أمير الشعراء على تخوم الحاضر... مدافعاً عن التعايش وآفاق جمالية أخرى

احتفال باهت بمرور 150 عاماً على ميلاد أحمد شوقي

أحمد شوقي
أحمد شوقي
TT

أمير الشعراء على تخوم الحاضر... مدافعاً عن التعايش وآفاق جمالية أخرى

أحمد شوقي
أحمد شوقي

ما الذي يتبقى من أمير الشعراء أحمد شوقي، بعد مرور قرن ونصف القرن على ميلاده؟ وهل يخلد الشعر بامتداده الحي في جسد الزمان والمكان، أم في كونه أيقونة جميلة قابعة فوق رفّ التراث؟
هذه الأسئلة والهواجس تطل برأسها حين تتأمل مظاهرة الحب «الفاترة» وجمهورها القليل، في مسرح مركز الإبداع بساحة الأوبرا المصرية، احتفالاً بهذه المناسبة الأسبوع الماضي. ورغم البون الشاسع والمتغيرات التي طرأت في العالم وفي مصر طيلة هذه السنين، فإن كُتابًا ونقادًا وشعراء مصريين وعربًا حاولوا أن يقذفوا بأمير الشعراء إلى تخوم اللحظة الحاضرة، مشيرين إلى أنه كان من أوائل من حذروا من الإرهاب وطالب بمحاربته، قبل محاربة الإرهابيين.
هكذا استهل الشاعر السماح عبد الله الأنور كلمته بالاحتفالية، لافتاً إلى قيمة التعايش والتجاور بين المصريين، التي أكد عليها شوقي في قصيدته التي كتبها في رثاء بطرس غالي رئيس الوزراء المصري «القبطي» الذي اغتيل عام 1910، بسبب ترأسه المحاكمة المشينة لعدد من أهالي قرية دنشواي، عقب مقتل ضابط إنجليزي بضربة شمس، أثناء رحلة صيد للحمام من أبراج القرية.
لم يذكر سماح ذلك، بل وصف بطرس غالي بأنه كان حكيمًا ونبيلاً، مشيرا إلى أن «شعر شوقي يؤكد مسيرته العريضة الثرية في الإبداع العربي، وأن الدهر كله أصبح عمرًا لقريضه، فلا يوجد شاعر في العصر الحديث بلغ المكانة التي وصل إليها، ولا شاعر تم الاتفاق على شاعريته، كما اتفق على إبداعاته كل متلقي الشعر وعارفيه».
ودلل السماح على رأيه قائلاً: «لو سألت ناقدًا أو باحثًا عن أهم حلقات تطوّر القصيدة العربية، فإنهم جميعًا سوف يتفقون على شوقي باعتباره يمثل حلقة بمفرده في زمانه، لم يجاوره أحد أو يطاوله أحد من الشعراء».
وحول شوقي ودوره في النهضة الشعرية العربية، قال الشاعر العراقي أمجد محمد سعيد: إن شوقي قمة ثقافية كبيرة، وواحد من رموز النهضة الشعرية العربية، وقد بقي من إبداعاته الكثير مما يطالعه النقاد، ويبحثه الدارسون في كليات اللغة العربية في العالم العربي، وقد عَبَر بالشعر من حالٍ إلى حال نحو الجيل الذي أتى بعده، لذا لا يمكن أن نتعامل مع مثل هذه القضايا بهذا الشكل التبسيطي والمجحف، لأن التاريخ الأدبي متواصل، حقبة تكمل حقبة، وأحمد شوقي في وقته وزمانه كان فريد عصره، جدد في جوانب الشعر وأصوله، وكتب المسرح، واهتم بالإبداع المخصص للأطفال.
ولفت سعيد إلى كتابات شوقي عن الحضارة الفرعونية، كما أنه لم يغفل الشعر الديني، مؤكداً أنه «واحد من الشعراء الذين أثّروا في عصرهم وما زالوا يُؤثرون في الدرس الأكاديمي الأدبي، وهناك كثير من الأدباء يقرأون له، وهو واحد من المبدعين الذين نعتبرهم في ذمة التاريخ، وهو الذي يحقق له دائمًا مكانته، ودوره، وكوننا نحتفل به الآن فهذا معناه أن شعره ما زال قادرًا على التأثير في الوجدان والنفوس التي تطلع عليه، وتستمع إليه وتتدارسه».

