الصحافة في البحرين... تاريخ يكافح في وجه {أزمة الورق}

المنامة كانت شاهدة على ولادة أول جريدة سياسية في الخليج عام 1939

أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
TT

الصحافة في البحرين... تاريخ يكافح في وجه {أزمة الورق}

أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)
أعضاء اللجنة الاستشارية لإذاعة البحرين عام 1942 يتوسطهم الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة وبينهم عبد الله بن علي الزايد مؤسس الصحافة في البلاد (كتاب «الصحافة البحرينية»)

في عام 2014، وفي الذكرى الـ75 على صدور أول صحيفة بحرينية (جريدة البحرين) أصدر الكاتب والباحث البحريني صقر بن عبد الله المعاودة، كتاباً وثق بين طياته تاريخ الصحافة البحرينية. الكتاب غني بالتفاصيل وبقائمة المطبوعات على مر القرن الماضي والألفية، ولم تخلُ منه تفاصيل مهمة تشرح لقرائه كيفية تطور الصحافة المطبوعة في البلاد. وبعد أربعة أعوام على إصداره، نعود لاستعراضه وإعادة تقييم المشهد الصحافي في البحرين في ظل التطورات التكنولوجية والتحديات التي يعيشها «الورق» عالمياً.
تقول سميرة رجب، وزيرة الدولة البحرينية السابقة لشؤون الإعلام، التي كتبت مقدمة شاملة في هذا الكتاب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: إن «البحرين كجزيرة في وسط الخليج العربي، كانت أحد أهم الموانئ فيما كان يُعرف بطريق الحرير قديماً ومحطة مهمة لمختلف أنواع الرحالة العابرين بين الشرق والغرب». ولذلك: «اكتسبت هذه الجزيرة الجميلة أهميتها منذ ذلك الزمن من هذا الموقع الجيواستراتيجي المهم، الذي جعل الانفتاح على الآخر من أهم سمات شعبها، وجعلها من أهم مصادر الوعي الحضاري الذي تميز به البحرينيون».
وعلى خطى هذه العقلية المتنورة، تأسست أول صحيفة ورقية فيها عام 1939، وغالباً ما تزدهر الصحافة في البيئات الحضارية النشيطة بالحراك الثقافي والفكري؛ مما أعطى العمل الصحافي في البحرين دفعاً قوياً ليكون مصدر إشعاع ثقافي في منطقة الخليج.

المطابع والمكتبات تعبّد الطريق
كان لكل من المطابع والمكتبات دور محوري في تعبيد الطريق للصحافة في البحرين.
وعندما أسس الأديب عبد الله بن علي الزايد مطبعته عام 1936 وأسماها «مطبعة البحرين ومكتبتها» خرجت للنور أول صحيفة أسبوعية سياسية في الخليج العربي عام 1939 (جريدة البحرين)، بعدها جاءت مطبعة المؤيد عام 1949، وفيها طبعت أغلب صحف حقبة الخمسينات من القرن الماضي. ثم تأسست المطبعة الشرقية عام 1952 وتوالت مطابع عدة بعدها بافتتاح أبوابها.
من الطريف في وسائل توزيع وبيع الصحف في فترة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي أنها تباع أحياناً في محال غير متخصصة حتى في الصيدليات. وقد بدأ توزيع الصحف في البحرين لأول مرة عندما أسس سلمان أحمد كمال في العاصمة المنامة مكتبته التي أسماها «المكتبة الكمالية» عام 1919، ثم توالت وتأسست الكثير من المكتبات والمؤسسات التي تعنى بتوزيع الصحف المحلية والعربية والأجنبية. وتضمنت قائمة أوائل مكتبات بيع الصحف في البحرين المكتبة العصرية والماحوزي، والبحرين، وغيرها.
وأدت المكتبات ومؤسسات توزيع الصحف في الدول الخليجية والعربي، بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى، دوراً مهماً في انتشار الصحف البحرينية في الخمسينات. وأولى أصحاب الصحف والعاملون عليها توزيع وانتشار صحفهم خارج البلاد اهتماماً كبيراً، وذلك بالاتفاق مع بعض المكتبات والمؤسسات وتعيينهم وكلاء لبيعها في بلدانهم.

جريدة البحرين... البدايات
رأت الصحافة البحرينية النور عندما قرر الأديب البحرينية عبد الله بن علي الزايد في أوائل مارس (آذار) من عام 1939 تأسيس «جريدة البحرين»، التي أصبحت أول صحيفة أسبوعية سياسية تصدر في منطقة الخليج العربي. كان طموح مؤسسها أن تكون يومية، لكن محدودية إمكانات التحرير والطباعة فرضت عليها أن تبقى أسبوعية حتى توقفها عن الصدور في 15 يونيو (حزيران) من عام 1944.
تكونت الجريدة من أربع صفحات كبيرة، وقبل توقف صدورها بعامين صدرت بورق ملون (الأخضر والبنفسجي)، ذلك بعد نفاد اللون المعتاد للصحيفة بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية على الطباعة.
قامت الجريدة بدور إصلاحي من خلال اهتمامها بشؤون البلاد والمنطقة ونشرها الأخبار، ومتابعتها الفعاليات الثقافية والأدبية والمشروعات الوطنية والإنسانية. لم يكن الهدف من الصحيفة ربحياً، لكن كان لنشر الإعلانات الحكومية وبرامج الإذاعة والإعلانات التجارية حيز في صفحاتها؛ ما موّل استمراريتها. وكان لتعليم المرأة الذي بدأ في البلاد عام 1928 دور في تشجيعها على الكتابة والمشاركة بالصحيفة أيضاً.
أما الجريدة الرسمية، فوزعت أولى أعدادها في 22 مايو (أيار) من عام 1948، وما زالت تصدر إلى اليوم عن هيئة شؤون الإعلام.

