الصحافة في البحرين... تاريخ يكافح في وجه {أزمة الورق}

المنامة كانت شاهدة على ولادة أول جريدة سياسية في الخليج عام 1939

أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
TT

الصحافة في البحرين... تاريخ يكافح في وجه {أزمة الورق}

أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)

في عام 2014، وفي الذكرى الـ75 على صدور أول صحيفة بحرينية (جريدة البحرين) أصدر الكاتب والباحث البحريني صقر بن عبد الله المعاودة، كتاباً وثق بين طياته تاريخ الصحافة البحرينية. الكتاب غني بالتفاصيل وبقائمة المطبوعات على مر القرن الماضي والألفية، ولم تخلُ منه تفاصيل مهمة تشرح لقرائه كيفية تطور الصحافة المطبوعة في البلاد. وبعد أربعة أعوام على إصداره، نعود لاستعراضه وإعادة تقييم المشهد الصحافي في البحرين في ظل التطورات التكنولوجية والتحديات التي يعيشها «الورق» عالمياً.
تقول سميرة رجب، وزيرة الدولة البحرينية السابقة لشؤون الإعلام، التي كتبت مقدمة شاملة في هذا الكتاب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: إن «البحرين كجزيرة في وسط الخليج العربي، كانت أحد أهم الموانئ فيما كان يُعرف بطريق الحرير قديماً ومحطة مهمة لمختلف أنواع الرحالة العابرين بين الشرق والغرب». ولذلك: «اكتسبت هذه الجزيرة الجميلة أهميتها منذ ذلك الزمن من هذا الموقع الجيواستراتيجي المهم، الذي جعل الانفتاح على الآخر من أهم سمات شعبها، وجعلها من أهم مصادر الوعي الحضاري الذي تميز به البحرينيون».
وعلى خطى هذه العقلية المتنورة، تأسست أول صحيفة ورقية فيها عام 1939، وغالباً ما تزدهر الصحافة في البيئات الحضارية النشيطة بالحراك الثقافي والفكري؛ مما أعطى العمل الصحافي في البحرين دفعاً قوياً ليكون مصدر إشعاع ثقافي في منطقة الخليج.

المطابع والمكتبات تعبّد الطريق
كان لكل من المطابع والمكتبات دور محوري في تعبيد الطريق للصحافة في البحرين.
وعندما أسس الأديب عبد الله بن علي الزايد مطبعته عام 1936 وأسماها «مطبعة البحرين ومكتبتها» خرجت للنور أول صحيفة أسبوعية سياسية في الخليج العربي عام 1939 (جريدة البحرين)، بعدها جاءت مطبعة المؤيد عام 1949، وفيها طبعت أغلب صحف حقبة الخمسينات من القرن الماضي. ثم تأسست المطبعة الشرقية عام 1952 وتوالت مطابع عدة بعدها بافتتاح أبوابها.
من الطريف في وسائل توزيع وبيع الصحف في فترة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي أنها تباع أحياناً في محال غير متخصصة حتى في الصيدليات. وقد بدأ توزيع الصحف في البحرين لأول مرة عندما أسس سلمان أحمد كمال في العاصمة المنامة مكتبته التي أسماها «المكتبة الكمالية» عام 1919، ثم توالت وتأسست الكثير من المكتبات والمؤسسات التي تعنى بتوزيع الصحف المحلية والعربية والأجنبية. وتضمنت قائمة أوائل مكتبات بيع الصحف في البحرين المكتبة العصرية والماحوزي، والبحرين، وغيرها.
وأدت المكتبات ومؤسسات توزيع الصحف في الدول الخليجية والعربي، بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى، دوراً مهماً في انتشار الصحف البحرينية في الخمسينات. وأولى أصحاب الصحف والعاملون عليها توزيع وانتشار صحفهم خارج البلاد اهتماماً كبيراً، وذلك بالاتفاق مع بعض المكتبات والمؤسسات وتعيينهم وكلاء لبيعها في بلدانهم.

جريدة البحرين... البدايات
رأت الصحافة البحرينية النور عندما قرر الأديب البحرينية عبد الله بن علي الزايد في أوائل مارس (آذار) من عام 1939 تأسيس «جريدة البحرين»، التي أصبحت أول صحيفة أسبوعية سياسية تصدر في منطقة الخليج العربي. كان طموح مؤسسها أن تكون يومية، لكن محدودية إمكانات التحرير والطباعة فرضت عليها أن تبقى أسبوعية حتى توقفها عن الصدور في 15 يونيو (حزيران) من عام 1944.
تكونت الجريدة من أربع صفحات كبيرة، وقبل توقف صدورها بعامين صدرت بورق ملون (الأخضر والبنفسجي)، ذلك بعد نفاد اللون المعتاد للصحيفة بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية على الطباعة.
قامت الجريدة بدور إصلاحي من خلال اهتمامها بشؤون البلاد والمنطقة ونشرها الأخبار، ومتابعتها الفعاليات الثقافية والأدبية والمشروعات الوطنية والإنسانية. لم يكن الهدف من الصحيفة ربحياً، لكن كان لنشر الإعلانات الحكومية وبرامج الإذاعة والإعلانات التجارية حيز في صفحاتها؛ ما موّل استمراريتها. وكان لتعليم المرأة الذي بدأ في البلاد عام 1928 دور في تشجيعها على الكتابة والمشاركة بالصحيفة أيضاً.
أما الجريدة الرسمية، فوزعت أولى أعدادها في 22 مايو (أيار) من عام 1948، وما زالت تصدر إلى اليوم عن هيئة شؤون الإعلام.

