«عام المرأة» في الانتخابات النصفية

237 خضن المعركة... فاز منهن 95 عن الحزب الديمقراطي و17 عن الجمهوري

TT

«عام المرأة» في الانتخابات النصفية

لم تكن انتخابات عادية أو عابرة، ولم تكن صراعاً ضد فريقين سياسيين أو أحزاب متنافسة، بل كانت انتخاباتٍ مصيرية وتاريخية انتصرت فيها المرأة الأميركية، وانتصرت فيها الأقليات. شكلت الانتخابات علامة فارقة للمرشحات اللائي سعين للحصول على مقاعد في مجلس النواب. وتم انتخاب سيدات لشغل ما لا يقل عن 93 مقعدا في مجلس النواب، متجاوزات عدد نائبات المجلس الحالي الذي بلغ 84 سيدة. ووفقا لبيانات «لوس أنجليس تايمز»، فقد حصلت النساء على عشرة مقاعد في مجلس الشيوخ وفزن بمنصب حكام تسع ولايات. ومن إجمالي 112 سيدة جرى انتخابهن، فازت 95 امرأة عن الحزب الديمقراطي و17 عن الجمهوري. وقال توماس بيريز رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي: «هذا حقا عام المرأة في كل مكان». ووفقا لـ«مركز المرأة الأميركية في السياسة»، فإن عددا قياسيا من النساء بلغ 237 سيدة خضن الانتخابات النصفية، و23 تنافسن على عضوية مجلس الشيوخ. النساء كن أيضا مسؤولات عن كثير من الانتصارات التي مكنت الحزب الديمقراطي من استعادة السيطرة على مجلس النواب.
إلهان عمر ورشيدة طليب أحد أبرز وأهم قصص النجاح ليلة البارحة، وأهم الوجوه المنتخبة من الحزب الديمقراطي في مجلس النواب، وذلك لأن الأولى ستدخل التاريخ كأول نائبة أميركية وامرأة عربية مسلمة محجبة في الكونغرس، والتي ستمثل ولاية مينيسوتا، فيما سيكتب التاريخ أيضاً أن رشيدة طليب أول نائبة عربية مسلمة فلسطينية ابنة لأبوين فلسطينيين. ولدت رشيدة طليب البالغة من العمر 42 عاماً، في مدينة ديترويت، والأكبر بين إخوانها وأخواتها الـ14. رشيدة طليب أكدت في لقاءات تلفزيونية على تنفيذ برامج الرعاية الصحية والاجتماعية، ومواجهة الأصوات العنصرية والعدائية ضد الأقليات في أميركا، إضافة إلى المطالبة بحقوق المرأة والطفل ضمن برامجها الانتخابية. وتحظى رشيدة بدعم روابط المعلمين والممرضين وتجار التجزئة في الولاية. وقالت في تصريحات لإذاعة صوت أميركا: «الناس لا يزالون غير قادرين على نطق اسمي لكنهم يتذكرون أنني أتيت إلى منزلهم، وساعدتهم»، واعتبرت من قبل أن دخولها الكونغرس «حدث تاريخي».
فيما تعتبر قصة النجاح الأخرى التي رسمتها إلهان عمر ذات الأصول الصومالية، إحدى أقوى القصص التاريخية الأميركية. وقضت إلهان عمر البالغة من العمر 36 عاما طفولتها في مخيم لاجئين في كينيا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة في سن الـ12 عاماً، قبل أن تحصل على مقعد في مجلس نواب الولاية، ثم فازت في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لتحل محل النائب الديمقراطي كيث إليسون، وذلك عندما قرر إليسون الترشح لمنصب المدعي العام، تاركاً منصبه خاويا بعد ست ولايات. وكأول لاجئة قد يتم انتخابها لتولي مقعد في الكونغرس، ستحمل إلهان معها «منظوراً فريداً وطاقة جديدة إلى العاصمة واشنطن»، كما ذكرت في تصريحات سابقة، وتدعم عمر برنامج التأمين الصحي ومجانية التعليم في الجامعات العامة.
قال جيمس الزغبي رئيس ومؤسس منظمة عرب أميركا في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن المجتمع العربي الأميركي انتظر يوم الاقتراع بفارغ الصبر، للتعبير عن دور الأقلية العربية الأميركية وصوت الجالية واهتماماتها، فبعد حالة الإحباط التي يُعتقد أن إدارة الرئيس ترمب فرضتها على المجتمع العربي، يرى الزغبي أن الصوت العربي قرر المنافسة.
وبين الزغبي أن عدد عرب أميركا يصل إلى نحو أربعة مليون شخص، موزعين على الولايات المتحدة كافة، ومتنوعي المهام والأعمال، مشيراً إلى أنهم كانوا يفضلون في السابق الحزب الجمهوري، إلا أن السياسيات الجمهورية منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) تجاه العرب، دفعت كثيرا من أبناء الجالية إلى التحول لدعم الحزب الديمقراطي بشكل لافت.