مهنة المتاعب في القرن الماضي
«كان القرن العشرين حافلاً بالحركات الثقافية العربية والعالمية، وكان البحرينيون من أوائل المتواصلين مع هذه الحركات معرفياً، بما كانوا يملكون من وسائل إعلام، ومكتبات نشيطة وزاخرة بمختلف أنواع المعارف والصحف والدوريات، ثم بنشاط حركة السفر والانتقال بحكم الموقع الجغرافي للبحرين، إضافة إلى انتشار أعداد كبيرة من الطلبة البحرينيين للدراسة في مختلف الجامعات العربية والأجنبية منذ وقت مبكر». هكذا لخصت رجب الجو العام في البحرين خلال القرن الماضي. الصحف بدأت في التكاثر والتطور كسائر البلاد منذ الخمسينات. وضع البحرين حينذاك في التزام مع ضرورة تحديث المنظمات الإعلامية دون توقف، فتطورت لتكون البلاد أحد رواد الصحافة والبث الإذاعي والتلفزيوني الخليجي والعربي.
وتركيزاً على الصحافة المطبوعة، نتذكر صحف القرن الماضي بدءاً من الخمسينات منها مجلة «صوت البحرين» (1950 - 1954) الأدبية الشهرية التي اهتمت بالقضايا المحلية والعربية، وجريدة «الخميلة» (1952 - 1954) الثقافية التي كان رئيس تحريرها ومؤسسها العراقي كارنيك جور ميناسيان، الذي حرص على الابتعاد عن السياسة والتوجه القومي في المنطقة في حينها، وجريدة «القافلة» (1952 - 1954) التي أسسها مجموعة من المثقفين البحرينيين، وجريدة «الوطن» (1955 - 1956) التي أوقفت عن الصدور لعدم التزامها بالتعليمات والقوانين، و«الميزان» (1955 - 1956) التي حملت نزعات قومية وعانت من الرقابة، وجريدة «الخليج العربي» (1956 - 1961) التي صدرت عن شركة الخليج المحدودة، إحدى فروع شركة «التايمز» للطباعة والنشر المحدودة بالعراق، وتوقفت لعدم الربحية، ومطبوعات كثيرة غيرها.
عقد الستينات كان شاهداً على ولادة مطبوعات أخرى، منها جريدة «الأضواء» التي انطلقت عام 1965 حتى عام 1993 وكانت أول صحيفة سياسية تصدر في البحرين بعد توقف الصحف المحلية عام 1956. وكانت مقالات رئيس تحريرها محمود المردي تمتاز بصراحتها وسخونتها. كما اشتهرت مجلة «صدى الأسبوع»، التي صدرت عام 1969 وتوقفت عام 2004. عُنيت المجلة بأحداث الأسبوع، واهتمت بالشؤون المحلية والعربية والدولية في شتى المجالات.
مطبوعات السبعينات اتخذت طابع التخصص، ولمعت الصحافة الرياضية بمجلة «الرياضة» (1974 - 1987) ومجلة «الملاعب» (1978 - 1979). المجلتان قامتا بالاهتمام بالشؤون الرياضية والشبابية وتغطية النشاطات والمسابقات الرياضية المحلية والخارجية لمختلف الألعاب.
دخلت الألوان والورق المشمع والجماليات إلى صناعة المطبوعات في البحرين في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي، كما تطور المحتوى ليصبح أكثر وقتية وشمولية. وكان عام 1989 شاهداً على ولادة جريدة «الأيام» العريقة. وهي مطبوعة يومية سياسة جامعة ترأس تحريرها نبيل يعقوب الحمر ويرأس تحريرها حالياً عيسى الشايجي.
وساهم التطور الإعلامي في تلك الفترة بالتأثير المباشر على جميع جوانب الحياة في البلاد. وعن ذلك تقول: «كان لكل ذلك تأثير مباشر على تأسيس الأحزاب والحركات والتنظيمات الفكرية والسياسية في البحرين، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين تماماً كما كان عليه الحال في كبريات العواصم العربية والعالمية، التي اهتمت بالعملية الثقافية والفلسفية في دعم الحراك السياسي». وتضيف: «لربما كان مقاومة الوجود الاستعماري أحد أهم دوافع الشعب البحريني في هذا الحراك المعرفي والإعلامي والسياسي النشيط، أسوة بباقي دول المنطقة في فترة المد التحرري واليساري والقومي، بجانب تطلعات هذا الشعب في بناء دولة حديثة ونهضة حضارية عصرية».

