هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في ضوء المقاطعة الصريحة للانتخابات المحلية الإسرائيلية

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟
TT

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في الوقت الذي تحولت سوريا الأم مرتعا لحروب النفوذ بين مراكز القوى المحلية والإقليمية والعالمية، وبات يبدو فيه أن المنقضين على ما تبقى من الشام يزيدون على تعداد أهل الشام، ويتوه فيه المشرّدون السوريون ما بين عطشهم للوطن وخوفهم من الوطن، وصار فيه الركام الهائل رمزا لنفسية الإحباط القاتل، انطلقت صرخة شامية أصيلة من تلك المرتفعات الجنوبية الغربية، المعروفة بهضبة الجولان.
سوريون من المهد إلى اللحد، الوالد والولد، الجدة والجد، صغاراً وشباباً ومسنين، نساءً ورجالاً، هبوا جميعاً منتفضين يقولون «لا» كبيرة للاحتلال، الذي قرّر اختبار مدى انتمائهم... فندم على هذا الاختبار.

المحاولة التي أقدم عليها وزير الداخلية الإسرائيلي آريه درعي، لإجراء انتخابات بلدية في أربع قرى في الجولان السوري المحتل، هي مجدل شمس ومسعدة وعين قنيا وبقعاثا، سوية مع الانتخابات البلدية الإسرائيلية، لم تكن بمثابة «هدية ديمقراطية» للسكان يراد بها «منحهم الحق في إدارة شؤونهم لوحدهم»، كما زعم.
وحتى الاعتقاد بأن هذه الانتخابات هي محاولة لتثبيت الاحتلال الإسرائيلي على هذه الأرض، يكون مجرد حساب تقليدي أقرب إلى الشعار. فإسرائيل عملت وتعمل بشكل حثيث طيلة 51 سنة لجعل الجولان «منطقة إسرائيلية»، كما هو حال مساعيها في القدس الشرقية المحتلة.
الحقيقة أن هذه الانتخابات، جاءت لتكون واحدة من عشرات «بالونات الاختبار» التي أطلقتها إسرائيل نحو القصور في دمشق وموسكو وطهران وأنقرة، في السنوات الثلاث الأخيرة، طلبا لحصة لها في الكعكة السورية. إذ ثمة اعتقاد في تل أبيب بأن الحرب السورية قد انتهت وجاء وقت تقاسم الغنائم. وبما أن تركيا تطلب «حصة» لها في الشمال الغربي، وروسيا تفرض وجوداً راسخاً على الأرض السورية، وإيران تغرس مخالبها عميقاً في الجسد السوري، يحق لإسرائيل – حسب منطق قادتها – أن تحظى بهذه «البقعة الصغيرة». فهي لا تساوي أكثر من 1 في المائة (1800 كيلومتر مربع من مجموع 185 ألفا و180 كيلومترا مربعا) من مساحة سوريا الأصلية.

- حلم «الضم» الإسرائيلي
لقد حاولت الحكومة الإسرائيلية الفوز بهذه البقعة طيلة سنوات الاحتلال، لتجعل منها جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية، وفشلت.
استهلت هذه المحاولات بالاستيطان اليهودي فيها. صرفت على ذلك أموالا طائلة تقدر بالمليارات. وفي عام 1981. سنّ في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قانونا يقضي بضم الجولان إلى السيادة الإسرائيلية. وعرضت بيوت السكن بنصف الأسعار الرسمية في إسرائيل. وخفضت الضرائب بنسبة 12 في المائة. وأقامت الحكومة الإسرائيلية المناطق الصناعية والمزارع الحيوانية والمرافق السياحية، بما في ذلك التزلج على الجليد. كذلك أنشأت مدينة «كتسرين» الاستيطانية و32 مستوطنة قروية. وخصّص الجيش الإسرائيلي 60 في المائة من أراضي الجولان قواعد عسكرية توفر الحماية والأمان للسكان. لكن عدد المستوطنين اليهود هناك لم يزد عن 22 ألفاً، ومقابلهم صار عدد العرب في القرى الأربع (مع قرية غجر في رأس منخفض الحولة غرباً) 27 ألفاً.
