مئوية الحرب العالمية الأولى تحوّل باريس إلى «عاصمة العالم»

حضور دولي كثيف وعربي ضعيف وطموحات لتحويل «منتدى السلام» إلى حدث سنوي

الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
TT

مئوية الحرب العالمية الأولى تحوّل باريس إلى «عاصمة العالم»

الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)

قبل مائة عام وفي الساعة الخامسة من صباح الحادي عشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت الهدنة التي وضعت حداً لفظاعات الحرب العالمية الأولى في عربة قطار تابعة لرئاسة الأركان الفرنسية، في غابة كومبياني (شمال باريس)، في المحلة المعروفة باسم «ريتوند». وسُميت هذه الحرب «عالمية» بسبب اتساع المناطق التي شهدت المعارك والموزعة على العديد من الجبهات والقارات، وبسبب العدد الكبير من الدول التي شاركت فيها. فما بين 1914 تاريخ انطلاق هذه الحرب، و1918 تاريخ انتهائها، شاركت فيها جيوش من نحو عشرين بلداً، وعُبئ من أجلها ما لا يقل عن 66 مليون رجل موزعين بين تحالف إمبراطوريات وسط أوروبا (الألمانية والنمساوية والمجرية والتركية والبلغارية، إضافة إلى دول أخرى)، والتحالف الثلاثي (فرنسا وبريطانيا وروسيا) الذي انضمت إليه الولايات المتحدة في العام 1917 وقبلها إيطاليا والبرتغال وصربيا... أما عدد الضحايا من العسكريين والمدنيين فكان الأكبر في التاريخ، إذ بلغ 38 مليون شخص موزعين بين قتلى وجرحى ومفقودين. كما أنها كانت المرة الأولى التي ظهر فيها السلاح الكيماوي واستُخدمت الطائرات الحربية والدبابات بحيث إنها كانت أولى «الحروب الحديثة».
كان من نتائج تلك الحرب التي انتهت ذاك الصباح البارد بتوقيع الهدنة بين وفدين عسكريين فرنسي وألماني، انهيار ثلاث إمبراطوريات، وإعادة رسم الحدود في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وتفتيت الخلافة العثمانية/ وظهور «عصبة الأمم»، وانفلاش الحضور الأميركي عبر العالم، وقيام أول نظام شيوعي في روسيا، وولادة دول وضمور أخرى، وزرع البذور التي مهّدت الطريق للحرب العالمية الثانية.
من هنا، أرادت باريس أن تكون الاحتفالية بالذكرى المئوية الأولى لتوقيع الهدنة حدثاً عالمياً ضخماً يَظهر من خلال الحضور الدولي الكثيف الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية طيلة ثلاثة أيام (الأحد والاثنين والثلاثاء)، والمتمثل في وجود 98 وفداً من أنحاء العالم كافة و72 رئيس دولة وحكومة (الولايات المتحدة، وروسيا، والدول الأوروبية، وعدد واسع من الرؤساء الأفارقة وبعض البلدان العربية)، إضافة إلى كبار المسؤولين من المنظمات الدولية والإقليمية. كذلك حرص المنظمون على توفير حضور واسع للمجتمع المدني ممثَّلاً في الجمعيات والشخصيات السياسية والعلمية والثقافية. ولم تكتفِ باريس باحتفالية تجمع القادة وكبار المسؤولين تحت قوس النصر، اليوم (الأحد)، في أعلى جادّة الشانزليزيه في باريس، بل أضافت إليها «منتدى السلام» الذي سيدوم ثلاثة أيام، ويتمحور حول خمسة موضوعات رئيسية عنوانها الجامع «السلام وكيفية المحافظة عليه». ويترجَم ذلك في إطار ورش عمل يشارك فيها كبار القادة، ويُنتظر منها أن تقدم رؤية وحلولاً من أجل إدارة عالم استخلص العبر من مآسي الماضي متعدد الأقطاب.
خلال الأيام الثلاثة، ستتحول باريس إلى «عاصمة العالم»، ولكن أيضاً إلى قلعة حصينة، بسبب الإجراءات التي أقرّتها وزارة الداخلية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. وعبّر وزير الداخلية الجديد كريستوف كاستانير، عن «ثقته» بأن الأمور ستجري على ما يرام، لكنه في المقابل دعا إلى «الحذر الشديد» بسبب «التهديد الإرهابي» أكان التقليدي (أي المقصود به الإسلاموي) أو المتمثل في مجموعات يمينية متطرفة أُلقي القبض على ستة أفراد من بينها يوم الثلاثاء الماضي، وكانت تخطط لارتكاب اعتداء ضد الرئيس ماكرون يوم الأربعاء بطعنه خلال وجوده في مدينة شارلفيل ميزيير، في إطار «طريق الذاكرة» الذي شمل العديد من المدن والموقف في شرق وشمال فرنسا، حيث دارت كبريات المعارك الطاحنة. ولضمان الأمن، فإن مديرية الشرطة في العاصمة عبّأت ما لا يقل عن 10 آلاف رجل شرطة وأمن لحماية المراكز الحساسة مثل: قصر الإليزيه، ومحيط قوس النصر، وجادّة الشانزليزيه، ومقرات المنتدى في مجمع «لا فيليت» الواقع في الأحياء الشمالية من باريس، والطرقات الموصّلة من المطارات إلى وسط العاصمة. وفي باريس ستُغلق اليوم محطات المترو والطرقات القريبة من القصر الرئاسي وتلك المفضية إلى قوس النصر ومجمع «لا فيليت». ونُشرت على طول جادّة الشانزليزيه التي سيسلكها موكب الرؤساء انطلاقاً من القصر الرئاسي الحواجز المعدنية، وسيُمنع السير فيها، في ما وُضع أفراد من الأمن على سطوح المنازل المطلة على الجادة المذكورة، وهو تدبير تلجأ إليه السلطات الأمنية في المناسبات الكبرى. وما يدفع السلطات الأمنية إلى توخي أقصى درجات الحذر وجود قادة كبار الدول في وقت واحد ومكان واحد وفي مقدمتهم الرئيسان الأميركي والروسي والمستشارة الألمانية والأمين العام للأمم المتحدة وغالبية رؤساء الدول والحكومات الأوروبية وكبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي والرئيس التركي.
كذلك حرصت باريس على دعوة عدد كبير من القادة الأفارقة الذين كانت بلادهم تحت الاستعمار الفرنسي أو البريطاني وجُنِّد مواطنوهم وأُرسلوا إلى الجبهات الأمامية وسقط منهم عشرات الآلاف قتلى. وتمثل الحضور العربي في ملك المغرب، والرئيسين التونسي والموريتاني، ورئيسَي الوزراء الجزائري والفلسطيني، بينما غاب اسم رئيس الوزراء اللبناني عن اللائحة الرسمية التي وزّعها قصر الإليزيه أمس. وحضر أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي. في المقابل، فإن الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الهندي سيغيبان عن احتفالات الأحد في محيط قوس النصر. وفضلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي كان لجيوش بلادها دور كبير في الانتصار النهائي على ألمانيا ودول المحور الاحتفال بالمئوية في بريطانيا نفسها. إلا أنها كانت إلى جانب الرئيس ماكرون بعد ظهر الجمعة لزيارة موقع معركة «لا سوم» التي شاركت فيها القوات البريطانية وخسرت فيها عدة آلاف من عناصرها.
ولن تكتفي فرنسا بالمراسم التقليدية بل تريد أيضاً مواكبتها بدعوات تبرز معالم الضيافة الفرنسية. ومساء أمس، تحولت القاعة الرئيسية في متحف «أورسيه» المطل على نهر السين إلى قاعة طعام استضافت رؤساء الدول والحكومات والبعثات. وظهر اليوم، تنتقل الشخصيات إلى قصر الإليزيه من أجل غداء رسمي، فيما زوجات وأزواج القادة مدعوون إلى غداء في قصر فرساي التاريخي الشهير الذي سيغلق أمام الجمهور وبعدها ستقدم لهم الفرقة السيمفونية للعاصمة النمساوية حفلاً موسيقياً، بينما وزراء الخارجية سيُدعون، من جانبهم، إلى قصر الوزارة.