صحف القرن الحادي والعشرين
مع بداية القرن الواحد والعشرين، الذي تزامن مع تولي الملك حمد بن عيسى الخليفة مقاليد الحكم في البحرين، وانطلاق مشروعه الإصلاحي الكبير الذي شمل كل مرافق الدولة والحياة في البلاد، حاز الإعلام نصيباً كبيراً من اهتمامات هذا المشروع.
وعن ذلك، تكشف رجب عن أن «بند إطلاق الحريات العامة، وحرية الفكر والتعبير عن الرأي بشكل خاص، كان من أهم بنود الدستور البحريني الذي تم تعديله في عام 2002، بعد استفتاء شعبي شامل على مشروع الإصلاح، الذي حاز إجماع المستفتين». وتضيف: «كان من نتائجه الجوهرية ظهور المزيد من الصحف والمجلات والأقلام الصحافية الوطنية لتبدأ الانطلاقة الأهم في مسيرة هذا الإعلام، الذي كان يعاني في العقود الأخيرة من القرن العشرين من ضغوط سياسات الحرب الباردة، كما كان شأن الإعلام العربي عموماً».
وخلال العقد الأول من القرن، دب نشاط كبير في الصحافة البحرينية، من حيث أعداد الصحف وأقلام الرأي والخبر، واستمدت الصحافة من هذا النشاط قوتها وسلطتها بما يتناسب مع بناء المرتكزات الضرورية للتحول الديمقراطي الذي هو من صميم المشروع الإصلاحي.
وانطلقت إثر ذلك صحف عدة، منها جريدة «الوسط» اليومية المستقلة (2002) و«العهد» الأسبوعية الاجتماعية (2003 - 2012)، و«الميثاق» اليومية الشاملة (2004 - 2010)، و«الوطن» اليومية التفاعلية (2005)، و«الوقت» اليومية السياسية (2006 - 2010)، و«النبأ» الأسبوعية (2008)، و«البلاد» اليومية الشاملة (2008).

تحديات الحاضر والمستقبل
تواجه الصحافة والمطبوعات الورقية اليوم في جميع أنحاء العالم تحديات في ظل تضاؤل النشر والتطور التكنولوجي. وعندما يأتي الموضوع للصحافة البحرينية، تقول رجب: إن «المشهد الصحافي والإعلامي في البحرين يحتاج اليوم إلى مزيد من التطوير في مستوى البنية التنظيمية والتشريعية وعلاقتها بالتطور التكنولوجي السريع». وتضيف شارحة: إن «قانون الصحافة والطباعة والنشر لسنة 2002، هو، إلى حدّ اليوم، القاعدة التشريعية الأساسية التي تنظم قطاع الصحافة والإعلام في البحرين، إلا أنه أصبح لا يتماشى مع التطورات الحديثة والممارسات الجديدة للصحافة والإعلام التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بانتشار شبكات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي». وتستطرد: «التغيير الجذري لمفهوم الجمهور الذي لم يعد مستهلكاً سلبياً للأخبار والبرامج، بل أصبح مشاركاً وصانعاً ومنتجاً لهذه الأخبار والبرامج ضمن ما توفره له منصات المضامين الرقمية المفتوحة والمجانية من إمكانات نشر وتوزيع غير مسبوقة».
ومن الناحية التشريعية أيضاً، ورغم الجهود المبذولة لإصدار نصوص تشريعية تنظيمية تجاري التطور التكنولوجي السريع، مثل السماح للمؤسسات الصحافية باستخدام الفيديو ضمن ضوابط معيّنة، فإنها تبقى حلولاً ترقيعية لا تعالج المسألة في شكلها الجوهري، بحسب رجب.
من جانب آخر، ربما تبقى مسألة ربط تنظيم مواقع الإنترنت الشخصية واستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي بالتشريعات المنظمة لوسائل الإعلام، أي المؤسسات الإعلامية، أكبر خطأ استراتيجي. فالممارسات الرقمية الفردية تختلف اختلافاً جذرياً عن الممارسات الرقمية المهنية، ولا يجب في أي حال من الأحوال معالجتها أو تنظيمها في نفس مستوى التقييم والمحاسبة.
وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن «هذه الإشكاليات لا تخص البحرين فقط؛ إذ إن أغلب الدول العربية وحتى بعض الدول الأجنبية تعاني من هذه التحديات. وتبين بوضوح أن تنظيم مجال الصحافة والإعلام في ضوء التطورات التكنولوجية المتسارعة، وتداخلها الشديد مع مسائل حرية الرأي والتعبير، أصبح يرهق المشرعين والسياسيين على حدّ سواء».


مقالات ذات صلة

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد حصد «المجلة» جوائز تميز دولية قوة سردها البصري (SRMG)

ترشيح دولي وجوائز تميز تعزز ريادة «المجلة» البصرية

حققت «المجلة» حضوراً عالمياً بارزاً بترشيحها لجوائز «جمعية مصممي المطبوعات» المرموقة، وحصدها 14 جائزة تميز من «جمعية تصميم الأخبار»، تأكيداً لقوة السرد البصري.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.