وفي عام 1992 أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين، استعداده للتنازل عن الجولان مقابل سلام كامل مع سوريا، بشرط أن يتم الانسحاب بالتدريج خلال خمس عشرة سنة. لكن القيادة السورية أضاعت تلك الفرصة، فعاد الإسرائيليون إلى صيغة استئجار الجولان لسنين طويلة (25 سنة قابلة للتجديد 25 سنة أخرى). وتقدّمت المفاوضات خطوات كبيرة بين تل أبيب ودمشق حول هذه الصيغة، خصوصا في فترة حكم إيهود أولمرت، عام 2008. غير أن الإدارة الأميركية أفشلت الاتفاق، يومذاك، بسبب خلافاتها الشديدة مع دمشق.
بعدها تغيرت الظروف. وأحدثت الانتفاضة السورية عام 2011 انعطافاً حاداً في الموقف الإسرائيلي. إذ اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراؤه ومخابراته التفرّج على السوريين، وهم يهشمون بعضهم بعضاً ويستنزفون مقدرات الدولة، والتساؤل علناً «إذا كان النظام السوري يبيد وطنه وبلده وأهله، فهل من المنطق أن تعيد إسرائيل الجولان إليه؟ فلو كانت إسرائيل قد انسحبت من الجولان، لكانت الحرب قد وصلت إلى طبريا وأعالي الجليل، كما كان الوضع عليه قبيل حرب 1967».
وهكذا، راحت إسرائيل تناور ما بين أطراف الصراع، فترضي النظام تارة والمعارضة طوراً. والتقت مع بضعة أوساط معارضة ودخلت في مساومات معها، أسفرت عن الإعلان عن بلورة «تفاهمات» حول استئجار الجولان لفترة طويلة وتحويله إلى «حديقة سلام إقليمية».
وكلما تغوّل السوريون في «حربهم» المدوّلة أكثر، رأت إسرائيل بوضوح أكبر كيف يجري التخطيط لتقسيم سوريا إلى عدة دويلات طائفية، وكيف يطمع جيران سوريا بأجزاء من أراضيها. وبالتالي، بدأت تطالب بالاعتراف الدولي في قرارها ضم الجولان إليها.

- مؤشرات لصفقة إيرانية؟
لقد طرقت حكومة بنيامين نتنياهو، بالفعل، كل الأبواب الممكنة للوصول إلى هذا الهدف، عبر القنوات السرية، بداية، ثم العلنية. وبعدما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب، أعلن نتنياهو صراحة، في مطلع السنة الجارية، أن «إسرائيل ما زالت تأمل أن تعترف الولايات المتحدة بأحقيتها في السيادة على هضبة الجولان».
وفي شهر مايو (أيار) الماضي، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «الاعتراف الأميركي ربما يأتي في غضون شهور، بينما أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين تأييدهم لهذه الخطوة بذريعة أن الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيلية على الجولان يساعد على كبح ومواجهة النفوذ الإيراني في سوريا».
الظاهر أن واشنطن لا ترفض الفكرة بالمطلق. فمع أن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، قال في مقابلة مع الصحافة الإسرائيلية، أثناء زيارته تل أبيب يوم 20 أغسطس (آب) 2018، إنه «لا يجري بحث أمر الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، ولم يُتخذ قرار (بهذا الشأن) داخل الحكومة الأميركية»، فإن ديفيد فريدمان، السفير الأميركي لدى إسرائيل، قال خلال مقابلة مع صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، يوم 7 سبتمبر (أيلول) 2018 إن «هضبة الجولان ستبقى دائماً تحت السيادة الإسرائيلية ولن تعاد إلى سوريا». وتابع «لا يمكنني تخيّل وضع لا تشكِّل فيه هضبة الجولان جزءاً من إسرائيل إلى الأبد. فالتخلّي عن الجولان كفيل بأن يضع إسرائيل في دوامة أمنيّة كبيرة. لذلك أتوقّع للوضع الراهن أن يبقى».
