلفزيون الشيعية لتأكيد رسالته المتمثلة في مكافحة الفساد. ويتوافد الزوار على مكتبه في الحلة طلباً للمساعدة. وتفتقر الحلة، مثل مناطق كثيرة في العراق، إلى الخدمات الأساسية؛ فالطرق مليئة بالحفر، والمنشآت الطبية تتداعى، وهو يتلقى مئات الطلبات من شبان يبحثون عن وظيفة في الخدمة المدنية.
وعلى الناحية الأخرى من المدينة يقع مستشفى يديره أتباع فدعم. ويقدم المستشفى الرعاية الطبية مجاناً لمقاتلي الفصائل وعامة الشعب. ويستطيع المرضى الاستفادة من صيدلية منظمة تمتلئ بالأدوية. وتبدو غرف المستشفى أنظف من أغلب المنشآت الطبية في العراق. وقال فدعم: «في آخر المطاف يجب أن نتحول إلى السياسة لإعادة بناء بلدنا. إعادة إعمار البلد والمحافظة على أمنه لا تتحقق إلا عن طريق إدارة سياسية جيدة».
فالح الخزعلي، وهو من رجال الفصائل الذين أصبحوا يعملون بالسياسة، حارب دعماً للرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية وفقد إحدى عينيه دفاعاً عن مرقد شيعي قرب دمشق، وهو يعمل الآن من مدينة البصرة ثانية أكبر المدن العراقية في جنوب البلاد الغني بالنفط. وتزين الجدار في مكتبه صور للمرشد الإيراني علي خامنئي وآية الله الخميني. وسيبدأ فترته الثانية في البرلمان، إذ إنه انتُخب نائباً للمرة الأولى في 2014.
يقول الخزعلي: «يجب على الأميركيين ألا يعتبروا العراق قرية تابعة لهم. العراق دولة مستقلة لها تاريخ عريق. على الولايات المتحدة ألا تتعامل مع العراق على أساس تقديم صفر وأخذ 100». وأضاف: «كان لإيران الدور الفاعل في تسليح القوات العراقية وكذلك قوات الحشد عن طريق الحكومة».
ومثل إيران، يعارض الخزعلي الوجود العسكري الأميركي في العراق، ويقول إنه يضغط «باتجاه صياغة قانون لإجبار الحكومة على إعادة النظر في التعاون العسكري المشترك مع الولايات المتحدة».
ويرابط في العراق نحو 5200 جندي أميركي. وقال متحدث باسم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، إنهم باقون «ما دامت الحاجة إليهم»، للمساعدة في تحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت تخضع من قبل لسيطرة تنظيم داعش.
يركز الخزعلي، مثل فدعم، على قضايا يومية تمثل أهمية للعراقيين، تتمثل في المياه الملوثة وتداعي البنية التحتية وفساد المسؤولين. وقد فتح مكتبه في البصرة لكل من يمكنه تقديم دليل على فساد مسؤول. ويقول إنه أعد ملفاً يتضمن 100 حالة. وخلال جلسة البرلمان الأولى في منتصف سبتمبر (أيلول) نجح الخزعلي في مطالبة البرلمان بإرسال وفد للتحقيق في «الأوضاع المأساوية» في البصرة التي شهدت احتجاجات على تلوث المياه وانقطاع الكهرباء والبطالة والفساد. وقال: «محاربة الفساد هو هدفي الأساسي الآن وبعد هزيمة (داعش)». وأضاف: «الفساد هو (داعش) ثانٍ إن لم يكن أسوأ».
ويشترك معه في هذا الرأي آخرون من بينهم «عصائب أهل الحق» وهي من الفصائل التي تواجه عقوبات أميركية محتملة. وقد شغل سعد الحسيني، أحد رجال هذا الفصيل وهو من مدينة الكوت الواقعة على نهر دجلة، مقعداً في البرلمان. وخلال الحرب على «داعش» كان يتولى مسائل لوجيستية لـ«عصائب أهل الحق» بما يضمن وجود المقاتلين في مواقعهم وترتيب الأمور الخاصة بهم بعد مقتلهم. ويقول إن الاحتجاجات في البصرة تنبع من فشل الحكومات المتعاقبة. وأضاف: «المظاهرات الآن هي دليل صارخ على أن الفساد ينتشر في كل مؤسسات الدولة. الخطوة التالية يجب أن تكون محاربة الفساد». وتابع: «سيكون هدفي الأساسي بعد أن أصبحت نائباً في البرلمان العمل على تشريع قوانين تسهم في خدمة المواطنين ومراقبة أداء الحكومة من أجل القضاء على الفساد».
ويشعر بعض الساسة والضباط العسكريين العراقيين بالقلق من أن تحاول إيران من خلال الفصائل الشيعية إنشاء نسخة عراقية من «الحرس الثوري» بجهاز أمني موازٍ وإمبراطورية أعمال واسعة. وللفصائل العراقية أسهم في شركات للبناء والتجارة واستيراد السيارات.
وفي منفذ الصفرة الحدودي على مسافة 90 كيلومتراً شمالي بغداد تتولى «منظمة بدر»، أوثق شركاء إيران من الفصائل في العراق، تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب على البضائع المنقولة من إقليم كردستان العراق، وذلك وفقا لما قاله عضو في المجلس المحلي واثنين من كبار المسؤولين العراقيين السابقين. وقال عضو المجلس إن «منظمة بدر» تحصل على ما لا يقل عن 12 إلى 15 مليون دولار شهرياً. ونفى عماد جعفر، وهو قائد محلي في «منظمة بدر»، أن المنظمة تستخدم المعبر الحدودي في جمع الأموال.
وقال ثلاثة من أصحاب مكاتب الصرافة ومصادر بالشرطة، إن مكاتب الصرافة في الشوارع التي تكثر فيها الحركة في وسط بغداد تدفع رسوماً للفصائل لضمان استمرار نشاطها. ولا تتوقف التدفقات النقدية عند مصالح الأعمال. إذ كانت ميزانية الدولة العراقية تخصص مليار دولار للفصائل خلال الحرب على تنظيم داعش. ويحصل المقاتل في «الحشد الشعبي» عادةً على مرتب شهري يبلغ 600 دولار بالمقارنة مع مرتب أي جندي في الجيش والذي يبلغ 200 دولار.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.