أفغانستان: معارك في أورزجان وفارياب... والرئيس يجدد دعوة «طالبان» للحوار

مقتل {داعشيين} بغارة شرق البلاد

السلطات الأفغانية تحرق كميات هائلة من المخدرات تمت مصادرتها أول من أمس (إ.ب.أ)
السلطات الأفغانية تحرق كميات هائلة من المخدرات تمت مصادرتها أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

أفغانستان: معارك في أورزجان وفارياب... والرئيس يجدد دعوة «طالبان» للحوار

السلطات الأفغانية تحرق كميات هائلة من المخدرات تمت مصادرتها أول من أمس (إ.ب.أ)
السلطات الأفغانية تحرق كميات هائلة من المخدرات تمت مصادرتها أول من أمس (إ.ب.أ)

مع ازدياد حدة هجمات «طالبان» في مختلف المناطق الأفغانية، وتقدُّم قوات الحركة في أكثر من ولاية، جدَّد الرئيس الأفغاني أشرف غني دعوته للحركة للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية، والتوصُّل إلى مصالحة وطنية أفغانية، وجدد الرئيس الأفغاني في دعوته القول إن هناك إجماعاً وطنياً أفغانياً حول عملية السلام، وإن القوى الإقليمية والعالم الإسلامي باتت مستعدة من أجل هذه المصالحة.
وجاءَتْ أقوال الرئيس الأفغاني في كلمة له أمام اجتماع للعلماء والشخصيات البارزة ورؤساء القبائل في ولاية بكتيكا شرق أفغانستان. وأكد الرئيس الأفغاني أشرف غني رغبة حكومته بإقامة علاقات طبيعية وسلمية مع باكستان، وأن على الحكومة الباكستانية تفهُّم ضرورة إحلال السلام في أفغانستان، وأنه سيكون لصالح باكستان كذلك.
ودعا الرئيس غني حركة «طالبان» لاغتنام الفرصة والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية، وأشار إلى أن حكومته لن تسمح بأن تكون أي جهة خارجية مسؤولة عن عملية السلام في أفغانستان، بل ستبقى بيد الحكومة الأفغانية نفسها، داعياً «طالبان» إلى إلقاء السلاح وإنهاء علاقاتهم مع القوى الخارجية، والعودة إلى حضن الوطن.
وكان مدير الاستخبارات الأفغانية، معصوم ستانكزي، أبلغ البرلمان الأفغاني أن التحقيقات الأولية حول مقتل قائد الشرطة الأفغانية في ولاية قندهار قبل أيام تظهر وقوف أجهزة استخبارات إقليمية وراء الحادث، وأن التقرير النهائي للتحقيق في الحادث سيتم نشره للشعب الأفغاني في المستقبل القريب، وقال ستانكزي إن 22 شخصاً تم توقيفهم لشبهة علاقتهم بحادثة مقتل الجنرال عبد الرزاق قائد شرطة قندهار السابق على يد أحد مقاتلي «طالبان»، الذي أصبح أحد حُرّاس حاكم قندهار زلماي ويسا.
وكان قائد استخبارات قندهار الجنرال عبد المؤمن خيل لقي مصرعه في الحادث نفسه قبل سبعة عشر يوماً، كما قُتِل في الفترة ذاتها أحد مرشحي الانتخابات الأفغانية عبد الجبار قهرمان، في مدينة لشكر جاه، مركز ولاية هلمند، بعد أن زرعت «طالبان» لغماً في مقر حملته الانتخابية. ميدانياً، أعلنت الحكومة الأفغانية مقتل عدد من مسلحي تنظيم «داعش» في غارات جوية شنّتها القوات الأميركية والأفغانية على مواقع التنظيم في ولاية ننجرهار.
وقال بيان للجيش الأفغاني إن وحدتين من الجيش الأفغاني شنَّتا هجمات في قرى توتو وده بالا مما خلَّف 15 قتيلاً من مسلحي تنظيم «داعش». وأشار بيان الجيش الأفغاني إلى مقتل اثنين من قادة التنظيم يدعيان عبدو لارا وقاري عمران، وتدمير خمسة من مخابئ التنظيم في المنطقة.
وأضاف البيان الصادر عن الجيش الأفغاني أن القوات الأميركية شنَّت غارات جوية على مناطق ده خولا ونازيان، مما أسفر عن مقتل أحد عشر من تنظيم «داعش»، وأغارت طائرات أميركية على منطقة علي شنغ في ولاية لغمان شرق العاصمة كابل، مما أسفر عن مقتل أربعة مسلحين في منطقة غولا خيل.
وكانت «طالبان» أصدرت بياناً عن عملياتها في ولاية أورزجان، حيث أشارت إلى هجمات شنَّها مقاتلو الحركة على ميليشيا يقودها أحد الموالين للحكومة الأفغانية ويدعى كماندر شجاع في ولاية أورزجان، وأن الهجمات أسفرت عن مقتل 43 من رجال الميليشيا والقوات الحكومية، بينهم خمسة من قادة الميليشيا، بعد معارك ضارية. وأشار بيان طالبان إلى غنيمة قوات الحركة كثيراً من قطع الأسلحة والسيارات العسكرية في المنطقة.
