ارتفاع عدد ضحايا السيول في الأردن إلى 12 والحكومة تتحدث عن «أيام عصيبة»

البحث عن طفلة مفقودة وانقطاع الاتصال بإسرائيليين... والسدود ملأت 26 % من طاقتها التخزينية

فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
TT

ارتفاع عدد ضحايا السيول في الأردن إلى 12 والحكومة تتحدث عن «أيام عصيبة»

فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)
فرق إنقاذ أردنية خلال البحث عن مفقودين محتملين جراء السيول في منطقة مادبا جنوب عمّان أمس (أ.ب)

واصلت فرق الإنقاذ الأردنية، أمس السبت، البحث عن ضحايا أو مفقودين محتملين جراء السيول التي نتجت عن أمطار غزيرة هطلت الجمعة في مناطق وسط الأردن وجنوبه، فيما ارتفع عدد الضحايا إلى 12 قتيلاً بعد العثور على جثة طفلة صباح أمس. وأفيد بأن طفلة أردنية واحدة ما زالت مفقودة، فيما وردت معلومات عن انقطاع الاتصال بإسرائيليين اثنين.
وأعلن الديوان الملكي تنكيس علم السارية على المدخل الرئيس للديوان الملكي ابتداء من أمس ولمدة ثلاثة أيام، حداداً على أرواح الضحايا، في وقت تحدث رئيس الوزراء عمر الرزاز عن «أيام عصيبة».
وقال ناطق باسم مديرية الدفاع المدني إن البحث مستمر عن طفلة كانت السيول قد جرفت مركبة عائلتها في منطقة وادي الهيدان بمحافظة مادبا (40 كلم غرب العاصمة عمّان)، مشيراً إلى العثور على جثة طفلة أخرى وإنقاذ شخصين في المنطقة ذاتها (وادي الهيدان). وأوضح أن غرف عمليات الدفاع المدني في مادبا ومعان والبلقاء أُبلغت ظهر الجمعة عن وجود أشخاص دهمتهم المياه في منطقة ضبعة والوالة ومليح ووادي موسى ووادي شعيب والبتراء فتحركت كوادر الدفاع المدني إلى مواقع الحوادث المختلفة، وتبين أنه نتيجة غزارة الأمطار وارتفاع منسوب المياه تشكلت سيول ودهمت مجموعة من المواطنين. وتابع أن كوادر الدفاع المدني باشرت عمليات الإنقاذ من خلال فرق الغطاسين وفريق البحث والإنقاذ الأردني وعدد كبير من الآليات والمعدات المتخصصة بمشاركة الجيش الأردني والأمن العام والدرك، بالإضافة إلى عدد من المروحيات العمودية التابعة لسلاح الجو الملكي.
وأفيد بأن وعورة المنطقة التي هطلت عليها الأمطار الغزيرة أول من أمس وتشكل السيول فيها، وما رافقها من طمي وأتربة وانهيارات، أعاقت عمليات البحث والتمشيط بحثاً عن مفقودين محتملين. لكن الفرق المشاركة في عمليات البحث تمكنت من تأمين الآلاف من المواطنين وساهمت في وصولهم إلى أماكن آمنة، كما أسعفت 12 شخصاً وصفت حالتهم بين المتوسطة والبسيطة، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 12، بينهم غطّاس من فرق الإنقاذ. كذلك هناك طفلة واحدة مفقودة.
وأعلنت القوات المسلحة الأردنية، في بيان أمس، أنها شاركت بجميع إمكاناتها بعمليات البحث والإنقاذ والتفتيش عن المفقودين والناجين من المواطنين في المناطق التي دهمتها السيول. وأشارت إلى أنها وضعت عدداً من مستشفيات الخدمات الطبية الملكية على أهبة الاستعداد لاستقبال أي حالات تحوّل إليها. كما شارك عشرات الجنود والضباط من المنطقة العسكرية الوسطى والجنوبية في عمليات البحث والتفتيش في المناطق المتضررة، وتم إيواء 23 مواطناً في مدرسة الأمير محمد التابعة للثقافة العسكرية في منطقة الجفر، فضلاً عن تأمين 18 عائلة أردنية وسورية مكوّنة من 109 أشخاص في مدرسة الأمير حسن للثقافة العسكرية في منطقة أذرح. وأوضح بيان القوات المسلحة أن فصيلاً تابعاً لسلاح المدفعية الملكي أُرسل من أجل توفير الإنارة لفرق الإنقاذ في منطقة الوالة، إضافة إلى تحريك عدد من طائرات «السوبر بوما» مسندة بفريق إخلاء طبي وعدد من القوارب وناقلات الجنود وآليات هندسية، من أجل المشاركة في عمليات البحث عن مفقودين في مناطق الجفر وضبعة والوالة. كما أرسلت طائرات التصوير الجوي (سيسنا كرفان) التي كانت تزود المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات والأمن الداخلي في القيادة العامة للقوات المسلحة بالصور المباشرة أولا بأول لاتخاذ الإجراءات المناسبة بهدف البحث عن ناجين أو مفقودين في المناطق التي دهمتها السيول. وكان واضحاً وجود صعوبة في عمليات البحث عن هؤلاء نتيجة الانجرافات وتراكم الوحول وارتفاع منسوب المياه.