الانفتاح على الثقافة

وحول قيمة شوقي في ذاكرة الشعر والوجدان العام، قال الناقد الدكتور أحمد درويش، إن شوقي أعظم شعراء العربية في القرن العشرين دون جدال، وينضم للعظماء أمثال المتنبي وأبي تمام وأبي العلاء، الذين شكلوا أسماء الصدر الأول، فكانت في عبقريته وقوته وتنوعه وإلمامه بأسرار العربية معجزة عظيمة يصعب تكرارها. وقد أدرك في وقت مبكر أن موهبته وحدها ليست كافية، فنهل من الثقافة بكل معانيها العميقة، وكانت قراءاته باللغات الأخرى، وبالفرنسية على نحو خاص، قراءات مثقف يريد أن يسيطر على الجو المحيط بالشعر والهواء الذي يتنفسه كاتبه، من هنا كانت معرفته العميقة بالآداب والفنون، والموسيقى والتاريخ، وكل معطياتها في القرن التاسع عشر، باعثة على الإعجاب والإكبار.
وأضاف درويش؛ استطاع شوقي في أواخر القرن التاسع عشر، وهو في منتصف العشرينات من عمره أن يقف أمام مؤتمر المستشرقين في جنيف، ويخاطبهم بشعر عظيم، ما زلنا حتى الآن نتدارس جوانب الإعجاز في قصيدته «كبار الحوادث في وادي النيل»، وقد أدرك أن من جوانب الشعرية الحق ألا يكتفي الشاعر بضرورات مكوناته ولكن بكيفية الاستجابة لحاجات المتلقي، وقد عرف بحسه المدهش أننا في العصور السابقة أخطأنا خطأ كبيرًا عندما ظل الشعراء يكتبون لأنفسهم، وأقرانهم وكبار العلماء، وشيوخ الأزهر، ومن شابههم، واكتشف أن الأمم الأخرى عرفت أنواعًا من المتلقين غفلنا عنهم، وتجاهلها المبدعون، وهم الأطفال والنساء، وكان ذلك من جراء دراسته لشعر الأمم الأخرى، وخصوصًا لافونتين، وأدرك أننا نحرم أطفالنا من عطاء عظيم حين لا نكتب القصائد الملائمة لهم، وراح يبدع لهم، ويجمع أطفال الأسرة حوله، ويتلوها عليهم، لكي يرى إيقاع الكلام عليهم، وكان إذا استحسنوه نسج على منواله، وقد فتح بذلك بابًا عظيما لمخاطبة شريحة لم تكن في حسبان الشعراء من قبل، وقدم إبداعًا ما زال مستمرًا في حياتنا حتى اليوم، لكننا لم نستثمره على النحو الملائم، وقد كان كفيلاً أن يربي النشء في مدارسنا في الوطن العربي كله على لغة سهلة بسيطة، وأن يعلم الناس غير المتخصصين العربية السليمة، لكننا حذفنا معظم ما كتبه من مقررات مدارسنا، واستبدلناه بشعر مفتشين يبحثون عن مكافآت ففسدت الأذواق.

دلالات «عذراء الهند»

ولم يتوقف اهتمام شوقي بالأطفال فقط، بل تجاوزهم، بحسب درويش، إلى النساء، وقد عرف أنهن ككائنات مثقفة يحتجن إلى من يخاطبهن بالأدب، فقرر أن يسوق إليهن فرعًا من فروع المعرفة مشكلاً في القصص، بعدما لاحظ أن الصحافة الأدبية في أوروبا تطورت بمساندة النساء، ومتابعتهن للقصص المسلسلة، من هنا بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر في كتابة الروايات النثرية، وكانت أولها «عذراء الهند» عام 1898، وابتكر ما ظنه بداية لفن الرواية العربية، ودافع باستماتة عن حق الشاعر في كتابة الرواية، وأعطى مثالاً لشاعرين فرنسيين عظيمين هما فيكتور هيغو، وألفريد دي موسيه، اشتهرا بإبداعها، رغم كونهما يحتلان مكانة كبيرة في الشعر، من هنا اهتم شوقي بالكتابة القصصية، وقدم 5 روايات، استمد معظمها من التراث الفرعوني، لكن للأسف أهملها الدارسون ولم يلتفتوا لها، رغم أنه سبق بها حسين هيكل وروايته «زينب».
وأضاف درويش أن شوقي فتح بابًا جديدًا أمام الإبداع العربي عندما كتب المسرحية، والقصيدة الغنائية التي لحن بعضها محمد عبد الوهاب، فارتقى بالأغنية والذوق العام، ولم يرد على هجوم العقاد وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، واكتفى فقط بأن قال لمحمد حسين هيكل باشا، بحسب ما نقله عنه: «ماذا يريد صاحبك بهجومه عليَّ؟ (وكان يقصد طه حسين) أيريدُ أن يهدمني؟ قل له إنني مجد تكوَّن، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك».

