هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في ضوء المقاطعة الصريحة للانتخابات المحلية الإسرائيلية

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟
TT

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في الوقت الذي تحولت سوريا الأم مرتعا لحروب النفوذ بين مراكز القوى المحلية والإقليمية والعالمية، وبات يبدو فيه أن المنقضين على ما تبقى من الشام يزيدون على تعداد أهل الشام، ويتوه فيه المشرّدون السوريون ما بين عطشهم للوطن وخوفهم من الوطن، وصار فيه الركام الهائل رمزا لنفسية الإحباط القاتل، انطلقت صرخة شامية أصيلة من تلك المرتفعات الجنوبية الغربية، المعروفة بهضبة الجولان.
سوريون من المهد إلى اللحد، الوالد والولد، الجدة والجد، صغاراً وشباباً ومسنين، نساءً ورجالاً، هبوا جميعاً منتفضين يقولون «لا» كبيرة للاحتلال، الذي قرّر اختبار مدى انتمائهم... فندم على هذا الاختبار.

المحاولة التي أقدم عليها وزير الداخلية الإسرائيلي آريه درعي، لإجراء انتخابات بلدية في أربع قرى في الجولان السوري المحتل، هي مجدل شمس ومسعدة وعين قنيا وبقعاثا، سوية مع الانتخابات البلدية الإسرائيلية، لم تكن بمثابة «هدية ديمقراطية» للسكان يراد بها «منحهم الحق في إدارة شؤونهم لوحدهم»، كما زعم.
وحتى الاعتقاد بأن هذه الانتخابات هي محاولة لتثبيت الاحتلال الإسرائيلي على هذه الأرض، يكون مجرد حساب تقليدي أقرب إلى الشعار. فإسرائيل عملت وتعمل بشكل حثيث طيلة 51 سنة لجعل الجولان «منطقة إسرائيلية»، كما هو حال مساعيها في القدس الشرقية المحتلة.
الحقيقة أن هذه الانتخابات، جاءت لتكون واحدة من عشرات «بالونات الاختبار» التي أطلقتها إسرائيل نحو القصور في دمشق وموسكو وطهران وأنقرة، في السنوات الثلاث الأخيرة، طلبا لحصة لها في الكعكة السورية. إذ ثمة اعتقاد في تل أبيب بأن الحرب السورية قد انتهت وجاء وقت تقاسم الغنائم. وبما أن تركيا تطلب «حصة» لها في الشمال الغربي، وروسيا تفرض وجوداً راسخاً على الأرض السورية، وإيران تغرس مخالبها عميقاً في الجسد السوري، يحق لإسرائيل – حسب منطق قادتها – أن تحظى بهذه «البقعة الصغيرة». فهي لا تساوي أكثر من 1 في المائة (1800 كيلومتر مربع من مجموع 185 ألفا و180 كيلومترا مربعا) من مساحة سوريا الأصلية.

- حلم «الضم» الإسرائيلي
لقد حاولت الحكومة الإسرائيلية الفوز بهذه البقعة طيلة سنوات الاحتلال، لتجعل منها جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية، وفشلت.
استهلت هذه المحاولات بالاستيطان اليهودي فيها. صرفت على ذلك أموالا طائلة تقدر بالمليارات. وفي عام 1981. سنّ في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قانونا يقضي بضم الجولان إلى السيادة الإسرائيلية. وعرضت بيوت السكن بنصف الأسعار الرسمية في إسرائيل. وخفضت الضرائب بنسبة 12 في المائة. وأقامت الحكومة الإسرائيلية المناطق الصناعية والمزارع الحيوانية والمرافق السياحية، بما في ذلك التزلج على الجليد. كذلك أنشأت مدينة «كتسرين» الاستيطانية و32 مستوطنة قروية. وخصّص الجيش الإسرائيلي 60 في المائة من أراضي الجولان قواعد عسكرية توفر الحماية والأمان للسكان. لكن عدد المستوطنين اليهود هناك لم يزد عن 22 ألفاً، ومقابلهم صار عدد العرب في القرى الأربع (مع قرية غجر في رأس منخفض الحولة غرباً) 27 ألفاً.
