التحالف العسكري بين طوكيو ونيودلهي في مواجهة التمدد العسكري لبكين

يمكّن الهند من استخدام قاعدة عسكرية يابانية في جيبوتي التي تحوي قاعدة صينية

مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
TT

التحالف العسكري بين طوكيو ونيودلهي في مواجهة التمدد العسكري لبكين

مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)

تنشئ كل من الهند واليابان تحالفاً عسكرياً جديداً ووثيقاً بغيةَ موازنة توسّع المصالح الاستراتيجية الصينية في منطقة الهند والمحيط الهادي. وللمرة الأولى على الإطلاق، تجري القوات البرية اليابانية المناورات مع نظيرتها الهندية في الكلية الهندية لمكافحة التمرد خلال الشهر المقبل.
وقبل أسبوعين فقط، أجرت اليابان مناورات بحرية ثنائية مع الهند، وهي وفق المحللين من الإشارات الواضحة على الطفرة التي تشهد العلاقات الدفاعية بين البلدين إضافة إلى الجهود المتواصلة المبذولة من كلتا الحكومتين للعمل عن كثب بهدف تعزيز أمن وسلامة منطقة الهند والمحيط الهادي.
وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد عقد في الآونة الأخيرة قمة مع نظيره الياباني شينزو آبي على غرار القمة التي عقدها من قبل مع نظرائه في كل من روسيا والصين خلال العام الحالي. وكان رئيس الوزراء الياباني، الذي وصف نظيره الهندي بقوله: «أكثر الأصدقاء الموثوقين»، قد استضاف مودي في فيلا خاصة تقع بالقرب من بحيرة كاواغوشي في إقليم ياماناشي، في حفل عشاء خاص، وهو امتياز لم يحظَ به من قبل أي ضيف أجنبي على الدولة اليابانية، الأمر الذي يؤكد على الصلة الوثيقة التي تربط بين الزعيمين الكبيرين. كما قام الزعيمان أيضًا بزيارة إلى أحد المصانع اليابانية مستقلين القطار معاً. وخلال القمة التي شهدها عام 2017، استقبل مودي نظيره الياباني في مدينة أحمد آباد الهندية باحتفاء شعبي كبير على طول الطريق، بالإضافة إلى زيارات خاصة إلى المواقع التاريخية.
ووفقاً للصحافي الهندي هارش بانت: «من النادر أن نشهد ذلك التقارب الاستراتيجي بهذه الدرجة الوثيقة بين أي دولتين على مستوى العالم. ولقد بنى كل من مودي وآبي على هذا التقارب مستغلين العلاقات الشخصية الوثيقة فيما بينهما. وتعتبر الهيمنة الصينية في منطقة المحيط الهندي، وما وراءها، المحفز الحقيقي لهذا التقارب الوثيق والدافع إلى إقامة علاقات الدفاعية الراسخة. ومع حالة التوتر الراهنة التي تخيِّم على أفق المشهد الاستراتيجي في منطقة الهند والمحيط الهادي، فمن الضروري على البلدين الكبيرين مواصلة العمل الوثيق معاً كدولتين ديمقراطيتين رئيسيتين في المنطقة. وبصرف النظر عن صياغة توازن القوى الإقليمي في المنطقة، سوف يتعين عليهما الاضطلاع بالأعباء اللازمة لتشكيل البنية المعيارية والمؤسسية فيها».
وعلى الرغم من حقيقة أن العلاقات الهندية - اليابانية المتنامية على مر السنوات الماضية كانت مرتبطة بالأساس بمواجهة المد الصيني الاقتصادي والسياسي في قارة آسيا، فإن المباحثات الأخيرة بين مودي وآبي سبقتها زيارة رسمية لرئيس الوزراء الياباني لبكين، وهي الأولى له منذ سبع سنوات بهدف إزالة حالة التوتر بين البلدين بسبب خلال على جزر والتوسع العسكري في منطقة الهند والمحيط الهادي، وتاريخ الحرب العالمية الثانية.
يقول خبراء الشأن الآسيوي إن آبي، كان يجري توازناً دقيقاً للأمور في تلك المنطقة، ويعمل على تحسين العلاقات مع الصين مع المحافظة في الوقت ذاته على العلاقات الثنائية مع الهند. وقال آبي في المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعه بمودي عقب المحادثات الرسمية في طوكيو: «إن العلاقات القوية بين اليابان والهند هي الأساس الراسخ الذي سوف يدعم هذه المنطقة في المستقبل».

