إيطاليا «تتجاهل» مهلة بروكسل... والعالم يترقب سابقة عقوبات أو إذعان

صندوق النقد يدعو روما إلى التعقل مبرزاً تفهمه دوافع حكومتها

ينتظر العالم الآن رد فعل بروكسل على تجاهل إيطاليا المهلة الممنوحة لها من أجل تعديل مشروع ميزانيتها المثيرة للجدل (رويترز)
ينتظر العالم الآن رد فعل بروكسل على تجاهل إيطاليا المهلة الممنوحة لها من أجل تعديل مشروع ميزانيتها المثيرة للجدل (رويترز)
TT

إيطاليا «تتجاهل» مهلة بروكسل... والعالم يترقب سابقة عقوبات أو إذعان

ينتظر العالم الآن رد فعل بروكسل على تجاهل إيطاليا المهلة الممنوحة لها من أجل تعديل مشروع ميزانيتها المثيرة للجدل (رويترز)
ينتظر العالم الآن رد فعل بروكسل على تجاهل إيطاليا المهلة الممنوحة لها من أجل تعديل مشروع ميزانيتها المثيرة للجدل (رويترز)

مع مرور الساعات والدقائق، أمس، كان العالم يترقب ماذا ستفعل الحكومة الإيطالية قبل انتهاء المهلة الممنوحة لها من المفوضية الأوروبية لتعديل مشروع ميزانيتها المثيرة للجدل... لكن مع انتهاء المهلة بالفعل، وتجاهل روما الرد بأي شكل... عادت الأنظار لتترقب ماذا يمكن أن تفعل بروكسل في سابقة أولى من نوعها بمنطقة العملة الموحدة، وهل ستقدِم السلطات المالية الأوروبية على تنفيذ عقوبات بحق روما كما لوحت سابقاً، أم أنها ستترك الأمور لتمر؛ ما قد يفتح الباب لمزيد من «التمرد» داخل منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي على حد سواء.
ويرفض التحالف الشعبوي الحاكم في إيطاليا الامتثال للمفوضية الأوروبية، ولم يقدم حتى وقت متأخر أمس (الثلاثاء)، أي تعديلات على ميزانيته لعام 2019؛ ما يمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات مالية على روما.
وفي بيان أصدره صندوق النقد الدولي مساء أمس، سعى لأن يكون محذراً، لكنه متفهم في الوقت ذاته، قال الصندوق في مطلعه: إن المشكلات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الإيطالي تتمثل في انخفاض معدل النمو وضعف الناتج المحلي، موضحاً أن مستوى الدخل الشخصي الحقيقي يقع عند مستويات قبل عقدين ماضيين، وأن البطالة تقترب من 10 في المائة، مع تأثر بالغ لمستوى معيشة الأجيال الجديدة، وبلوغ معدلات الهجرة بين الإيطاليين مستويات غير مسبوقة في 50 عاماً... وقائلاً: إن كل تلك الأمور تبرر إصرار السلطات المحلية على المسائل الاجتماعية.
لكن الصندوق في الوقت ذاته، حذر من أن خطة الموازنة الإيطالية - بزيادة الإنفاق بصورة حادة - من شأنها أن تحمل «مخاطر جوهرية»، تترك الدولة عرضة لإضرابات سوقية كبرى. وقال: إنه «يتعين على إيطاليا أن تهدئ أي قلق بشأن قدرتها على تحمل الدين العام، وهي المخاوف التي عادت إلى الظهور من جديد».
وأدت الأزمة بين المفوضية وروما إلى عدم يقين بين المستثمرين، الذين باعوا بكثافة سندات الديون الإيطالية في الأشهر الأخيرة؛ مما أدى إلى رفع معدلات الاقتراض في البلاد... وهو ما قد يؤدي بدوره إلى أن يضر بالمالية العامة في إيطاليا؛ مما يعزز مخاوف المستثمرين، في حلقة مفرغة.
ويرى الصندوق أن مثل هذا السيناريو قد يتطلب من الحكومة إجراء بعضٍ من التنازلات خلال لحظة عدم اليقين الاقتصادي. وقال صندوق النقد، أمس: إن «هذا يمكن أن يحول التباطؤ إلى ركود»، موصياً إيطاليا بتشديد مواردها المالية العامة بدلاً من خطتها السابقة. وتوقع الصندوق أن تتجاوز الحكومة أهدافها الخاصة في الموازنة، مع بلوغ العجز ما يقدر بنحو 2.7 في المائة العام المقبل.
وفي غضون ذلك، وفي روما، يرى التحالف الحاكم الذي يضم حزب الرابطة (يمين قومي) بقيادة سالفيني وحركة خمس نجوم (المعادية للنظام القائم) حزب دي مايو، أن الميزانية ضد التقشف ستنعش النمو الضعيف الذي سيسمح بدوره بخفض العجز العام والدين.