وفي عام 1992 أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين، استعداده للتنازل عن الجولان مقابل سلام كامل مع سوريا، بشرط أن يتم الانسحاب بالتدريج خلال خمس عشرة سنة. لكن القيادة السورية أضاعت تلك الفرصة، فعاد الإسرائيليون إلى صيغة استئجار الجولان لسنين طويلة (25 سنة قابلة للتجديد 25 سنة أخرى). وتقدّمت المفاوضات خطوات كبيرة بين تل أبيب ودمشق حول هذه الصيغة، خصوصا في فترة حكم إيهود أولمرت، عام 2008. غير أن الإدارة الأميركية أفشلت الاتفاق، يومذاك، بسبب خلافاتها الشديدة مع دمشق.
بعدها تغيرت الظروف. وأحدثت الانتفاضة السورية عام 2011 انعطافاً حاداً في الموقف الإسرائيلي. إذ اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراؤه ومخابراته التفرّج على السوريين، وهم يهشمون بعضهم بعضاً ويستنزفون مقدرات الدولة، والتساؤل علناً «إذا كان النظام السوري يبيد وطنه وبلده وأهله، فهل من المنطق أن تعيد إسرائيل الجولان إليه؟ فلو كانت إسرائيل قد انسحبت من الجولان، لكانت الحرب قد وصلت إلى طبريا وأعالي الجليل، كما كان الوضع عليه قبيل حرب 1967».
وهكذا، راحت إسرائيل تناور ما بين أطراف الصراع، فترضي النظام تارة والمعارضة طوراً. والتقت مع بضعة أوساط معارضة ودخلت في مساومات معها، أسفرت عن الإعلان عن بلورة «تفاهمات» حول استئجار الجولان لفترة طويلة وتحويله إلى «حديقة سلام إقليمية».
وكلما تغوّل السوريون في «حربهم» المدوّلة أكثر، رأت إسرائيل بوضوح أكبر كيف يجري التخطيط لتقسيم سوريا إلى عدة دويلات طائفية، وكيف يطمع جيران سوريا بأجزاء من أراضيها. وبالتالي، بدأت تطالب بالاعتراف الدولي في قرارها ضم الجولان إليها.

- مؤشرات لصفقة إيرانية؟
لقد طرقت حكومة بنيامين نتنياهو، بالفعل، كل الأبواب الممكنة للوصول إلى هذا الهدف، عبر القنوات السرية، بداية، ثم العلنية. وبعدما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب، أعلن نتنياهو صراحة، في مطلع السنة الجارية، أن «إسرائيل ما زالت تأمل أن تعترف الولايات المتحدة بأحقيتها في السيادة على هضبة الجولان».
وفي شهر مايو (أيار) الماضي، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «الاعتراف الأميركي ربما يأتي في غضون شهور، بينما أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين تأييدهم لهذه الخطوة بذريعة أن الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيلية على الجولان يساعد على كبح ومواجهة النفوذ الإيراني في سوريا».
الظاهر أن واشنطن لا ترفض الفكرة بالمطلق. فمع أن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، قال في مقابلة مع الصحافة الإسرائيلية، أثناء زيارته تل أبيب يوم 20 أغسطس (آب) 2018، إنه «لا يجري بحث أمر الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، ولم يُتخذ قرار (بهذا الشأن) داخل الحكومة الأميركية»، فإن ديفيد فريدمان، السفير الأميركي لدى إسرائيل، قال خلال مقابلة مع صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، يوم 7 سبتمبر (أيلول) 2018 إن «هضبة الجولان ستبقى دائماً تحت السيادة الإسرائيلية ولن تعاد إلى سوريا». وتابع «لا يمكنني تخيّل وضع لا تشكِّل فيه هضبة الجولان جزءاً من إسرائيل إلى الأبد. فالتخلّي عن الجولان كفيل بأن يضع إسرائيل في دوامة أمنيّة كبيرة. لذلك أتوقّع للوضع الراهن أن يبقى».