ونقلت وكالات أنباء غربية من العاصمة كابل أن اشتباكات بدأت قبل أسبوع بين مسلحي حركة طالبان ومسلحين موالين لقيادي من أقلية الهزارة الشيعية أثارت مخاوف من تنامي خطر اندلاع موجة جديدة من العنف العرقي في أفغانستان. وأسفرت الاشتباكات في إقليم ارزكان وسط البلاد عن مقتل 21 شخصاً على الأقل، وسلَّطت الضوء على مخاوف من أن الهزارة، وهم أقلية شيعية تتحدث الفارسية، الذين استهدفهم تنظيم «داعش» في الأعوام الماضية قد يحملون السلاح بسبب إحباطهم من عدم تحرك الحكومة لحمايتهم. وعلى الرغم من أن طالبان، المؤلفة بشكل أساسي من سُنّة ينتمون لعرقية البشتون، لم تستهدف الهزارة بشكل مباشر من قبل وأرسلت رسائل تطمين للأقلية الشيعية في أفغانستان بعد عدد من الهجمات التي شنَّها تنظيم «داعش» على مراكز تابعة للطائفة في كابل وغيرها من الأماكن في أفغانستان، فإن مسؤولين يخشون من تطور العنف إلى صراع عرقي.
وقال أمير محمد باريكزاي رئيس المجلس المحلي في ولاية أورزجان: «القتال محتدم جداً، ويتحول الآن لمسألة عنف عرقي بين الهزارة والبشتون... على الحكومة أن ترتب هدنة بينهما، وإلا فستقع مذبحة».
وذكر مسؤولون محليون أن أعمال العنف الأخيرة بدأت عندما شنَّ مسلحون من «طالبان» هجوماً على مجموعة من قرى الهزارة النائية في إقليم ارزكان، بعد أن رفضوا دفع ضرائب للمسلحين. ولقي قائد الهزارة حكيم شجاعي مصرعه في الاشتباكات، وكان قائداً سابقاً لقوة شرطة محلية تمولها الولايات المتحدة، وواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وصدرت بحقه مذكرة اعتقال من الحكومة المركزية التي تواجه صعوبات في فرض سلطتها على المناطق النائية من البلاد.
ويقول مسؤولون محليون إن شجاعي قاد مئات من المسلحين، وكان طليقاً بمساعدة شخصيات سياسية نافذة في كابل، قبل أن تتمكن قوات طالبان من قتله مع مجموعة من أفراد الميليشيا التابعة له. وقال أسد الله سيد حاكم الإقليم إن القتال اندلع بين جماعتين مسلحتين في ثلاث قرى، الأسبوع الماضي، وإن القوات الحكومية انتشرت لوقف العنف. وقدر أن عدد القتلى هو 21 لكن مسؤولاً أمنياً قال إن 43 شخصاً قُتِلوا حتى الآن من الجانبين، وأُصيبَ عدد أكبر بكثر فيما اضطرت نحو 300 أسرة للفرار من المنطقة.
وكانت قوات طالبان شنَّت هجمات على منطقة أخرى في ولاية فارياب، حيث أشار بيان للحركة إلى سيطرة قواتها على القاعدة العسكرية في بلدة فيض آباد في مديرية شيرين تاغاب بولاية فارياب الشمالية.
على صعيد آخر، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الضابط الأميركي الذي قُتِلَ السبت في العاصمة كابل هو عمدة بلدة أوتاه في الولايات المتحدة. وقالت صحيفة «سالت ليك تريبيون» وعدد من وسائل الإعلام الأميركية إن الضابط انضم للقوات الأميركية، وقُتِل في كابل بعد أن أطلق شرطي أفغاني النار عليه. ويبلغ الضابط الأميركي، ويُدعى تايلر 39 عاماً، وانتقل إلى العمل مع القوات الأميركية في يناير (كانون الثاني) من هذا العام مع وحدة من الحرس الوطني في أوتاه.
وكانت قوات الناتو في أفغانستان قالت قبل يومين إن أحد أفراد القوات الأميركية قُتِل وأصيب آخر في إطلاق نار من القوات الأفغانية داخل أحد المعسكرية في العاصمة كابل، وأن التقارير الأولية أفادت بأن مطلق النار هو أحد أفراد القوات الحكومية الأفغانية وقُتِل على الفور من قبل زملاء آخرين له في القوات الأفغانية. ونُقِل الجندي الأميركي المصاب إلى قاعدة بجرام الجوية حيث وُصِفت حالته بالمستقرة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...