بؤر لعصابات مسلحة تحت تسميات إسلامية في مخيمات فلسطينية

غياب القرار السياسي عطّل دخول الجيش اللبناني وسهَّل نمو التطرف إليها

فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
TT

بؤر لعصابات مسلحة تحت تسميات إسلامية في مخيمات فلسطينية

فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)

في سبتمبر (أيلول) الماضي، نجحت استخبارات الجيش اللبناني في مخيم «عين الحلوة» للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، بتنفيذ عملية أمنية أدَّت إلى اعتقال «المفتي الشرعي» لكتائب عبد الله عزام، بهاء الدين حجير، المتورّط في تفجير السفارة الإيرانية قبل 5 سنوات.
قبل ذلك بعام، ألقى الأمن العام اللبناني القبض على أفراد شبكة إرهابية يتواصلون مع مشغليهم من مناطق لبنانية، لا سيما في مخيمات عين الحلوة وبرج البراجنة وشاتيلا، حيث كانوا يتلقون التوجيهات والمهمات المطلوب تنفيذها، ومن بينها عمليات انتحارية وانغماسية واغتيالات وتفجيرات، اعترف الموقوفون بها.
وفي عام 2016، صنَّفت مخابرات الجيش إلقاء القبض على أحد أهم الإرهابيين و«أمير داعش» الإرهابي عماد ياسين المطلوب بنحو 40 مذكرة قضائية، إنجازاً نوعياً حققته داخل مخيم عين الحلوة، دون سقوط نقطة دم واحدة.
وقبل ارتباط «الإرهاب الداعشي» في المخيمات الفلسطينية مع الحرب في سوريا، لم تخلُ سيرة هذه المخيمات من التطرّف الإسلامي، من «عصبة الأنصار» المتهمة باغتيال القضاة الأربعة في صيدا قبل نحو عشرين عاماً، إلى «فتح الإسلام» الذي فجَّر مخيم نهر البارد عام 2007، والأمثلة لا تنتهي منذ خروج الكفاح المسلح من لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
يقول الباحث الفلسطيني هشام دبسي لـ«الشرق الأوسط»: «بعد عام 1982 مباشرة، لم ينشأ أي تنظيم فلسطيني إسلامي، إلا الحرب على المخيمات التي شنتها (حركة أمل) عام 1985، بتوجيه من النظام السوري، ومع حصار مخيم (برج البراجنة) في الضاحية الجنوبية لبيروت، كنتُ داخل المخيم، وعايشت رد الفعل الشديد للفلسطينيين على (حركة أمل)، مقابل تقدير كبير لدور السيد محمد حسين فضل الله الذي أصدر فتوى بتحريم قتال الفلسطينيين. ودأبت مجموعة من الشباب الفلسطيني على ارتياد مسجد فضل الله في حارة حريك، والاستماع إلى خطبة الجمعة التي كان يلقيها، وتأييد خطه. آنذاك كانت فكرة نشوء (حزب الله) تتبلور. ونشأت مجموعات صغيرة في مخيم برج البراجنة وغيرها من المخيمات تمايز نفسها عن الفصائل الموجودة. وتعتبر أن حل القضية الفلسطينية لن يكون إلا عن طريق المقاومة الإسلامية، وبقيت غالبية هذه المجموعات في إطار التنظيمات الموجودة، والأكثرية ضمن (فتح) حتى انتفاضة الحجارة في فلسطين في ديسمبر (كانون الأول) 1987».
ويشير دبسي إلى أن «المخيمات بدأت تشهد ظاهرة جديدة، وهي إقامة مصليات وبعدد كبير في أحيائها، لم تكن موجودة قبلاً. وانتشر الدعاة من مختلف المشارب الإسلامية».
ويضيف: «مع ثورة الحجارة، ولأول مرة، شكّل الإخوان المسلمون الفلسطينيون حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقرار من (دولية الإخوان). وتم فرز الفلسطينيين في الإخوان المسلمين في دول اللجوء ليشكلوا تنظيمهم. في هذه المرحلة شهدت حركة فتح انسحاب العناصر الإخوانية في صفوفها لينضموا إلى (حماس). وبدأت مرحلة جديدة لها طبيعة تنظيمية خاصة وخالصة. بعد ذلك تشكلت حركة (الجهاد الإسلامي)، وهي ليست من أصول إخوانية، إنما من مجموعة إسلاميين كانوا طلاباً، وترأسهم فتحي الشقاقي ومعه زياد نخالة ود. محمد نجار، الذي كان ملاحَقاً من الأميركيين، وقد استقبل في ضاحية بيروت الجنوبية. وكانوا في بداياتهم على اتصال بإيران من خلال فتحي الشقاقي. وبعد طلب إيران منه التشيع، انفصل عنها».
يقول رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة» الشيخ ماهر حمود: «أتصور أن الكلام عن البؤر الإرهابية في المخيمات ليس دقيقاً، واتهام الفصائل الفلسطينية الإسلامية بكل الجرائم التي تُرتكَب فيه كثير من المبالغة، كأنها أصبحت مشجباً يعلقون عليه كل ما يحصل من جرائم واغتيالات وانفلات أمني في لبنان. صحيح أن كل أنواع التطرف وأشكاله ظهرت في المخيمات، لكنها تراجعت. وبشكل عام، كثير من المتطرفين يتم دعمهم من جهات متعددة، على أمل استيعابهم وردهم إلى الطريق المستقيم، على أي حال تراجع التطرف في البيئة الفلسطينية، بعد هزيمة أحمد الأسير وهزيمة (داعش) في سوريا».