وحسب مسؤول رفيع في تل أبيب فإن بنيامين نتنياهو، لم يفوّت فرصة في لقاءاته الكثيرة مع المسؤولين في الغرب، إلا وطرح مطلبه حول الاعتراف بضم الجولان. بل، وطرحه مع الروس أيضاً، ضمن صفقة شاملة لتقاسم النفوذ في سوريا. ومن ثم، لم يستبعد خبراء إسرائيليون احتمال أن تكون حكومة نتنياهو في وارد أن تدخل إيران في هذه التفاهمات، على أساس من القبول بوجود إيراني رمزي في سوريا مقابل الموافقة على ضم الجولان لإسرائيل.
ويرى هؤلاء أن نظام طهران بات اليوم أضعف بعدما بدأت العقوبات الأميركية تترك أثرها على الاقتصاد الإيراني المنهار أصلاً. يضاف إلى ذلك التهديدات الحربية الإسرائيلية المتواصلة والضربات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة للإيرانيين داخل سوريا، والعمليات الاستخبارية الإسرائيلية في إيران نفسها، حيث اغتيل الكثير من علماء الذرّة الإيرانيين، وجرى تدمير برامج الحواسيب في المفاعل النووي، ونجح «كوماندوز» جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» بالدخول إلى قلب طهران وتحميل أرشيف المشروع النووي الإيراني على حافلة ونقله من هناك إلى إسرائيل من دون أن يُكتشف. كل هذه النشاطات مهينة لطهران ومسيئة لهيبتها في الداخل والخارج، وهي تريد أن لا تتكرّر بالتأكيد.
وحقاً، نشرت تلميحات في الأسابيع الأخيرة بأن نتنياهو شخصياً طرح المسألة في لقاءاته مع عدة شخصيات عربية التقاها أخيراً، بما فيه اللقاءات في سلطنة عُمان، وكذلك فعل يوسي كوهين رئيس جهاز «الموساد» الذي يدير الاتصالات السرية بين إسرائيل وعدة دول أخرى لا تقيم معها علاقات دبلوماسية. وحسب المتخصصين في الشؤون الأمنية في الصحافة الإسرائيلية، فإن الرسائل الموجهة من تل أبيب عبر مختلف الوسطاء إلى إيران أيضاً، طرحت هذا المطلب وتضمنت أحاديث عن «صفقة تفاهمات». وزيارة نتنياهو إلى مسقط لم تقتصر على الموضوع الفلسطيني، بل تطرّقت بالتفصيل إلى الموضوع الإيراني، من خلال إدراك تل أبيب أن سلطنة عُمان تقيم علاقات رتيبة مع إيران، وكانت قد استضافت المحادثات الأولية بين الدول الكبرى الست وإيران حول الاتفاق النووي في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
وهنا يذكر الدكتور يوسي ميلمان، أحد أبرز خبراء الشؤون الأمنية في الصحافة العبرية، أن «إسرائيل كانت قد أجرت اتصالات مع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني بوساطة جهاز مخابرات غربي في العام 2015، من أجل بحث مصير الطيار الإسرائيلي المفقود، رون أراد». وتابع ميلمان أن «الرقابة العسكرية الإسرائيلية سمحت بنشر بعض تفاصيل الاتصالات (بين إسرائيل وأعدائها في المنطقة)، وبضمنها أن حزب الله أبدى (تفاؤله) بنجاح جهوده لمعرفة مصير أراد، في أعقاب ورود معلومات استخباراتيّة جديدة جمعها الحزب في الفترة الأخيرة عن الطيار، الذي سقطت طائرته فوق لبنان قبل نحو 30 سنة، ولا يعرف مصيره حتى اليوم. ولكن، في نهاية الاتصالات، أعرب حزب الله عن فشله في التوصل لنهاية لغز الاختفاء حالياً على الأقل، وادّعى بأن التربة التي دُفِنَ فيها أراد تغيّرت عدّة مرات منذ الفترة التي توفي فيها. كذلك نقل عن الحزب ثقته بأنه يستطيع العثور على مكان دفن أراد». ولفت ميلمان إلى معلومات نشرت عام 2016 عن لقاء إسرائيلي - إيراني مباشر عقد في قبرص في شهر مايو (أيار) من العام 2016 بمشاركة مساعد الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
الانتخابات البلدية الأخيرة
عودة إلى الانتخابات المحلية (البلدية) الأخيرة، يجب القول إن إسرائيل اختبرت أهالي الجولان – وجلّهم من المحدين الدروز – مرّات كثيرة في الماضي، وفشلت في زحزحتهم عن موقفهم المتمسك بالانتماء لوطنهم الأم سوريا. لقد جرّبت «العصا»... وجرّبت «الجزرة».