وحسب مسؤول رفيع في تل أبيب فإن بنيامين نتنياهو، لم يفوّت فرصة في لقاءاته الكثيرة مع المسؤولين في الغرب، إلا وطرح مطلبه حول الاعتراف بضم الجولان. بل، وطرحه مع الروس أيضاً، ضمن صفقة شاملة لتقاسم النفوذ في سوريا. ومن ثم، لم يستبعد خبراء إسرائيليون احتمال أن تكون حكومة نتنياهو في وارد أن تدخل إيران في هذه التفاهمات، على أساس من القبول بوجود إيراني رمزي في سوريا مقابل الموافقة على ضم الجولان لإسرائيل.
ويرى هؤلاء أن نظام طهران بات اليوم أضعف بعدما بدأت العقوبات الأميركية تترك أثرها على الاقتصاد الإيراني المنهار أصلاً. يضاف إلى ذلك التهديدات الحربية الإسرائيلية المتواصلة والضربات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة للإيرانيين داخل سوريا، والعمليات الاستخبارية الإسرائيلية في إيران نفسها، حيث اغتيل الكثير من علماء الذرّة الإيرانيين، وجرى تدمير برامج الحواسيب في المفاعل النووي، ونجح «كوماندوز» جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» بالدخول إلى قلب طهران وتحميل أرشيف المشروع النووي الإيراني على حافلة ونقله من هناك إلى إسرائيل من دون أن يُكتشف. كل هذه النشاطات مهينة لطهران ومسيئة لهيبتها في الداخل والخارج، وهي تريد أن لا تتكرّر بالتأكيد.
وحقاً، نشرت تلميحات في الأسابيع الأخيرة بأن نتنياهو شخصياً طرح المسألة في لقاءاته مع عدة شخصيات عربية التقاها أخيراً، بما فيه اللقاءات في سلطنة عُمان، وكذلك فعل يوسي كوهين رئيس جهاز «الموساد» الذي يدير الاتصالات السرية بين إسرائيل وعدة دول أخرى لا تقيم معها علاقات دبلوماسية. وحسب المتخصصين في الشؤون الأمنية في الصحافة الإسرائيلية، فإن الرسائل الموجهة من تل أبيب عبر مختلف الوسطاء إلى إيران أيضاً، طرحت هذا المطلب وتضمنت أحاديث عن «صفقة تفاهمات». وزيارة نتنياهو إلى مسقط لم تقتصر على الموضوع الفلسطيني، بل تطرّقت بالتفصيل إلى الموضوع الإيراني، من خلال إدراك تل أبيب أن سلطنة عُمان تقيم علاقات رتيبة مع إيران، وكانت قد استضافت المحادثات الأولية بين الدول الكبرى الست وإيران حول الاتفاق النووي في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
وهنا يذكر الدكتور يوسي ميلمان، أحد أبرز خبراء الشؤون الأمنية في الصحافة العبرية، أن «إسرائيل كانت قد أجرت اتصالات مع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني بوساطة جهاز مخابرات غربي في العام 2015، من أجل بحث مصير الطيار الإسرائيلي المفقود، رون أراد». وتابع ميلمان أن «الرقابة العسكرية الإسرائيلية سمحت بنشر بعض تفاصيل الاتصالات (بين إسرائيل وأعدائها في المنطقة)، وبضمنها أن حزب الله أبدى (تفاؤله) بنجاح جهوده لمعرفة مصير أراد، في أعقاب ورود معلومات استخباراتيّة جديدة جمعها الحزب في الفترة الأخيرة عن الطيار، الذي سقطت طائرته فوق لبنان قبل نحو 30 سنة، ولا يعرف مصيره حتى اليوم. ولكن، في نهاية الاتصالات، أعرب حزب الله عن فشله في التوصل لنهاية لغز الاختفاء حالياً على الأقل، وادّعى بأن التربة التي دُفِنَ فيها أراد تغيّرت عدّة مرات منذ الفترة التي توفي فيها. كذلك نقل عن الحزب ثقته بأنه يستطيع العثور على مكان دفن أراد». ولفت ميلمان إلى معلومات نشرت عام 2016 عن لقاء إسرائيلي - إيراني مباشر عقد في قبرص في شهر مايو (أيار) من العام 2016 بمشاركة مساعد الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
الانتخابات البلدية الأخيرة
عودة إلى الانتخابات المحلية (البلدية) الأخيرة، يجب القول إن إسرائيل اختبرت أهالي الجولان – وجلّهم من المحدين الدروز – مرّات كثيرة في الماضي، وفشلت في زحزحتهم عن موقفهم المتمسك بالانتماء لوطنهم الأم سوريا. لقد جرّبت «العصا»... وجرّبت «الجزرة».
