فؤاد معصوم يؤدي اليمين الدستورية رئيسا للعراق بعد انسحاب برهم صالح

تعهد بالحفاظ على وحدة العراق والالتزام بالدستور والانفتاح على الجميع

د. فؤاد معصوم خلال زيارة سابقة لمكتب «الشرق الأوسط» في لندن («الشرق الأوسط»)
د. فؤاد معصوم خلال زيارة سابقة لمكتب «الشرق الأوسط» في لندن («الشرق الأوسط»)
TT

فؤاد معصوم يؤدي اليمين الدستورية رئيسا للعراق بعد انسحاب برهم صالح

د. فؤاد معصوم خلال زيارة سابقة لمكتب «الشرق الأوسط» في لندن («الشرق الأوسط»)
د. فؤاد معصوم خلال زيارة سابقة لمكتب «الشرق الأوسط» في لندن («الشرق الأوسط»)

أدى الرئيس العراقي الجديد الدكتور محمد فؤاد معصوم وشهرته «فؤاد معصوم» اليمين الدستورية ليكون ثاني رئيس منتخب لجمهورية العراق بعد الرئيس السابق جلال طالباني عقب سقوط النظام العراقي السابق عام 2003. وتعهد معصوم، في كلمة مقتضبة، بالحفاظ على وحدة العراق والالتزام بالدستور والانفتاح على الجميع. وجاء انتخابه بعد جولتي اقتراع بعد حصوله في الجولة الأولى على 175 صوتا من مجموع 225 صوتا، تلته النائبة حنان الفتلاوي عن دولة القانون التي حازت 37 صوتا، فيما حصل فائق الشيخ، وهو عضو بالبرلمان العراقي عن التحالف المدني الديمقراطي، على عشرة أصوات، بينما حصل المرشح حسين الموسوي على ثلاثة أصوات.
وبعد انسحاب كل من الفتلاوي والشيخ علي فقد اضطرت رئاسة البرلمان العراقي، وفق السياقات الدستورية، إلى إجراء جولة ثانية حصل بموجبها معصوم على 211 صوتا، وهو ما هيأه للفوز برئاسة الجمهورية لدورة من أربع سنوات. وكان التحالف الكردستاني أعلن أن برهم صالح سحب ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية على خلفية ترشيح معصوم لهذا المنصب. وقال النائب عن التحالف الكردستاني نجم الدين كريم، في مؤتمر صحافي عقده بمبنى البرلمان أمس، إن «القوى الكردية اتفقت على ترشيح شخصية واحدة لمنصب رئيس الجمهورية وقد رشحت النائب فؤاد معصوم لهذا الموقع».
وأضاف كريم أن «القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح سيقدم طلبا لسحب ترشيحه من رئاسة الجمهورية على خلفية ترشح معصوم»، داعيا الكتل السياسية إلى «انتخاب مرشحهم لشغل المنصب في الدورة الحكومية الجديدة». وفي سياق متصل أوضح كريم أنه «سيتخلى عن عضويته في مجلس النواب الجديد مقابل العودة إلى منصب محافظ كركوك». ودعا «الكتل السياسية إلى التصويت لفؤاد معصوم ليكون رئيس جمهورية العراق القادم»، مشيرا إلى «أنه سحب ترشيحه نائبا في البرلمان وعاد إلى وظيفته محافظا لكركوك كما وعد أهالي كركوك خلال حملته الانتخابية».
من جهته أكد عضو البرلمان العراقي عن كتلة التحالف الكردستاني محسن السعدون في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية قد تم بطريقة التوافق، وهو ما اتفقنا عليه مع الإخوة في الكتل السياسية، وقد التزمنا به عندما منحنا أصواتنا لرئيس البرلمان ونائبيه، وبالتالي كنا ننتظر رغم كثرة مرشحي رئاسة الجمهورية أن تعطينا الكتل الأخرى الشيعية والسنية أصواتها لمرشحنا، وهو ما حصل بالفعل». وأضاف أن «توزيع المناصب السيادية العليا في البلاد أمر طبيعي ولا علاقة له بالمحاصصة بقدر ما له علاقة بالتوافق، لأنه لا بد أن يكون هناك تنوع بين المكونات العراقية، غير أن المشكلة التي نواجهها في المناصب الدنيا، لا سيما في الجيش والأجهزة الأمنية والهيئات وغيرها، حيث لم يتحقق التوازن المطلوب، وهو ما يشكل عقبة أمامنا في تخطي المشاكل والأزمات». وأوضح أن «المرحلة المقبلة والمهمة أمامنا هي مرحلة اختيار رئيس الوزراء، حيث يتعين على كتلة التحالف الوطني بعد عطلة العيد مباشرة حسم اختيارها وترشيح شخصية منها لتولي هذا المنصب حتى يتسنى لرئيس الجمهورية تكليفه وفقا للمهلة الدستورية». وبشأن ما إذا كانت هذه التوافقات سوف تمهد الطريق أمام إيجاد حلول لباقي الأزمات قال السعدون إن «الدستور بالنسبة لنا هو الضامن لإيجاد حلول للأزمات، لكن العبرة في مدى الالتزام به وهو ما نأمله خلال المرحلة المقبلة».
أما زعيم الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى فقد أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «استعجال الكتل السياسية انتخاب الرئاسات وفق المدد الدستورية وبالذات انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية إنما يؤشر لشعورها بالخطر الذي يحدق بالبلاد في هذه المرحلة، وهو أمر إيجابي بالطبع، مع أننا نتمنى أن تتكلل الجهود بتشكيل الحكومة بدءا من ترشيح رئيس الوزراء والكابينة الوزارية؛ لأننا الآن بأمس الحاجة إلى استكمال باقي الاستحقاقات الدستورية؛ كون الأوضاع العامة في البلاد تحتاج إلى تضافر كل الجهود لمجابهتها». وعد موسى أن «العيب الوحيد فيما يحصل هو في المحاصصة العرقية والطائفية، حيث إنها لا تزال هي الثغرة الأساسية ولا نعلم متى يمكننا تجاوزها»، متمنيا على رئيس الجمهورية الجديد «ممارسة الصلاحيات بعيدا عن التأثيرات الجانبية».
يذكر أن معصوم يبدو مقبولا من قبل الكتل العراقية الأخرى، وكان قد استقال من موقعه عضوا في المكتب السياسي لـ«الاتحاد الوطني»، ليترك، حسبما قال، «المجال للدماء الشابة، مع أني لن أبتعد عن الحزب الذي هو بمثابة ابني الذي أحرص على تقدمه وديمومته ونجاحه».
ويتحدر معصوم من مدينة كويسنجق القريبة من مدينة السليمانية، وهي المدينة التي يتحدر منها الرئيس طالباني. ورافق معصوم طالباني في دراسته الابتدائية ومن أكثر المقربين منه فكريا، وأحد أربعة قياديين أسسوا معه «الاتحاد الوطني الكردستاني». كما أنه حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة الأزهر وعمل أستاذا بجامعة البصرة.