الاهتمام بالأطفال

وحول تراث شوقي في مجال الكتابة للأطفال، قال الشاعر أحمد سويلم، إن شوقي إلى جانب عبقريته الشعرية، كان لديه إحساس كبير وقلب طيب، وكان عطوفا بشكل تلقائي وقد كشف هذا عن معرفته بسيكولوجية الصغار، وبراءة دهشتهم، وعناصر ثقافتهم، وإطار خيالهم، واللغة المناسبة لكل مرحلة عمرية، وقد بدأ تجربة الكتابة للأطفال في عامي 1892، 1893 في فرنسا، وكان كلما انتهى من وضع قصيدتين أو ثلاث يجتمع بأطفال المصريين هناك، ويقرأ عليهم ما كتبه، ويتلقى آراءهم، وقد وجدهم يفهمون ما يكتب ويأنسون له ويضحكون، وحفزه ذلك لمواصلة التجربة، ولم يكتف بكتابة الشعر «على لسان الحيوان»، لكنه كتب أيضًا الأناشيد الوطنية والاجتماعية للأطفال، وهو يدرك جيدًا أنهم مستقبل الأمة وعناصر نهضتها في قابل الأيام. وقارن الشاعر حسن طلب بين إبداعات محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، مشيرًا إلى أن الأخير كان متأملاً، وقد أتاح له ذلك قراءته وثقافته، أما البارودي فقد كان رجلاً عسكريًا يكتب الشعر بيد، وفي الأخرى يحمل سيفه متأهبًا في ميدان القتال.



أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
TT

أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

ونعت عائلته الفنان الذي توفي بسلام إثر مضاعفات إصابته بالتهاب رئوي حاد.

وجاء في البيان، الذي أصدرته ابنتاه، الممثلتان إميلي وديزي هيد: «إن حزننا يفوق كثيراً الفراغ الذي تركه خلفه، لكننا نعلم أن إرثه سيظل حياً في الأعمال التي شارك فيها، وفي قلوب الجماهير التي أحبته».

من إعلانات القهوة إلى هوليوود

تميز هيد بأسلوبه اللندني الأنيق، وصوته الباريتوني الرخيم. وبدأت رحلته الشائقة نحو النجومية من عاصمة الضباب، إذ حقق شهرة واسعة في بريطانيا خلال ثمانينات القرن الماضي عبر سلسلة إعلانات تلفزيونية شهيرة لقهوة «نسكافيه غولد بليند»، التي صيغت كقصة رومانسية متسلسلة خطفت أنظار الملايين.

ولم تلبث هذه الجاذبية التلفزيونية المبكرة أن فتحت له أبواب الدراما العالمية، حيث انتقل إلى هوليوود ليصنع حقبة ذهبية امتدت لسنوات.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

الروائي والموجّه الروحي في «بافي»

في أواخر التسعينات، رسّخ هيد مكانته كأحد الوجوه الثابتة في الذاكرة الشعبية الغربية من خلال تجسيده شخصية «روبرت جايلز» في المسلسل الأميركي الشهير «بافي قاتلة مصاصي الدماء» (Buffy the Vampire Slayer).

وقدّم في هذا العمل شخصية أمين المكتبة والموجّه الروحي ذي الطابع البريطاني الرصين والمحبب، وهو الدور الذي منحه قاعدة جماهيرية عريضة عابرة للقارات.

مرونة الأداء بين الملحمة والكوميديا المعاصرة

ولم تتوقف ديناميكية هيد الفنية مع تقدم العمر، بل نجح في تجديد جلده الفني مبرهناً على قدرة استثنائية في الانتقال بسلاسة بين الأعمال التلفزيونية المعاصرة والدراما الفانتازية الملحمية. ففي مسلسل «ميرلين»، أطل النجم الراحل على الجمهور العربي والعالمي بعباءة الملك الصارم «أوثر بنميدراغون»، مقدماً أداءً تراجيدياً وازناً لخّص صراع السلطة والمسؤولية.