حاولت إغراءهم بإنشاء دولة درزية، تضم أبناء الطائفة المعروفة اللبنانيين والسوريين سوية مع بعض القرى الدرزية في الجليل. وفتحت لهم الطريق لتصدير منتوجهم من التفاح إلى سوريا والأردن. كذلك حاولت قمع القوى الوطنية فيهم واعتقلت المئات منهم بتهمة الإرهاب. ثم حاولت شق صفوفهم وتأليبهم ضد بعضهم البعض... إلا أنها لم تفلح. ولكنها، مع تحوّل انتفاضة 2011 في سوريا إلى حرب لمست لديهم نقطة ضعف.
إذ انقسم سوريو الجولان أيضا ما بين مؤيدين للنظام ومؤيدين للمعارضة. وعلى الأثر، فتحت الطريق أمامهم لتعميق الخلافات وترجمتها إلى صراعات عقائدية وتنظيمية، إلا أن الجولانيين حافظوا على حد أدنى من وحدة الصف، معتبرين «الاحتلال خطا أحمر لا يُسمح بتجاوزه». تناقشوا وتحاورا واختلفوا وتصارعوا حول كل ما يجري في سوريا من نكبات، لكنهم أبقوا على علاقاتهم الاجتماعية الودّية بشكل مثير للإعجاب.
طبعاً، لم تيأس السلطات الإسرائيلية. وجنباً إلى جنب مع تقدمها في رؤية «الحرب السورية فرصة للتقدم في عملية الضم وفرض السيادة»، قرّرت أن تدفع أهالي الجولان إلى «خاتمة المعارك»، فقررت إجراء الانتخابات البلدية فيها سوية مع البلديات الإسرائيلية. وحسب وزير الداخلية آريه درعي، فإن حكومة نتنياهو «قررت إظهار صورة جديدة: مقابل المذابح التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري، فإن إسرائيل تتيح للسوريين في الجولان أن يمارسوا الديمقراطية بمنتهى الحرية. فاقترحت عليهم الترشح لرئاسة المجالس المحلية في القرى الخمس وعضوية هذه المجالس».
الخطة نجحت في البداية بإثارة نقاشات حادة حول الموضوع بين الأهالي، إلا أن القوى الوطنية – المختلفة فيما بينها حول الوضع في سوريا – اتحدت في الموقف الوطني ضد الاحتلال، واختارت رفض هذه الانتخابات. ورغم التصدّعات الناشئة بين العلمانيين ورجال الدين، تمكن الجولانيون من إعادة اللحمة واتخذوا موقفاً موحداً، يقضي ليس فقط برفض الانتخابات بل فرضوا حرماناً دينياً واجتماعياً وسياسيا على كل من يقبل على نفسه أن يترشح أو ينتخب في هذه الانتخابات. وما أن جاء يوم الانتخابات 30 أكتوبر (تشرين الأول)، حتى كان جميع المرشحين في بلدتي مسعدة وبقعاثا قد انسحبوا، ما يعني إلغاء الانتخابات. وبقيت الانتخابات في بلدتي مجدل شمس وعين قنيا، ولكن في الأولى صوّت فقط 2 في المائة من أصحاب حق الاقتراع وفي الثانية صوّت 1 في المائة فقط. وخرج مئات الأهالي في مظاهرة جماهيرية... أطلقوا خلالها هتافات تؤكد على رفض انتخابات السلطات المحلية التي حاولت سلطات الاحتلال فرضها على قرى الجولان المحتل بالقوة، وتعتبر «التعاون مع الاحتلال» في هذا الشأن مساساً بالقضية الوطنية.