وبعد لقاء أول يوم الإثنين، عقد رئيس الحكومة الإيطالي جوزيبي كونتي اجتماعاً بعد ظهر الثلاثاء مع نائبيه ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو، بينما أمهلت المفوضية الأوروبية إيطاليا حتى ظهر أمس لمراجعة نصها.
وما زالت السلطات الأوروبية مدعومة من منطقة اليورو بأكملها، تصم آذانها عن حجج الإيطاليين، وتدين هذه الميزانية التي تقضي بعجز في إجمالي الناتج الداخلي يبلغ 2.4 في المائة في 2019، و2.1 في المائة في 2020.
وقد رفضت السلطات الأوروبية في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي هذا المشروع في سابقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي. وترى المفوضية، أن روما لن تتمكن من احترام العتبتين اللتين حددتهما. وهي تقول: إن الإجراءات الواردة في الميزانية يمكن أن ترفع العجز إلى 2.9 في المائة في 2019 و3.1 في المائة في 2020. وتعول المفوضية على نمو نسبته 1.2 في المائة، بينما تقول روما: إنه سيبلغ 1.5 في المائة.
وفي الأيام الأخيرة، تحدث وزير الاقتصاد الإيطالي جوفاني تريا عن «خلل فني» في حسابات المفوضية الأوروبية، وأكد أن الحكومة تنوي الإبقاء على «أعمدة» خطة ميزانيتها، مع مواصلة الحوار.
وكانت الحكومة اليسارية السابقة تعهدت خفض العجز إلى 0.8 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي في 2019. لكن تريا قال: إن هذا السقف يشكل «انتحاراً» بينما النمو الإيطالي هو الأضعف بين دول منطقة اليورو. وأكد تريا، أن الحكومة مستعدة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان ألا يتجاوز العجز عتبة 2.4 في المائة.
ويعتبر كونتي أن تقديرات المفوضية «تقلل من أهمية التأثير الإيجابي» للميزانية والإصلاحات، مشيراً إلى أن «العجر سيتراجع مع (زيادة) النمو، وهذا سيسمح بخفض نسبة الدين مقابل إجمالي الناتج الداخلي إلى 130 في المائة العام المقبل و126.7 في المائة في 2021».
وبرفضها تغيير ميزانيتها، يمكن أن تواجه روما فتح «إجراءات بسبب العجز المفرط»، يمكن أن تؤدي إلى عقوبات مالية تشكل 0.2 في المائة من إجمالي ناتجها الداخلي، أي ما يعادل 3.4 مليارات يورو.
ويشعر الاتحاد الأوروبي والأسواق بالقلق لأن إيطاليا تعاني أساساً من دين عام هائل يبلغ 2300 مليار يورو، يشكل 131 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي، ويحتل المرتبة الثانية في منطقة اليورو بعد اليونان.
من جهته، كثف المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية بيار موسكوفيسي دعواته للحوار؛ آملاً التوصل إلى «تسوية». لكن سالفيني لا يكترث للأمر، ودعا إلى التظاهر في روما في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، للقول: «سلمياً للسادة في بروكسل: دعونا نعمل ونعيش ونتنفس».
ورأى لورينزو كودونيو، مؤسس مكتب «إل سي ماكرو ادفايزورز»، أن «المفوضية ستتخذ خطوة أولى لتتجه إيطاليا إلى عملية العجز المفرط مع نشر تحديث للتقرير حول الدين المرتقب في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي».
وقال كبير خبراء الاقتصاد السابق في الخزانة الإيطالية، لوكالة الصحافة الفرنسية: «بحلول نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل، ستكون إيطاليا دخلت عملية العجز المفرط، لكن المهلة المحددة لإعداد خطط تصحيحية (ثلاثة إلى ستة أشهر) ستسمح لإيطاليا ببلوغ الانتخابات الأوروبية دون عقبات». وتابع: «لن يحصل أي شيء قبل تشكيل المفوضية الجديدة» الخريف المقبل.
وبحسب كودونيو، في حال لم يكن هناك تحرك سريع على المستوى الأوروبي ستكون الأسواق المالية «كالعادة الحارس الحقيقي لضبط الموازنة».
ومنذ منتصف مايو، تاريخ بدء المحادثات حول تشكيل التحالف الشبعوي، الفارق بين معدلات الاقتراض الإيطالي والألماني تضاعف ووصل إلى 300 نقطة. بحسب البنك المركزي الإيطالي، سيمثل كلفة إضافية من الفوائد بنحو 1.5 مليار يورو خلال ستة أشهر.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.