حاولت إغراءهم بإنشاء دولة درزية، تضم أبناء الطائفة المعروفة اللبنانيين والسوريين سوية مع بعض القرى الدرزية في الجليل. وفتحت لهم الطريق لتصدير منتوجهم من التفاح إلى سوريا والأردن. كذلك حاولت قمع القوى الوطنية فيهم واعتقلت المئات منهم بتهمة الإرهاب. ثم حاولت شق صفوفهم وتأليبهم ضد بعضهم البعض... إلا أنها لم تفلح. ولكنها، مع تحوّل انتفاضة 2011 في سوريا إلى حرب لمست لديهم نقطة ضعف.
إذ انقسم سوريو الجولان أيضا ما بين مؤيدين للنظام ومؤيدين للمعارضة. وعلى الأثر، فتحت الطريق أمامهم لتعميق الخلافات وترجمتها إلى صراعات عقائدية وتنظيمية، إلا أن الجولانيين حافظوا على حد أدنى من وحدة الصف، معتبرين «الاحتلال خطا أحمر لا يُسمح بتجاوزه». تناقشوا وتحاورا واختلفوا وتصارعوا حول كل ما يجري في سوريا من نكبات، لكنهم أبقوا على علاقاتهم الاجتماعية الودّية بشكل مثير للإعجاب.
طبعاً، لم تيأس السلطات الإسرائيلية. وجنباً إلى جنب مع تقدمها في رؤية «الحرب السورية فرصة للتقدم في عملية الضم وفرض السيادة»، قرّرت أن تدفع أهالي الجولان إلى «خاتمة المعارك»، فقررت إجراء الانتخابات البلدية فيها سوية مع البلديات الإسرائيلية. وحسب وزير الداخلية آريه درعي، فإن حكومة نتنياهو «قررت إظهار صورة جديدة: مقابل المذابح التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري، فإن إسرائيل تتيح للسوريين في الجولان أن يمارسوا الديمقراطية بمنتهى الحرية. فاقترحت عليهم الترشح لرئاسة المجالس المحلية في القرى الخمس وعضوية هذه المجالس».
الخطة نجحت في البداية بإثارة نقاشات حادة حول الموضوع بين الأهالي، إلا أن القوى الوطنية – المختلفة فيما بينها حول الوضع في سوريا – اتحدت في الموقف الوطني ضد الاحتلال، واختارت رفض هذه الانتخابات. ورغم التصدّعات الناشئة بين العلمانيين ورجال الدين، تمكن الجولانيون من إعادة اللحمة واتخذوا موقفاً موحداً، يقضي ليس فقط برفض الانتخابات بل فرضوا حرماناً دينياً واجتماعياً وسياسيا على كل من يقبل على نفسه أن يترشح أو ينتخب في هذه الانتخابات. وما أن جاء يوم الانتخابات 30 أكتوبر (تشرين الأول)، حتى كان جميع المرشحين في بلدتي مسعدة وبقعاثا قد انسحبوا، ما يعني إلغاء الانتخابات. وبقيت الانتخابات في بلدتي مجدل شمس وعين قنيا، ولكن في الأولى صوّت فقط 2 في المائة من أصحاب حق الاقتراع وفي الثانية صوّت 1 في المائة فقط. وخرج مئات الأهالي في مظاهرة جماهيرية... أطلقوا خلالها هتافات تؤكد على رفض انتخابات السلطات المحلية التي حاولت سلطات الاحتلال فرضها على قرى الجولان المحتل بالقوة، وتعتبر «التعاون مع الاحتلال» في هذا الشأن مساساً بالقضية الوطنية.