- أبرز الفائزات في السباق إلى الكونغرس
فيما يلي عرض لبعض الوجوه الجديدة في الكونغرس:
> انتخبت ألكسندريا أوكازيو كورتيز، البالغة من العمر 29 عاماً والمتحدرة من أميركا اللاتينية والتي دخلت بقوة الساحة السياسية الوطنية، عضوةً في مجلس النواب لتصبح بذلك أصغر نائبة في الكونغرس. ومع برنامج يساري بقوة، فازت هذه النادلة السابقة والمعلمة التي عملت في حملة برني ساندرز الانتخابية عام 2016 عن دائرتها في نيويورك، الممتدة بين أحياء برونكس التي نشأت فيها وسط عائلة متواضعة، ومنطقة كوينز.
> أيانا بريسلي هذه النائبة الديمقراطية عن بوسطن (44 عاماً) ستكون أول امرأة سوداء تمثل ماساتشوستس في الكونغرس. وتمكنت بريسلي من هزم مايك كابوانو في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين في دائرة انتخابية تعتبر بين الأشد يسارية في الولايات المتحدة، وتشمل القسم الأكبر من بوسطن وجامعة هارفرد. واعتبرت بريسلي على غرار أوكازيو كورتيز، أن انتخابها يصبّ في إطار الحاجة إلى تمثيل أفضل في حقبة حركة «مي تو» النسائية. وحين فازت في الانتخابات التمهيدية نددت بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، واصفة إياه بأنه «عنصري ويكره النساء».
> فازت إلهان عمر عن مينيسوتا، ورشيدة طليب عن ميتشيغان. وبهذا فقد أصبحت هاتان الديمقراطيتان أول مسلمتين تدخلان الكونغرس الأميركي، بمقعدين في مجلس النواب.
بعد فوزها، كتبت إلهان عمر في تغريدة «انتصرنا معاً. شكراً!»، قبل أن توجه رسالة إلى رشيدة طليب قائلة: «أهنئ شقيقتي رشيدة طليب على انتصارها! أتطلع إلى الجلوس معك في مجلس النواب إن شاء الله».
> إلهان عمر (36 عاماً) هربت وهي طفلة من الحرب الأهلية في الصومال ولجأت مع عائلتها إلى الولايات المتحدة حيث استقرت في مينيابولس قبل أن تصبح نائبة محلية في مجلس ولايتها. أما رشيدة طليب الأميركية من أصل فلسطيني والبالغة من العمر 42 عاماً، فكان فوزها مؤكداً في معقلها الديمقراطي في ميتشيغان، حيث لم يكن أمامها أي منافس.
> فاز شقيق نائب الرئيس الأميركي مايك بنس بمقعد في مجلس النواب عن دائرة كان الأخير يمثلها حتى الآن في أنديانا، معقل الجمهوريين. وفي سن 61 عاماً خاض رجل الأعمال والعسكري السابق أول انتخابات له. وترشح بصفته محافظاً مناهضاً للإجهاض ومؤيداً للأسلحة. وقال بعد فوزه «مثل كثيرين منكم، لا يزال الرئيس ترمب يشكل مصدر الوحي لي» مضيفاً: «إنا أدعم برنامج الرئيس الذي يكافح من أجل الطبقات الوسطى».
> انتخبت هاتان الديمقراطيتان، شاريس ديفيدز وديب هالاند، في مجلس النواب على التوالي عن ولايتي كنساس ونيومكسيكو لتصبحا أول امرأتين من السكان الأصليين تدخلان الكونغرس.
شاريس ديفيدز، البالغة من العمر 38 عاماً والمثلية الجنس، تهوى الفنون القتالية، فازت في معقل المحافظين أمام الجمهوري كيفن يودر. نشأت مع أم عزباء كانت سابقاً في الجيش وحائزة إجازة من معهد التدريب العام، وقد عملت لسنة في إدارة باراك أوباما السابقة.
أما ديب هالاند (57 عاماً) فهي أيضاً أم عزباء تتحدر من قبيلة لاغونا بويبلو. وقالت المرشحة خلال حملتها، إنها امرأة وليست بيضاء، مضيفة «يجب أن يصل مثل هذا النوع من الأشخاص إلى السلطة حالية لإحراز تقدم في المسائل التي تهم». وكان عشرات النواب من السكان الأصليين انتخبوا سابقاً في الكونغرس، لكنها المرة الأولى التي تفوز فيها امرأتان. وهذه السنة شهدت الانتخابات التشريعية رقماً قياسياً من المرشحين من السكان الأصليين.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.