أرادت باريس أن يكون الاحتفال تحت قوس النصر «قمة» المئوية، إلا أنها في الوقت عينه تمسكت بأن يكتمل بـ«منتدى السلام» الذي ترى فيه «مناسبة للبحث في كيفية إعادة تنظيم شؤون العالم، وتأكيد مسؤوليتنا الجماعية (في المحافظة على السلام). نحن الذي عرفنا أكثر من أسلافنا إلى أين انساقت الإنسانية في الماضي من مآسٍ وما يمكن أن يدفع بها إلى خسارتها في المستقبل». وحسب باريس، فإن «منتدى السلام» الذي هو بمعنىً ما «ردٌّ على تصاعد التوترات والحروب في العام»، هدفه الأول «الدفع باتجاه تعاون أفضل من أجل مواجهة التحديات الكبرى في عالم اليوم والوصول إلى عولمة أكثر عدلاً، وإلى نظام متعدد الأطراف أكثر فعالية في إدارة شؤون العالم». وبجملة واحدة، فإن منظمي المنتدى الأول الذي سيتحول إلى سنوي يريدون أن يكون لبنة على درب العمل من أجل السلام العالمي عبر توفير حوكمة عالمية رشيدة وتفعيل دور المنظمات الدولية والمجتمعات المدنية ومشاركة جميع اللاعبين الذين يتمتعون بقدرة على التأثير. ولا تقتصر اهتمامات المنتدى على الأزمات السياسية الكامنة أو المشتعلة بل تتناول أيضاً الإدارة الجماعية لما يشكل ثروات الإنسانية، كالبيئة، أو إصلاح قواعد التبادل والتجارة، والوصول إلى عالم أكثر عدلاً، ووضع قواعد مقبولة للعالم الافتراضي والرقمي. من هنا، فإن الهيئة الناظمة للمنتدى عمدت إلى توجيه دعوات إلى الجمعيات والشركات ومراكز البحث وممثلي الديانات والنقابات والإعلام. والأهم من ذلك، فإنها طلبت من الجميع التقدم بمقترحات مشاريع من شأنها المساهمة في تحقيق أهداف المنتدى. وفي نهاية المطاف، فإن أيام المنتدى الثلاثة ستشهد تقديم 119 مشروعاً تم اختيارها من بين 900 مشروع، وسيتم عرضها ومناقشتها من أجل إيجاد الرابط بين من يطرحها وبين الجهات التي تمتلك القرار.
في الأيام الثلاثة للمنتدى، ستدور المناقشات حول خمسة محاور رئيسية: الأمن والسلم، والبيئة، والتنمية، والتكنولوجيات الجديدة والرقمية، والاقتصاد الشامل. وبصدد المحور الأول، يرى المنظمون أن هناك حاجة إلى ردة فعل ملحّة إزاء الأزمة التي يعيشها النظام الدولي، ومن علاماتها: تراجع التعاون الدولي، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، وصعود الاتجاهات الشعبوية، وتراجع الفضاءات الديمقراطية، واستفحال غياب المساواة، وانتهاك حقوق الإنسان، وارتفاع الميزانيات الدفاعية، وتراجع المنظمات متعددة الأطراف، وغياب القواعد الناظمة للتكنولوجيات الجديدة، وفوق ذلك كله تراجع التعبئة العالمية لمحاربة التصحر والحفاظ على البيئة... لذا، فإن «منتدى باريس وُجد من أجل رص صفوف الدول والمجتمعات التي ما زالت تؤمن بالعمل الجماعي، والتعددية القطبية، وإيجاد القواعد العادلة لإدارة ثروات البشرية والخير العام، لأن في ذلك حظنا الوحيد لمواجهة التحديدات والحفاظ على السلم العالمي».
أشهر الغائبين عن المنتدى سيكون الرئيس ترمب، ربما لأن السياسة التي يتبعها منذ أن وصل إلى البيت الأبيض تتعارض تماماً مع هذه الطروحات والأهداف النبيلة. لكن المعضلة تكمن في أنها لا تحمل جديداً لأنها مبادئ المنظمات الدولية كافة وعلى رأسها الأمم المتحدة. والسؤال هو: هل سيكون للقادة والمسؤولين الذين سيجتمعون في باريس القدرة والرغبة على ترجمتها إلى أفعال أم أن أدبيات المنتدى ستبقى أدبيات صالحة فقط للوقت الذي سيستغرقه المنتدى وبعدها تعود الأمور إلى ما كانت عليه؟


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)
يوميات الشرق «رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

«رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

عثر صبيان في العاشرة من عمرهما على كنز عاطفي نادر: رسالة حب مكتوبة بخط اليد، محفوظة داخل زجاجة، يعود تاريخها إلى عام 1959.

«الشرق الأوسط» (غدانسك )

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.