لم يتأخر انتقام السلطات الإسرائيلية من أهالي البلدات الأربع، إذ هاجمتهم قوات كبيرة من الشرطة، مستخدمة مختلف أدوات القمع. واندلعت مواجهات واشتباكات عنيفة بين قوات الاحتلال والأهالي، وانتهت بإصابة واعتقال عدد منهم. لكن المتظاهرين قرروا رفض الرضوخ للقمع، ومواصلة الحراك حتى إغلاق صناديق الاقتراع. وفعلاً، شارك في الحراك الشعبي مجموعات من الشباب والكبار والرجال والنساء والفعاليات الشعبية والوطنية، ومعهم مجموعة كبيرة من مشايخ الدين، مؤكدين جميعاً على رفض ومقاطعة الانتخابات الإسرائيلية والتمسك بالهوية العربية السورية.
وفي نهاية المطاف، اعترفت الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية بفشل مخططها على أهالي الجولان. واعتبرت نتيجة التجربة الانتخابية ليس فشلاً وحسب، بل «نتيجة مخزية وصفعة مهينة»، كما قال مراسل التلفزيون الإسرائيلي. وهكذا، فمن الناحية الشعبية، أغلق باب «الضم» الاحتلالي، ليعود نتنياهو ورفاقه إلى البحث عن ملاعب أخرى يجرّب فيها تحقيق أحلامه التوسعية.

- قصة الجولان منذ 1967
إسرائيل احتلت هضبة الجولان في أقصى جنوب غربي سوريا عام 1967. في عملية حربية مخططة جيدا. إذ قصفت المنطقة بالمدافع والطائرات طيلة ثلاثة أيام، وفي التاسع من يونيو (حزيران)، اجتاحت المنطقة بقواتها البرّية. وبعد قتال طاحن طال 30 ساعة، انسحب الجيش السوري وهرب معه غالبية السكان، الذين كان يُقدّر عددهم بـ145 ألف نسمة في ذلك الوقت.
رئيس القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، رحبعام زئيفي - الذي أصبح وزيرا في حكومة آرييل شارون عام 2001 واغتالته خلية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-، «أوضح» أنه يجب أن تكون الهضبة نظيفة من السكان. وتبين أن نحو 25 ألفا بقوا فيها، فعملوا على ترحيلهم بالقوة أو بالترهيب. وحسب الأوامر، عليهم أن يتركوا فقط الدروز والشركس ويطردوا الباقين.
لكن لم يبق سوى 10 آلاف شخص، وبشكل منهجي هدمت قوات الجيش لا أقل من 110 قرى. وبقيت في حينه خمس بلدات، هي: مجدل شمس وبقعاتا وعين قنيا ومسعدة (كل سكانها من الدروز) وغجر (سكانها علويون). إلا أن الحلم الإسرائيلي بأن يروا في الدروز موالين لها، تبدّد منذ الأيام الأولى للاحتلال، إذ بدأت عمليات فدائية متواصلة ضد الجنود الإسرائيليين.
عام 1981 سنّت إسرائيل قانوناً يضم الجولان إلى حدود إسرائيل، فقاومه أهالي الجولان بقوة، بداية بالإضراب العام طيلة ستة شهور، ثم برفض الجنسية الإسرائيلية وبفرض حرمان ديني واجتماعي على كل من يقبل بها. ومنذ ذلك الحين، تحاول الحكومات الإسرائيلية التعاطي مع الجولان كمنطقة إسرائيلية، وبضمن ذلك إجراء انتخابات بلدية في الهضبة المحتلة. بيد أن المواطنين رفضوا وتصدّوا لكل مشروع ضم. ولم يستجب لإغراءات الاحتلال في الحصول على الهوية الإسرائيلية سوى 13 في المائة من السكان... الذين حافظوا على وحدة صف وطنية كفاحية مدهشة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.