وفي المقابل، تألق هيد في السنوات الأخيرة بتقديم شخصية «روبرت مانينغيون»، المالك السابق الشرير لنادي «إيه إف سي ريتشموند» في المسلسل الكوميدي الشهير «تيد لاسو». وهو الدور الذي نال عنه إشادات نقدية واسعة، نظراً لقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات ذات البعد السيكولوجي المعقد بلمسة من الخبث الساخر.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

مأساة عائلية تسبق الستار الأخير

ويأتي رحيل أنتوني هيد متأثراً بمرضه ليعمق أحزان عائلته الفنية والمقربين منه، إذ واجه النجم البريطاني شهوراً صعبة ومريرة بعد وفاة شريكته ورفيقة دربه الطويل، الناشطة في مجال الرفق بالحيوان سارة فيشر، التي غيّبها الموت في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025. ومع إسدال الستار على مسيرته الحافلة، تودع الدراما البريطانية برحيله فصلاً غنياً من فصول المسرح والتلفزيون، فصلٌ ميزه فنانٌ قدير عاش شغوفاً بمهنته، وظل مخلصاً لأدواته التعبيرية حتى رمقه الأخير.


مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني، بتل كوم عزيزة الأثري بمحافظة البحيرة، وتضمَّن الكشف مجموعةً متنوعةً من أنماط الدفن، شملت حفر دفن بسيطة للموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، بالإضافة إلى عدد من الدفنات داخل توابيت جصية ملونة، وأخرى داخل توابيت فخارية برميلية الشكل، تُعدُّ من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.

و«يعكس هذا الكشف الأثري الجديد الأهمية الكبيرة التي يتمتَّع بها موقع تل كوم عزيزة الأثري بوصفه أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا، والتي لا تقتصر أهميتها على ما تضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، بما يسهم في إثراء المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر العصور»، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار شريف فتحي، في بيان للوزارة، الجمعة.

الموقع تضمَّن أنماطاً مختلفة للدفن (وزارة السياحة والآثار)

في حين أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أنَّ الدراسة الأولية للبقايا الآدمية بالموقع كشفت عن تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل الدفنات الفردية أو الجماعية، حيث اختلفت اتجاهات الدفن، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين الوضع المضموم والمتقاطع فوق منطقة الحوض، أو حول العنق، أو في الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، فضلاً عن الوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين، الأمر الذي يعكس تعدُّد الممارسات الجنائزية وأساليب تجهيز الموتى قبل الدفن.

وأضاف، عبر البيان، أن «دراسة الطبقات الأثرية بالموقع أوضحت أنَّ الجبانة التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني أُقيمت فوق مستويات استيطان أقدم، حيث كشفت اللقى الأثرية عن شواهد تؤكد استيطان الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة، مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر، وصولاً إلى العصرَين اليوناني والروماني».

وإلى جانب الدفنات المتنوعة عثرت البعثة في الموقع على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أوانٍ فخارية وحجرية استُخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى مجموعة من الأفران وأواني التخزين. كما كشفت الحفائر عن كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، بما يلقي الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

عدد من اللقى الأثرية في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

في حين أكد المدير العام لمنطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر الأثرية، خالد عبد الغني فرحات، أنهم عثروا على دفنات كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود «ست» في المعتقدات المصرية القديمة، الأمر الذي قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه.

وأضاف أن «نتائج أعمال الحفائر تؤكد أنَّ موقع تل كوم عزيزة الأثري يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات، إذ شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم، قبل أن يتحوَّل خلال فترات لاحقة إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف. كما تؤكد الأهمية الاستثنائية للموقع، حيث إنَّه ليس فقط جبانة أثرية، بل يُعدُّ سجلاً أثرياً متكاملاً يوثِّق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة».


هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

في موقف عَدَّه البعض جاء متأخراً، ورآه آخرون ليس كافياً، قدَّم رئيس «مهرجان الإسكندرية السينمائي»، الأمير أباظة، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وذلك بعد 3 أيام من قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية بعدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقرراً إقامتها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، عقب اجتماع اللجنة برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة؛ بسبب ما وصفته اللجنة المنوط بها تقييم المهرجانات بـ«تراجع مستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة، وعدم تحقيقه الأهداف الثقافية والفنية التي تأسَّس من أجلها»، وفق بيان لها.

وأعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة الـ42، مؤكداً أنَّه ترك منصبه تغليباً للمصلحة العامة. وقال: «ليس مهماً أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى المهرجان منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية».