ويقول مصدر من حركة «فتح»: «بعد اكتمال الحركات الإسلامية المسلحة في المخيمات بدأ التناحر مع حركة (فتح)، وبتمويل من المخابرات السورية. (الأحباش) و(عصبة الأنصار) باشرتا أعمالاً تخريبية مسلحة واغتيالات فردية. وبعد اغتيال الشريدي بقرار من مسؤول فتح آنذاك عصام اللوح، أخذت (عصبة الأنصار) منحى إرهابياً متطرفاً في الداخل اللبناني، وتم توظيف خدماتها. وقد ظهر ذلك مع اغتيال القضاة الأربعة عام 1999، وهي عملية تولى قيادتها أحمد عبد الكريم السعدي الملقب بـ(أبو محجن). وانشق عن (عصبة الأنصار) عبد الله الشريدي، وشكَّل (عصبة النور)، وبدأت تفرِّخ الجماعات الإسلامية المتطرفة، حسب الحاجة للاستخدام والمهام القذرة المطلوبة».
لكن الشيخ ماهر حمود يرفض إدانة «عصبة الأنصار». ويقول: «لم يثبت تورطها رسمياً، رغم فتح الملف من جديد مع اعترافات لأحد الموقوفين. فالعصبة باعتراف القاصي والداني والفعاليات الأمنية والاجتماعية في صيدا وبشهادة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، انتقلت إلى ضفة أخرى وأصبحت تشكل صمام أمان، وأفرادها يتنقلون برعاية الجيش اللبناني، ودورهم انقلب إلى الإيجابية بنسبة كبيرة. و(جند الشام) و(عصبة النور) وغيرها من التنظيمات المتطرفة إنما هي رد فعل سلبي على الدور الإيجابي الحالي لـ(عصبة الأنصار)». ويضيف: «أفضل نموذج هو (عصبة الأنصار). ربما تطرفوا وقاموا باغتيالات من دون مبرِّر شرعي. لكنهم عادوا إلى الطريق المستقيم. كذلك تنبَّه آخرون إلى أخطائهم، 90 في المائة ممن شكلوا حالة التطرف إما عادوا إلى بيوتهم، وإما هاجروا، وإما سلَّموا أنفسهم للجهات الأمنية المختصة».
و«سبب رواج التطرف الإسلامي في فترة سابقة»، كما يقول حمود، «يعود إلى عدم وجود سلطة لبنانية وفلسطينية داخل المخيمات قادرة على فرض القانون. كذلك وجود السلاح بكثرة والاستغلال السياسي للسلاح المتفلت. مثلاً، حاول شاكر العبسي أن ينشئ (فتح الإسلام) بدايةً في مخيم برج البراجنة، لكن وجود اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية الرافضة، حال دون تنفيذه مشروعه، فذهب إلى مخيم نهر البارد الذي لم يكن للمنظمات الفلسطينية دور فعال فيه، لعدم الحاجة، ولم تكن السلطات اللبنانية تشعر بأنه مصدر خطر، لذا قام بتنفيذ مشروعه من دون أن يجد من يواجهه بداية».
عن تمويل الإسلاميين المتطرفين في المخيمات الفلسطينية، يعتبر المصدر الفتحاوي أن «تمويل هذه الحركات يرتبط بالجهات التي تريد توظيفها. وفي الحصيلة، لم يبقَ جهاز استخبارات إقليمي ودولي لم يتدخل في هذه الجماعات، إما للحصول على المعلومات أو لتنفيذ بعض الأعمال القذرة». ويشير إلى «الدور القطري الذي تراجع ثم توقف. وحالياً الفصائل الإسلامية المتطرفة تحظى بالرعاية من إيران وسوريا. كما أن مخابرات الدولة اللبنانية تستخدم هذه الجماعات بطرق مختلفة للحصول على المعلومات. باختصار هذه الفصائل يتم تمويلها وتشغيلها ضمن أجندات وفق الحاجة. وكل المجموعات مخترقة مخابراتياً».
عن تمويل الجماعات الإسلامية المتطرفة في المخيمات، يقول حمود: «مع الأسف، حسبما ظهر، واضح أن هناك من يدعون أنهم (إسلاميون) ابتعدوا كثيراً عن المصلحة الإسلامية والنصوص، واضح أن تمويلهم أميركي عربي، لا لغز في الأمر. تم استغلالهم لغايات أخرى. ولعل عدم جمع السلاح من المخيمات بعد (اتفاق الطائف) هو خطأ يُحسب على الدولة اللبنانية».
ويعتبر حمود أن «الهدف من استثمار الحالات الفلسطينية المتطرفة وتوظيفها، هو تشويه القضية الفلسطينية والتأثير مباشرة على حق العودة وإنهاء التعاطف مع هذه القضية انطلاقاً من تصوير فلسطينيي الشتات، لا سيما في المخيمات اللبنانية، كأنهم إرهابيين. والأمر يخدم إسرائيل، وتتورَّط فيه جهات دولية وعربية ومحلية لبنانية، وكلنا نعرف قدرة العدو الإسرائيلي على اختراق الجماعات، سواء في لبنان أو في غيره».



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.