* معصوم لم يعلم بترشيحه قبل 6 ايام
* كان فؤاد معصوم قد قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بلندن، السبت الماضي وقبيل سفره إلى بغداد، بأنه لم يبلغ رسميا بترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية الذي هو من حصة حزبه «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة الرئيس العراقي المنتهية ولايته جلال طالباني. وأضاف في تصريح نشرته { الشرق الأوسط} قبل ثلاثة أيام «أنا لم أبلغ رسميا بهذا الترشيح حتى الآن، وإن كنت على علم بهذا الترشيح»، مشيرا إلى أن «منصب رئيس الجمهورية مسؤولية كبيرة وشرف كبير، وأن المهم اليوم هو الحفاظ على وحدة العراق واستقرار العراقيين».

* بروفايل: فيلسوف «إخوان الصفا» رئيسا للعراق
* فوجئ غالبية أعضاء البرلمان العراقي بأن القيادي البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني وفي الحركة الكردية فؤاد معصوم يحمل اسما مركبا وهو «محمد فؤاد»، مع أن شهرته هي فؤاد معصوم، حيث كان يشغل منصب رئيس كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان العراقي السابق. ولأنه بصدد تقديم سيرته الشخصية كمرشح لرئاسة الجمهورية وقبيل التصويت عليه أعلن معصوم نفسه أمام أعضاء البرلمان باسمه الجديد محمد فؤاد.
جدلية الأسماء في تاريخ العملية السياسية في العراق قد لا تكون هي المسألة الأهم، بل ما يمكن أن يسفر عنه اختيار المناصب من أهمية على صعيد مواجهة التحديات. ولعل أول ما تحتاجه التحديات اليوم في العراق هو الحزم والتأني، وكلاهما، طبقا لما يرى الكثيرون ممن يعرفون معصوم عن كثب، مما يتحلى به. القيادي الكردي مؤيد الطيب الذي زامل معصوم متحدثا رسميا لكتلة التحالف الكردستاني في البرلمان السابق، التي كان يرأسها حامل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الأزهر بالقاهرة فؤاد معصوم، يقول في حديث له لـ«الشرق الأوسط» إن «الميزة الأهم لدى الرئيس معصوم هي التأني والحذر الشديد، حتى إننا أحيانا نرى أن هذا التأني ربما يكون مبالغا به من قبله». ويضيف الطيب أن «الرئيس فؤاد معصوم يخشى الوقوع في الخطأ، وبالتالي فإنه لا يتخذ قراراته إلا بعد تأن وتمحيص».
ويرى الطيب أن «الأوضاع في العراق الآن وفي ظل ما تواجهه البلاد من تحديات وما يحمله منصب رئيس الجمهورية من دلالات رمزية تتطلب حكمة الشيوخ التي يتحلى بها معصوم، تضاف لها حكمة الفلاسفة، وهو حامل الدكتوراه في واحدة من أهم الحركات الصوفية في التاريخ الإسلامي، وهي إخوان الصفا». وبالإضافة إلى دراسته الفلسفة ونيله شهادتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة والأدب العربي، فإن معصوم ينتمي إلى أسرة دينية كبيرة، حيث كان والده الملا معصوم رئيسا لعلماء كردستان، وكان من دعاة التقارب المذهبي والتعايش الديني. ومثله مثل رفيق نضاله جلال طالباني فإنه ينحدر من قضاء كويسنجق، حيث ولد عام 1938، وتنحدر أسرته من قرية خبانين التابعة لمنطقة هورامان. وفي الوقت الذي حرص فيه معصوم على إكمال تعليمه العالي وفي مسائل معقدة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، فإنه لعب دورا بارزا في تاريخ الحركة الكردية سواء عبر انتمائه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى بارزاني، أو تأسيسه مع جلال طالباني ورفاق آخرين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975.
وبينما تولى تدريس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة البصرة عام 1968 فإنه تحمل مسؤوليات كبيرة في تاريخ الحركة الكردية وفي المعارضة العراقية في ما بعد. ففي عام 1973 عين ممثلا للثورة الكردية في القاهرة، وبقي فيها حتى عام 1975. وفي عام 1992 تولى رئاسة الكابينة الأولى لحكومة إقليم كردستان. وفي عام 2004 أصبح أول رئيس مؤقت لمجلس النواب، بعد سقوط النظام.
معصوم متزوج من السيدة روناك عبد الواحد مصطفى، ولديه 5 بنات، وولد توفي في طفولته.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.