من جهتها، قالت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام الناطقة باسم الحكومة الأردنية، جمانة غنيمات، إن معلومات إعلامية أفادت صباح أمس بانقطاع تواصل أفراد إسرائيليين مع عائلاتهم بعدما فُقدوا الجمعة في مناطق بجنوب المملكة. وأضافت، في بيان أنه «جرى الاتصال مع مسؤولين في العمليات المشتركة في القوات المسلحة ومع السفير الإسرائيلي في عمّان صباح اليوم (أمس) الذين أفادوا بعدم ورود اتصالات لانقطاع التواصل مع أفراد إسرائيليين وجدوا في جنوب المملكة». وزادت «أن سفارتنا في تل أبيب تواصلت مع وزارة الخارجية الإسرائيلية لغايات التأكد من المعلومة وطلب أسماء الإسرائيليين المفقودين». وأوضحت: «حتى اللحظة، جرى تواصل 4 أفراد إسرائيليين مع أسرهم، فيما لا تزال المعلومة بشأن اثنين آخرين غير مؤكدة»، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الأردنية «بترا».
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن لقطات تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة أظهرت سيولاً قوية طينية جارفة تضرب مناطق مليح والوالة ووادي هيدان في محافظة مادبا. كما أظهرت لقطات أخرى آلاف السياح الأجانب وقد حاصرتهم المياه في منطقة البتراء الأثرية جنوب المملكة. وشاهد مصوّر وكالة الصحافة الفرنسية عشرات من رجال الدفاع المدني تساندهم قوات الدرك وهم يقومون بعمليات البحث بين الطمي والأوحال وغطى ملابسهم الطين، بحثاً عن طفلة كانت مع عائلتها عندما جرفت سيارتهم السيول. وعثرت السلطات على جثة والدها وأختها مساء أمس، ثم عثر على أختها الثانية السبت، فضلا عن فتاتين كانتا في السيارة نفسها، ولم يعرف بعد إذا ما كانتا من العائلة نفسها، بحسب الوكالة الفرنسية.
وكان محافظ مادبا حسن القيام أكد أن «فرق الإنقاذ عثرت على جثة فتاة فقدت مع عائلتها مساء أول من أمس جراء السيول في منطقة الهيدان في مادبا». وأضاف: «تبقى فتاة واحدة تتكثف جهود الإنقاذ للعثور عليها».
ودعا رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز المواطنين إلى الاستعداد للتعامل مع التحديات المناخية. وقال خلال اجتماع للمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات «هذه أيام عصيبة. هناك تغيّر مناخي على مستوى العالم والمنطقة، وعلينا أن نكون جاهزين للتعامل مع هذه التحديات».
إلى ذلك، قال مدير دائرة الأرصاد الجوية حسين المومني إن حالة عدم الاستقرار الجوي خلال اليومين الماضيين جاءت نتيجة تأثر البلاد بمنخفض البحر الأحمر، مشيراً إلى أن هذه الحالة تتكرر في الأردن في فصلي الخريف والربيع، مضيفاً أن غزارة الأمطار نتجت عن ارتفاع درجة الحرارة. وأضاف المومني أن الأردن سيبقى عرضة لحالات عدم الاستقرار الجوي حتى العشرين من الشهر المقبل ودخول فصل الشتاء حيث تبدأ المنخفضات القادمة من أوروبا والشمال والبحر المتوسط التي تتأثر بها بلدان مثل الأردن وفلسطين المحتلة وسوريا ولبنان والعراق وأجزاء من السعودية.
من جانبه، أكد وزير المياه والري الأردني رائد أبو السعود أن «سدود المملكة الرئيسية الـ14 خزّنت خلال الـ48 ساعة الماضية نحو 26 في المائة من طاقتها التخزينية الكاملة والبالغة 336 مليون متر مكعب».
وبين الضحايا الذين سقطوا أول من أمس ستة أشخاص لقوا حتفهم في مادبا (جنوب عمان) وطفلة في معان (212 كلم) وثلاثة في ضبعا جنوب عمان.
وحذرت السلطات الأمنية الأردنيين من استمرار سوء الأحوال الجوية حتى مساء أمس السبت، وأعلنت قطع طريق البحر الميت (غرب) والجفر (جنوب). وقررت وزارة التربية والتعليم تعليق الدراسة في جميع مدارس المملكة السبت، فيما دعت مديرية الأمن العام المواطنين إلى «الابتعاد عن الأماكن المنخفضة ومجاري السيول والانتقال إلى أماكن أكثر أماناً»؛ نظراً للأحوال الجوية السائدة في الأردن.
وشهدت البتراء ووادي موسى في الجنوب ومناطق أخرى أمطاراً غزيرة وسيولاً جارفة أول من أمس. وجاء ذلك بعدما كان 21 شخصاً قد قُتلوا قبل أسبوعين غالبيتهم تلامذة مدرسة كانوا في حافلة جرفتها سيول تسببت بها أمطار غزيرة في منطقة البحر الميت. وبعد أسبوع من الحادث قدم وزير التربية والتعليم الأردني عزمي محافظة، ووزيرة السياحة والآثار لينا عناب، استقالتيهما.



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.