مهنة المتاعب في القرن الماضي
«كان القرن العشرين حافلاً بالحركات الثقافية العربية والعالمية، وكان البحرينيون من أوائل المتواصلين مع هذه الحركات معرفياً، بما كانوا يملكون من وسائل إعلام، ومكتبات نشيطة وزاخرة بمختلف أنواع المعارف والصحف والدوريات، ثم بنشاط حركة السفر والانتقال بحكم الموقع الجغرافي للبحرين، إضافة إلى انتشار أعداد كبيرة من الطلبة البحرينيين للدراسة في مختلف الجامعات العربية والأجنبية منذ وقت مبكر». هكذا لخصت رجب الجو العام في البحرين خلال القرن الماضي. الصحف بدأت في التكاثر والتطور كسائر البلاد منذ الخمسينات. وضع البحرين حينذاك في التزام مع ضرورة تحديث المنظمات الإعلامية دون توقف، فتطورت لتكون البلاد أحد رواد الصحافة والبث الإذاعي والتلفزيوني الخليجي والعربي.
وتركيزاً على الصحافة المطبوعة، نتذكر صحف القرن الماضي بدءاً من الخمسينات منها مجلة «صوت البحرين» (1950 - 1954) الأدبية الشهرية التي اهتمت بالقضايا المحلية والعربية، وجريدة «الخميلة» (1952 - 1954) الثقافية التي كان رئيس تحريرها ومؤسسها العراقي كارنيك جور ميناسيان، الذي حرص على الابتعاد عن السياسة والتوجه القومي في المنطقة في حينها، وجريدة «القافلة» (1952 - 1954) التي أسسها مجموعة من المثقفين البحرينيين، وجريدة «الوطن» (1955 - 1956) التي أوقفت عن الصدور لعدم التزامها بالتعليمات والقوانين، و«الميزان» (1955 - 1956) التي حملت نزعات قومية وعانت من الرقابة، وجريدة «الخليج العربي» (1956 - 1961) التي صدرت عن شركة الخليج المحدودة، إحدى فروع شركة «التايمز» للطباعة والنشر المحدودة بالعراق، وتوقفت لعدم الربحية، ومطبوعات كثيرة غيرها.
عقد الستينات كان شاهداً على ولادة مطبوعات أخرى، منها جريدة «الأضواء» التي انطلقت عام 1965 حتى عام 1993 وكانت أول صحيفة سياسية تصدر في البحرين بعد توقف الصحف المحلية عام 1956. وكانت مقالات رئيس تحريرها محمود المردي تمتاز بصراحتها وسخونتها. كما اشتهرت مجلة «صدى الأسبوع»، التي صدرت عام 1969 وتوقفت عام 2004. عُنيت المجلة بأحداث الأسبوع، واهتمت بالشؤون المحلية والعربية والدولية في شتى المجالات.
مطبوعات السبعينات اتخذت طابع التخصص، ولمعت الصحافة الرياضية بمجلة «الرياضة» (1974 - 1987) ومجلة «الملاعب» (1978 - 1979). المجلتان قامتا بالاهتمام بالشؤون الرياضية والشبابية وتغطية النشاطات والمسابقات الرياضية المحلية والخارجية لمختلف الألعاب.
دخلت الألوان والورق المشمع والجماليات إلى صناعة المطبوعات في البحرين في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي، كما تطور المحتوى ليصبح أكثر وقتية وشمولية. وكان عام 1989 شاهداً على ولادة جريدة «الأيام» العريقة. وهي مطبوعة يومية سياسة جامعة ترأس تحريرها نبيل يعقوب الحمر ويرأس تحريرها حالياً عيسى الشايجي.
وساهم التطور الإعلامي في تلك الفترة بالتأثير المباشر على جميع جوانب الحياة في البلاد. وعن ذلك تقول: «كان لكل ذلك تأثير مباشر على تأسيس الأحزاب والحركات والتنظيمات الفكرية والسياسية في البحرين، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين تماماً كما كان عليه الحال في كبريات العواصم العربية والعالمية، التي اهتمت بالعملية الثقافية والفلسفية في دعم الحراك السياسي». وتضيف: «لربما كان مقاومة الوجود الاستعماري أحد أهم دوافع الشعب البحريني في هذا الحراك المعرفي والإعلامي والسياسي النشيط، أسوة بباقي دول المنطقة في فترة المد التحرري واليساري والقومي، بجانب تطلعات هذا الشعب في بناء دولة حديثة ونهضة حضارية عصرية».