- نمو العلاقات الدفاعية الهندية اليابانية
تُعدّ الهند من الدول الرئيسية التي تواصلت معها اليابان بهدف تشكيل الشراكة الدفاعية الثنائية. إذ تسعي طوكيو إلى توسيع مجال التعاون العسكري لما هو أبعد من تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة الأميركية في ظل الوجود العسكري الصيني المتزايد في المنطقة.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذ التعاون الأمني بين الجانبين عدة خطوات مهمة؛ إذ تعقد نيودلهي وطوكيو حواراً سنوياً على مستوى الوزراء، وحوارَ مستشاري الأمن القومي وحوار السياسات الدفاعية المشترك، ومحادثات موظفي الأجهزة الأمنية لدى البلدين.
كما قررت قيادة البلدين تعزيز العلاقات في هذا المجال من خلال تحسين المعدات الدفاعية والتعاون التكنولوجي في مجالات عدة تشمل المراقبة والاستطلاع وتقنيات الأنظمة الآلية، وأنظمة الروبوتات.
وقال الصحافي سوميت كومار معلقاً: «بالنسبة إلى اليابان، من شأن نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى الهند أن يُعدّ بمثابة تحسين لصورتها الدولية كمزود موثوق به للأسلحة والتكنولوجيات الدفاعية. ويمكن الوقوف على ذلك من واقع تصريحات هيراماتسو السفير الياباني إلى الهند، التي جاء فيها أن بلاده قد استجابت بكل إيجابية حيال مشروع تطوير الغواصات الهندية المستمر، وهي حريصة على مزيد من التعاون مع نيودلهي في هذا المجال. وفي الماضي، كانت اليابان يساورها قدر من التردد بشأن توفير التكنولوجيا الدفاعية إلى الخارج. ولكن التوقيع المقترح على اتفاق بشأن الوعي المشترك بالمجال البحري بين البلدين أثناء زيارة مودي إلى اليابان قد أضاف بعداً جديداً للروابط الدفاعية بين الهند واليابان، على اعتبار موقف اليابان كرائد دولي في مجال الحرب ضد الغواصات والعتاد البحري المتطور».
ومن التطورات الأخرى المعنية بالتبادل العسكري بين الجانبين تأتي اتفاقية الاستحواذ والتدريب متعدد التخصصات المقبلة، التي من شأنها السماح بتقاسم الإمدادات والذخائر بين الجيشين كوسيلة من أهم وسائل تعزيز العمق الاستراتيجي للتعاون الدفاعي والأمني المشترك. وكانت الهند قد وقَّعت على اتفاقيات مشابهة مع قوى أخرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، ومن المهم توسيع نطاق الوجود الهندي في منطقة الهند والمحيط الهادي الكبير.
ووفقاً لبنود الاتفاقية، سوف يتمكن الجيش الهندي من استخدام المرافق العسكرية في اليابان، بما في ذلك القاعدة العسكرية اليابانية في جيبوتي. وبصرف النظر عن الولايات المتحدة واليابان، أقامت الصين أيضاً قاعدتها العسكرية الخاصة في جيبوتي خلال العام الماضي، التي توجَد في مكان وسيط بين خليج عدن والبحر الأحمر، وبالتالي فهي تتخذ موقعاً طبيعياً مطلّاً على الممر البحري بالغ الحيوية والأهمية لمختلف القوى الدولية.
ولطالما كانت الهند حريصة ومنذ فترة طويلة على تأمين موطئ قدم لها في جيبوتي في ظل الأهمية الجيو - استراتيجية لتلك الدولة الصغيرة، ومحاولات الصين المستمرة لتحويلها إلى «لؤلؤة» أخرى من لآلئ سياساتها الرامية إلى تطويق الهند.
وتأتي الاتفاقية الهندية اليابانية الأخيرة في وقت تزيد اليابان فيه من قدراتها الدفاعية. ولقد عززت في السنوات الأخيرة من علاقاتها الدفاعية مع أستراليا، ونيوزيلندا، والفلبين، ودول آسيوية أخرى في المحيط الهادي.

- الدستور الياباني يحد من التوسع العسكري الخارجي
يحدد الدستور الياباني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الأعمال العسكرية بالأعمال الدفاعية فقط، وينص صراحة على أن «القوات البرية، والبحرية، والجوية، فضلاً عن الإمكانات الحربية الأخرى، عليها أن تبقى ضمن مفهوم الدفاع عن البلاد». غير أن هذه القيود الدستورية قد صارت غامضة التفسير بشكل متزايد، مع احتفاظ اليابان بما يعتبر المرتبة الخامسة من تقييم أفضل جيوش العالم، الذي بات يواجه تحديات الأسلحة المتقدمة من الخصوم التقليديين مثل كوريا الشمالية والصين منذ أمد بعيد. وفي ضوء هذه التحديات القائمة، وضع آبي هدفاً استراتيجياً لعام 2020 بتعديل الدستور الياباني للاعتراف بالقوات المسلحة الوطنية في البلاد.
وسلطت الورقة الدفاعية اليابانية البيضاء الصادرة في أغسطس (آب) الأضواء على المخاوف بشأن الصين في تلك البيئة الأمنية دائمة التغير. وفي ظل وجود ما يقارب 50 ألف جندي أميركي في اليابان، كانت الولايات المتحدة الركن الركين للدفاع عن البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. ووفقاً لتقارير كيودو الإخبارية، شرعت طوكيو في نشر وحدات الصواريخ في جزيرة ايشيغاكي. وهناك خطط قيد التطوير بشأن نشر 500 إلى 600 جندي ياباني هناك قبالة المياه الإقليمية التي تشهد تحركات السفن الحربية الصينية التي اعترضتها القطع البحرية اليابانية في مياهها الإقليمية في أكثر من مناسبة.
ووجهت القيادة الصينية الانتقادات للحكومة اليابانية بشأن الابتعاد عن الدستور السلمي الياباني الذي اعتمدته البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وتنظر القيادة الصينية إلى آبي بوصفه قائداً عسكرياً يميل إلى النزعة الحربية، وسياسياً رجعي الآيديولوجية، وزعيماً سياسياً يحمل أجندة قومية مناهضة للصين.