وقال أباظة، عبر بيان الاستقالة، إنه «تعرَّض لحملة تشهير وتشويه»، على حد تعبيره. وإنه إذا كانت المشكلة في شخصه فهو يترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار مَن يشاء لقيادة سفينة المهرجان، لافتاً إلى إنجازات حقَّقها المهرجان خلال رئاسته له على مدى 13 دورة.

وفتحت استقالة رئيس المهرجان الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية استئناف نشاط المهرجان وإقامة دورته لهذا العام، مع اختيار رئيس جديد لها بالتوافق مع اللجنة العليا للمهرجانات ووزارة الثقافة.

وترى الناقدة ماجدة خير الله أن «استقالة أباظة لا بد أن تُمهِّد لاستئناف المهرجان نشاطه وعقد دورته المقبلة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ وجود الأمير أباظة كان يمثِّل مشكلةً للبعض، لكن قرار إيقاف المهرجان كان متعجلاً، فلماذا نضحي بمهرجان عريق لمشكلة فردية، ولطالما واجه المهرجان نفسه مشكلات ولم يتوقَّف»، مشدِّدة على أنه «من المهم عقد الدورة المقبلة في موعدها بعد اختيار مجلس الإدارة لرئيس جديد للمهرجان».

وأكدت ماجدة أن «جمعية كتاب ونقاد السينما التي تنظِّم المهرجان تضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة تصلح لرئاسة المهرجان، وهم أقدر على إنقاذ هذه الدورة»، مبدية مخاوفها من أن «وقف المهرجان ولو لدورة واحدة ليس في صالحه، وقد يفقده ثقة صناع الأفلام ويؤثر على سمعته، وقد يغري هذا التوقف جهات بوقفه إلى الأبد، مضحين بالمكانة التي حقَّقها المهرجان على مدى سنوات انعقاده الطويلة»، وفق تعبيرها.

في حين وصفت الناقدة ميرفت عمر، عضوة مجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما والمدير الفني للمهرجان، استقالة أباظة بأنها «جاءت متأخرة، ولو كان طَرَحَها من البداية لكان لها تقدير كبير، ولجَنَّبت المهرجان ما وصل إليه، لكنها الآن ليس لها أي مردود، فهو يعلن استقالته من دورة توقَّفت بقرار وزاري، كمَن يعتذر عن منصب لم يعد فيه».

ليلى علوي خلال تكريمها في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ اللجنة العليا للمهرجانات أصدرت قراراً نهائياً ولا رجعة فيه بالنسبة لعدم عقد دورته الـ42، وأنَّ استقالة رئيس المهرجان الآن لن تغيِّر من الأمر شيئاً»، مؤكدة أنَّها طلبت إعفاءها من منصبها منذ بدء تراجع مستوى المهرجان وعدم الاهتمام بصناع الأفلام، قائلة: «كانت هناك وعود واتفاقات براقة لإنقاذ المهرجان وتجاوز أخطائه، لكنها لا تنفَّذ على أرض الواقع»، ولفتت إلى أنَّها تقدَّمت وزميلها محمد شكر بمذكرات لوزارتَي الثقافة والتضامن؛ لبحث كثير من الأسئلة التي لم يجدا لها إجابات لدى المهرجان تتعلق بدورتيه السابقتين.

ويرى الناقد الفني المصري سمير شحاتة أنَّه «بعد استقالة الأمير أباظة يحتاج المهرجان لهيئة تديره بمعطيات تلائم العصر الحالي وليس بالطريقة التي كانت تدار بها المهرجانات منذ 20 عاماً»، مستبعداً عقد المهرجان هذا العام وفقاً لقرار اللجنة العليا للمهرجانات، لافتاً إلى أنه «من الصعب تقديم دورة ناجحة سوى بتوافق بين الجمعية ووزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصلاح لا بد أن يكون من الداخل، وأن اللجنة العليا للمهرجانات طالبت قبل ذلك بحل مشكلات المهرجان ولم تجد استجابة، بل كانت المشكلات تتفاقم». وأوضح أنه «من ضمن مشكلات المهرجان عدم وجود صف ثانٍ لقياداته، وعدم خروجه للجمهور السكندري».

وكان شحاتة قد اعتذر عن عدم تولي منصب مدير عام المهرجان «بعد أيام من إسناده له، وبعدما تقدَّم بورقة بإصلاحات مطلوبة ولمس صعوبة تحقيقها»، وفق قوله.

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط عام 1979 ولعب على مدى عقود دوراً مهماً في تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط.