ارتفاع عدد ضحايا السيول في الأردن إلى 12 والحكومة تتحدث عن «أيام عصيبة»

البحث عن طفلة مفقودة وانقطاع الاتصال بإسرائيليين... والسدود ملأت 26 % من طاقتها التخزينية

فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
TT

ارتفاع عدد ضحايا السيول في الأردن إلى 12 والحكومة تتحدث عن «أيام عصيبة»

فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)

واصلت فرق الإنقاذ الأردنية، أمس السبت، البحث عن ضحايا أو مفقودين محتملين جراء السيول التي نتجت عن أمطار غزيرة هطلت الجمعة في مناطق وسط الأردن وجنوبه، فيما ارتفع عدد الضحايا إلى 12 قتيلاً بعد العثور على جثة طفلة صباح أمس. وأفيد بأن طفلة أردنية واحدة ما زالت مفقودة، فيما وردت معلومات عن انقطاع الاتصال بإسرائيليين اثنين.
وأعلن الديوان الملكي تنكيس علم السارية على المدخل الرئيس للديوان الملكي ابتداء من أمس ولمدة ثلاثة أيام، حداداً على أرواح الضحايا، في وقت تحدث رئيس الوزراء عمر الرزاز عن «أيام عصيبة».
وقال ناطق باسم مديرية الدفاع المدني إن البحث مستمر عن طفلة كانت السيول قد جرفت مركبة عائلتها في منطقة وادي الهيدان بمحافظة مادبا (40 كلم غرب العاصمة عمّان)، مشيراً إلى العثور على جثة طفلة أخرى وإنقاذ شخصين في المنطقة ذاتها (وادي الهيدان). وأوضح أن غرف عمليات الدفاع المدني في مادبا ومعان والبلقاء أُبلغت ظهر الجمعة عن وجود أشخاص دهمتهم المياه في منطقة ضبعة والوالة ومليح ووادي موسى ووادي شعيب والبتراء فتحركت كوادر الدفاع المدني إلى مواقع الحوادث المختلفة، وتبين أنه نتيجة غزارة الأمطار وارتفاع منسوب المياه تشكلت سيول ودهمت مجموعة من المواطنين. وتابع أن كوادر الدفاع المدني باشرت عمليات الإنقاذ من خلال فرق الغطاسين وفريق البحث والإنقاذ الأردني وعدد كبير من الآليات والمعدات المتخصصة بمشاركة الجيش الأردني والأمن العام والدرك، بالإضافة إلى عدد من المروحيات العمودية التابعة لسلاح الجو الملكي.
وأفيد بأن وعورة المنطقة التي هطلت عليها الأمطار الغزيرة أول من أمس وتشكل السيول فيها، وما رافقها من طمي وأتربة وانهيارات، أعاقت عمليات البحث والتمشيط بحثاً عن مفقودين محتملين. لكن الفرق المشاركة في عمليات البحث تمكنت من تأمين الآلاف من المواطنين وساهمت في وصولهم إلى أماكن آمنة، كما أسعفت 12 شخصاً وصفت حالتهم بين المتوسطة والبسيطة، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 12، بينهم غطّاس من فرق الإنقاذ. كذلك هناك طفلة واحدة مفقودة.
وأعلنت القوات المسلحة الأردنية، في بيان أمس، أنها شاركت بجميع إمكاناتها بعمليات البحث والإنقاذ والتفتيش عن المفقودين والناجين من المواطنين في المناطق التي دهمتها السيول. وأشارت إلى أنها وضعت عدداً من مستشفيات الخدمات الطبية الملكية على أهبة الاستعداد لاستقبال أي حالات تحوّل إليها. كما شارك عشرات الجنود والضباط من المنطقة العسكرية الوسطى والجنوبية في عمليات البحث والتفتيش في المناطق المتضررة، وتم إيواء 23 مواطناً في مدرسة الأمير محمد التابعة للثقافة العسكرية في منطقة الجفر، فضلاً عن تأمين 18 عائلة أردنية وسورية مكوّنة من 109 أشخاص في مدرسة الأمير حسن للثقافة العسكرية في منطقة أذرح. وأوضح بيان القوات المسلحة أن فصيلاً تابعاً لسلاح المدفعية الملكي أُرسل من أجل توفير الإنارة لفرق الإنقاذ في منطقة الوالة، إضافة إلى تحريك عدد من طائرات «السوبر بوما» مسندة بفريق إخلاء طبي وعدد من القوارب وناقلات الجنود وآليات هندسية، من أجل المشاركة في عمليات البحث عن مفقودين في مناطق الجفر وضبعة والوالة. كما أرسلت طائرات التصوير الجوي (سيسنا كرفان) التي كانت تزود المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات والأمن الداخلي في القيادة العامة للقوات المسلحة بالصور المباشرة أولا بأول لاتخاذ الإجراءات المناسبة بهدف البحث عن ناجين أو مفقودين في المناطق التي دهمتها السيول. وكان واضحاً وجود صعوبة في عمليات البحث عن هؤلاء نتيجة الانجرافات وتراكم الوحول وارتفاع منسوب المياه.
من جهتها، قالت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام الناطقة باسم الحكومة الأردنية، جمانة غنيمات، إن معلومات إعلامية أفادت صباح أمس بانقطاع تواصل أفراد إسرائيليين مع عائلاتهم بعدما فُقدوا الجمعة في مناطق بجنوب المملكة. وأضافت، في بيان أنه «جرى الاتصال مع مسؤولين في العمليات المشتركة في القوات المسلحة ومع السفير الإسرائيلي في عمّان صباح اليوم (أمس) الذين أفادوا بعدم ورود اتصالات لانقطاع التواصل مع أفراد إسرائيليين وجدوا في جنوب المملكة». وزادت «أن سفارتنا في تل أبيب تواصلت مع وزارة الخارجية الإسرائيلية لغايات التأكد من المعلومة وطلب أسماء الإسرائيليين المفقودين». وأوضحت: «حتى اللحظة، جرى تواصل 4 أفراد إسرائيليين مع أسرهم، فيما لا تزال المعلومة بشأن اثنين آخرين غير مؤكدة»، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الأردنية «بترا».
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن لقطات تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة أظهرت سيولاً قوية طينية جارفة تضرب مناطق مليح والوالة ووادي هيدان في محافظة مادبا. كما أظهرت لقطات أخرى آلاف السياح الأجانب وقد حاصرتهم المياه في منطقة البتراء الأثرية جنوب المملكة. وشاهد مصوّر وكالة الصحافة الفرنسية عشرات من رجال الدفاع المدني تساندهم قوات الدرك وهم يقومون بعمليات البحث بين الطمي والأوحال وغطى ملابسهم الطين، بحثاً عن طفلة كانت مع عائلتها عندما جرفت سيارتهم السيول. وعثرت السلطات على جثة والدها وأختها مساء أمس، ثم عثر على أختها الثانية السبت، فضلا عن فتاتين كانتا في السيارة نفسها، ولم يعرف بعد إذا ما كانتا من العائلة نفسها، بحسب الوكالة الفرنسية.
وكان محافظ مادبا حسن القيام أكد أن «فرق الإنقاذ عثرت على جثة فتاة فقدت مع عائلتها مساء أول من أمس جراء السيول في منطقة الهيدان في مادبا». وأضاف: «تبقى فتاة واحدة تتكثف جهود الإنقاذ للعثور عليها».
ودعا رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز المواطنين إلى الاستعداد للتعامل مع التحديات المناخية. وقال خلال اجتماع للمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات «هذه أيام عصيبة. هناك تغيّر مناخي على مستوى العالم والمنطقة، وعلينا أن نكون جاهزين للتعامل مع هذه التحديات».
إلى ذلك، قال مدير دائرة الأرصاد الجوية حسين المومني إن حالة عدم الاستقرار الجوي خلال اليومين الماضيين جاءت نتيجة تأثر البلاد بمنخفض البحر الأحمر، مشيراً إلى أن هذه الحالة تتكرر في الأردن في فصلي الخريف والربيع، مضيفاً أن غزارة الأمطار نتجت عن ارتفاع درجة الحرارة. وأضاف المومني أن الأردن سيبقى عرضة لحالات عدم الاستقرار الجوي حتى العشرين من الشهر المقبل ودخول فصل الشتاء حيث تبدأ المنخفضات القادمة من أوروبا والشمال والبحر المتوسط التي تتأثر بها بلدان مثل الأردن وفلسطين المحتلة وسوريا ولبنان والعراق وأجزاء من السعودية.
من جانبه، أكد وزير المياه والري الأردني رائد أبو السعود أن «سدود المملكة الرئيسية الـ14 خزّنت خلال الـ48 ساعة الماضية نحو 26 في المائة من طاقتها التخزينية الكاملة والبالغة 336 مليون متر مكعب».
وبين الضحايا الذين سقطوا أول من أمس ستة أشخاص لقوا حتفهم في مادبا (جنوب عمان) وطفلة في معان (212 كلم) وثلاثة في ضبعا جنوب عمان.
وحذرت السلطات الأمنية الأردنيين من استمرار سوء الأحوال الجوية حتى مساء أمس السبت، وأعلنت قطع طريق البحر الميت (غرب) والجفر (جنوب). وقررت وزارة التربية والتعليم تعليق الدراسة في جميع مدارس المملكة السبت، فيما دعت مديرية الأمن العام المواطنين إلى «الابتعاد عن الأماكن المنخفضة ومجاري السيول والانتقال إلى أماكن أكثر أماناً»؛ نظراً للأحوال الجوية السائدة في الأردن.
وشهدت البتراء ووادي موسى في الجنوب ومناطق أخرى أمطاراً غزيرة وسيولاً جارفة أول من أمس. وجاء ذلك بعدما كان 21 شخصاً قد قُتلوا قبل أسبوعين غالبيتهم تلامذة مدرسة كانوا في حافلة جرفتها سيول تسببت بها أمطار غزيرة في منطقة البحر الميت. وبعد أسبوع من الحادث قدم وزير التربية والتعليم الأردني عزمي محافظة، ووزيرة السياحة والآثار لينا عناب، استقالتيهما.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.