صحف القرن الحادي والعشرين
مع بداية القرن الواحد والعشرين، الذي تزامن مع تولي الملك حمد بن عيسى الخليفة مقاليد الحكم في البحرين، وانطلاق مشروعه الإصلاحي الكبير الذي شمل كل مرافق الدولة والحياة في البلاد، حاز الإعلام نصيباً كبيراً من اهتمامات هذا المشروع.
وعن ذلك، تكشف رجب عن أن «بند إطلاق الحريات العامة، وحرية الفكر والتعبير عن الرأي بشكل خاص، كان من أهم بنود الدستور البحريني الذي تم تعديله في عام 2002، بعد استفتاء شعبي شامل على مشروع الإصلاح، الذي حاز إجماع المستفتين». وتضيف: «كان من نتائجه الجوهرية ظهور المزيد من الصحف والمجلات والأقلام الصحافية الوطنية لتبدأ الانطلاقة الأهم في مسيرة هذا الإعلام، الذي كان يعاني في العقود الأخيرة من القرن العشرين من ضغوط سياسات الحرب الباردة، كما كان شأن الإعلام العربي عموماً».
وخلال العقد الأول من القرن، دب نشاط كبير في الصحافة البحرينية، من حيث أعداد الصحف وأقلام الرأي والخبر، واستمدت الصحافة من هذا النشاط قوتها وسلطتها بما يتناسب مع بناء المرتكزات الضرورية للتحول الديمقراطي الذي هو من صميم المشروع الإصلاحي.
وانطلقت إثر ذلك صحف عدة، منها جريدة «الوسط» اليومية المستقلة (2002) و«العهد» الأسبوعية الاجتماعية (2003 - 2012)، و«الميثاق» اليومية الشاملة (2004 - 2010)، و«الوطن» اليومية التفاعلية (2005)، و«الوقت» اليومية السياسية (2006 - 2010)، و«النبأ» الأسبوعية (2008)، و«البلاد» اليومية الشاملة (2008).

تحديات الحاضر والمستقبل
تواجه الصحافة والمطبوعات الورقية اليوم في جميع أنحاء العالم تحديات في ظل تضاؤل النشر والتطور التكنولوجي. وعندما يأتي الموضوع للصحافة البحرينية، تقول رجب: إن «المشهد الصحافي والإعلامي في البحرين يحتاج اليوم إلى مزيد من التطوير في مستوى البنية التنظيمية والتشريعية وعلاقتها بالتطور التكنولوجي السريع». وتضيف شارحة: إن «قانون الصحافة والطباعة والنشر لسنة 2002، هو، إلى حدّ اليوم، القاعدة التشريعية الأساسية التي تنظم قطاع الصحافة والإعلام في البحرين، إلا أنه أصبح لا يتماشى مع التطورات الحديثة والممارسات الجديدة للصحافة والإعلام التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بانتشار شبكات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي». وتستطرد: «التغيير الجذري لمفهوم الجمهور الذي لم يعد مستهلكاً سلبياً للأخبار والبرامج، بل أصبح مشاركاً وصانعاً ومنتجاً لهذه الأخبار والبرامج ضمن ما توفره له منصات المضامين الرقمية المفتوحة والمجانية من إمكانات نشر وتوزيع غير مسبوقة».
ومن الناحية التشريعية أيضاً، ورغم الجهود المبذولة لإصدار نصوص تشريعية تنظيمية تجاري التطور التكنولوجي السريع، مثل السماح للمؤسسات الصحافية باستخدام الفيديو ضمن ضوابط معيّنة، فإنها تبقى حلولاً ترقيعية لا تعالج المسألة في شكلها الجوهري، بحسب رجب.
من جانب آخر، ربما تبقى مسألة ربط تنظيم مواقع الإنترنت الشخصية واستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي بالتشريعات المنظمة لوسائل الإعلام، أي المؤسسات الإعلامية، أكبر خطأ استراتيجي. فالممارسات الرقمية الفردية تختلف اختلافاً جذرياً عن الممارسات الرقمية المهنية، ولا يجب في أي حال من الأحوال معالجتها أو تنظيمها في نفس مستوى التقييم والمحاسبة.
وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن «هذه الإشكاليات لا تخص البحرين فقط؛ إذ إن أغلب الدول العربية وحتى بعض الدول الأجنبية تعاني من هذه التحديات. وتبين بوضوح أن تنظيم مجال الصحافة والإعلام في ضوء التطورات التكنولوجية المتسارعة، وتداخلها الشديد مع مسائل حرية الرأي والتعبير، أصبح يرهق المشرعين والسياسيين على حدّ سواء».


مقالات ذات صلة

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».