- الصين والتوازن الاستراتيجي الآسيوي
على الرغم من تصريحات آبي العلنية التي تشير إلى ضرورة إقامة علاقات جيدة مع الصين، فقد اتخذ جملة من الخطوات التي من شأنها ضمان أن تطلعات الهيمنة الصينية لا تعصف بالتوازن الاستراتيجية في القارة الآسيوية. وهذا هو السبب الرئيسي في الجهود التي يبذلها من أجل زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد وإقامة التحالفات الاستراتيجية مع دول الجوار، بما في ذلك الهند.
والأمر الأكثر إثارة لمخاوف اليابان المحاولات الصينية المستمرة لبسط الهيمنة الكاملة على بحر الصين الشرقي، والمطالبة بجزر سينكاكو غير المأهولة بالسكان في اليابان. وفي وقت سابق من العام الحالي، أرسلت الصين غواصة نووية هجومية رفقة فرقاطة حربية إلى الجزيرة مما اعتُبِر انتهاكاً لوحدة الأراضي اليابانية. ومن شأن السيطرة على هذه الجزر أن تؤدي إلى توسيع الحدود البحرية الصينية بصورة كبيرة وتقليص الحدود اليابانية. وكانت القوات الجوية الصينية تجري طلعات اختبارية لليابان من خلال اختراق المجال الجوي الياباني بصورة منتظمة.
وضمن هذا السياق، تحاول الهند واليابان التفاعل مع رابطة دول جنوب آسيا، بما في ذلك فيتنام وإندونيسيا. ويعتقد المحللون الأمنيون أن الهند واليابان سوف تدعمان القدرة البحرية لفيتنام لمواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي، حيث تخوض فيتنام نزاعاً إقليمياً مع الصين. وتقول الخبيرة المستقلة في شؤون الأمن والمخاطر السياسية، إنديرانيل بانرجي: «مع ازدياد نزعة الحزم والعداء الصينية، تتزايد حاجة آسيا إلى التوازن الاستراتيجي المعاكس. ويقف استقلال كل البلدان الآسيوية تقريباً على المحك. كما تخلت اليابان عن مقاومتها التقليدية لفكرة التعاون العسكري الخارجي مع أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة. ويعتقد خبراء الاستراتيجية في اليابان أن الهند بوسعها أن تنمو لتكون قوة بحرية كبيرة وقادرة على حماية الممرات البحرية في منطقة المحيط الهادي».
وقال السفير الياباني السابق في الهند ياسوكوني إنوكي: «يعتمد أمن الطاقة الياباني على الأسطول الهندي. وهناك ممرات بحرية مهمة للغاية في المحيط الهندي. وليس لدينا سوى القوات البحرية الهندية التي يمكننا الوثوق بها. والقوات البحرية الأخرى في المنطقة ليست محل ثقة كبيرة لدينا. وبالنسبة لأمن الطاقة اليابانية، فإن هناك حاجة ماسة إلى توثيق العلاقات مع الهند».
ويرغب كلا البلدين في صياغة نظام إقليمي مبني على القواعد. ومع ذلك، لا توجد دولة حريصة على استعداء الصين. ومع التعامل الكبير الذي يجمع بين اليابان والصين على الصعيد الاقتصادي، فإن الصين هي أكبر شريك تجاري لدى اليابان.
أما بالنسبة إلى نيودلهي، وعلى الرغم من تحذيرها من حركة القوات البحرية الصينية في المحيط الهندي، فإنها تعلِّق أهمية خاصة على علاقاتها مع الصين، التي تُعد أكبر شريك تجاري لديها. وتتعاون الهند مع الصين باعتبارها من الدول الأعضاء في مجموعة «البريكس» الدولية الناشئة، وهي عضو منضمّ على نحو رسمي في منظمة شنغهاي للتعاون اعتباراً من العام الماضي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...