لم يتأخر انتقام السلطات الإسرائيلية من أهالي البلدات الأربع، إذ هاجمتهم قوات كبيرة من الشرطة، مستخدمة مختلف أدوات القمع. واندلعت مواجهات واشتباكات عنيفة بين قوات الاحتلال والأهالي، وانتهت بإصابة واعتقال عدد منهم. لكن المتظاهرين قرروا رفض الرضوخ للقمع، ومواصلة الحراك حتى إغلاق صناديق الاقتراع. وفعلاً، شارك في الحراك الشعبي مجموعات من الشباب والكبار والرجال والنساء والفعاليات الشعبية والوطنية، ومعهم مجموعة كبيرة من مشايخ الدين، مؤكدين جميعاً على رفض ومقاطعة الانتخابات الإسرائيلية والتمسك بالهوية العربية السورية.
وفي نهاية المطاف، اعترفت الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية بفشل مخططها على أهالي الجولان. واعتبرت نتيجة التجربة الانتخابية ليس فشلاً وحسب، بل «نتيجة مخزية وصفعة مهينة»، كما قال مراسل التلفزيون الإسرائيلي. وهكذا، فمن الناحية الشعبية، أغلق باب «الضم» الاحتلالي، ليعود نتنياهو ورفاقه إلى البحث عن ملاعب أخرى يجرّب فيها تحقيق أحلامه التوسعية.

- قصة الجولان منذ 1967
إسرائيل احتلت هضبة الجولان في أقصى جنوب غربي سوريا عام 1967. في عملية حربية مخططة جيدا. إذ قصفت المنطقة بالمدافع والطائرات طيلة ثلاثة أيام، وفي التاسع من يونيو (حزيران)، اجتاحت المنطقة بقواتها البرّية. وبعد قتال طاحن طال 30 ساعة، انسحب الجيش السوري وهرب معه غالبية السكان، الذين كان يُقدّر عددهم بـ145 ألف نسمة في ذلك الوقت.
رئيس القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، رحبعام زئيفي - الذي أصبح وزيرا في حكومة آرييل شارون عام 2001 واغتالته خلية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-، «أوضح» أنه يجب أن تكون الهضبة نظيفة من السكان. وتبين أن نحو 25 ألفا بقوا فيها، فعملوا على ترحيلهم بالقوة أو بالترهيب. وحسب الأوامر، عليهم أن يتركوا فقط الدروز والشركس ويطردوا الباقين.
لكن لم يبق سوى 10 آلاف شخص، وبشكل منهجي هدمت قوات الجيش لا أقل من 110 قرى. وبقيت في حينه خمس بلدات، هي: مجدل شمس وبقعاتا وعين قنيا ومسعدة (كل سكانها من الدروز) وغجر (سكانها علويون). إلا أن الحلم الإسرائيلي بأن يروا في الدروز موالين لها، تبدّد منذ الأيام الأولى للاحتلال، إذ بدأت عمليات فدائية متواصلة ضد الجنود الإسرائيليين.
عام 1981 سنّت إسرائيل قانوناً يضم الجولان إلى حدود إسرائيل، فقاومه أهالي الجولان بقوة، بداية بالإضراب العام طيلة ستة شهور، ثم برفض الجنسية الإسرائيلية وبفرض حرمان ديني واجتماعي على كل من يقبل بها. ومنذ ذلك الحين، تحاول الحكومات الإسرائيلية التعاطي مع الجولان كمنطقة إسرائيلية، وبضمن ذلك إجراء انتخابات بلدية في الهضبة المحتلة. بيد أن المواطنين رفضوا وتصدّوا لكل مشروع ضم. ولم يستجب لإغراءات الاحتلال في الحصول على الهوية الإسرائيلية سوى 13 في المائة من السكان... الذين حافظوا على وحدة صف وطنية كفاحية مدهشة.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».