النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

ألمانيا على أبواب إعادة رسم خريطتها السياسية

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل
TT

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

النكسات الانتخابية... تنذر بنهاية «عصر» ميركل

«أنا لم أولد مستشارة»، قالت أنجيلا ميركل وهي تعلن أنها لن تترشح مرة جديدة لزعامة حزبها. وحقاً، فإن طموح ميركل السياسي لم يبدأ إلا حين أصبحت في منتصف الثلاثينات. وحتى عندما دخلت عالم السياسة، فعلت ذلك مصادفة أكثر منها تقصداً. قبل ذلك كانت ميركل باحثة في علوم الفيزياء، وهو الاختصاص الذي اختارته في الجامعة. ولكن رغم تأخرها في بدء مسيرتها السياسية، أثبتت على مر السنين قدرة فريدة على إزاحة أعدائها واحتوائهم ما سمح لها بالصمود 18 سنة في زعامة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي».
لم تتردد ميركل في بداية مسيرتها بالانقلاب حتى على «مرشدها» المستشار السابق هيلموت كول الذي كان يناديها «ماين ميدشن»، أي «فتاتي الصغيرة»، وكان هو من منحها فرصة الانطلاق في عالم السياسة عندما عينها واحدة من نوابه عام 1991. ولكن بعد 8 سنوات انقلبت «الفتاة الصغيرة» على كول عندما واجه اتهامات بالفساد بعدما تبين أنه قبل تبرّعات غير قانونية. يومذاك رأت ميركل فرصة للتقدم ولم تتردد لحظة باستغلالها، وهكذا، تحوّلت خلال سنوات قليلة من «فتاة كول» إلى «موتر» - أو «ماما» - البلاد بأكملها. والآن، بعد مضي نحو 13 سنة تولّت فيها الحكم بات على ألمانيا أن تواجه مستقبلها من دون «الموتر». فمتى سيبدأ هذا المستقبل؟ وكيف سيكون؟

منذ عدة سنوات والصحافة الألمانية تتحدث عن «بداية نهاية ميركل». كلما واجهت المستشارة هزّة صغيرة أو جابهها تمرّد أو وجدت صعوبة في تحقيق مبتغى ما، كانت الصحافة تمتلئ بتحليلات تتنبأ بقرب خروجها من السلطة. غير أن أنجيلا ميركل، في كل مرة، كانت تخرج منتصرة... مع أن سطوتها كانت تضعف مع كل هزّة وتذبل بعد كل تمرّد.
طبعاً، لم يساعد تراجع حزب المستشارة، حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» (يمين معتدل)، خلال الفترة الأخيرة في إعادة ثقة حزبها بها. فالانتخابات المحلية الأخيرة في ولايتي هيسن (التي تضم مدينة فرانكفورت المهمة مالياً) وبافاريا (أكبر معاقل اليمين في الجنوب) كانتا طوق النجاة الأخير الذي كانت تأمل ميركل أن يحميها من قرب نهايتها. ولكن الخسائر الكبيرة التي مني بها حزبها في هيسن والحزب «الشقيق»، «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، الحاكم في بافاريا، جعلا استمرارها ضرباً من المستحيل.

- مستشارة... لا زعيمة
وهكذا، أمام الضغوط الداخلية، اضطرت ميركل للإعلان أخيراً عن التنحي عن زعامة الحزب. لكنها بقيت متمسكة بمنصبها بقيادة الحكومة حتى نهاية ولايتها الدستورية الرابعة عام 2021. وهذه سابقة كانت ميركل نفسها قد رفضتها في الماضي. وللعلم، مع أن القانون لا يشترط أن يكون المستشار زعيم حزبه، جرت العادة على ذلك لتسهيل الحكم وتجنب أي شرخ محتمل داخل الحزب الحاكم.
في هذا الصدد، اعترفت ميركل عندما خرجت أمام الصحافيين لإعلان قرارها، بأنها تتراجع عن تعهداتها السابقة. لكنها مع ذلك بررت قرارها بأنه الأفضل للبلاد «لأنه سيتيح لها قيادة الحكومة من دون الانشغال بمشكلات الحزب».
لم تبدُ حزينة أو متوترة أو منفعلة وهي تعلن انسحابها التدريجي من الحياة السياسية. أبداً، كانت هادئة وبراغماتية كعادتها... بل، بدت حتى واثقة من قدرتها على إكمال ولايتها، وإن كان خليفتها المحتمل في زعامة الحزب شخص على النقيض منها. وقالت عندما سُئلت عن ذلك: «لديَّ القدرة على العمل مع أي كان... أعتقد أن هذا معروف عني وإلا لما كان بإمكاني أن أقود حكومات ائتلافية». إلا أن هذه الثقة بالنفس التي حرصت ميركل على إظهارها، قد لا تكون كافية أو نافعة هذه المرة لتكسب جولة جديدة. ذلك أن اثنين من المرشحين لخلافتها على رأس الحزب يُعدّان من أشد منتقديها.

- مستشارون محتملون
المرشح لخلافة ميركل هو فريدريش ميرز الذي كان من نجوم الحزب، ولكن ميركل دفعته لترك الحياة السياسية عام 2009، والثاني يانس شبان وزير الصحة في حكومتها الذي لا يتورّع عن انتقادها علناً.
حتى الآن أعلن الرجلان ترشحهما إلى جانب أمينة عام الحزب أنيغريت كرامب - كارينباور، المعروفة بـ«أ ك ك»، التي تعتبر المرشحة المفضلة لميركل، مع أن الأخيرة أحجمت عن إعلان دعمها أي مرشح.
بعض المحللين في ألمانيا يربطون، في الواقع، قدرة ميركل على إكمال عهدها بهوية الزعيم الجديد للحزب. ويعتقد المحلل السياسي كريستيان كاستروب من معهد «برتلسمان شتيفتونغ» في العاصمة برلين، أن ميركل قد تكون قادرة على إكمال عهدها في حال انتخب الحزب كرامب - كارينباور لقيادته، ولكنه شكك، خلال اتصال مع «الشرق الأوسط»، في قدرتها على الاستمرار بالحكم في حال فاز ميرز أو شبان، مرجحاً أن يؤدي فوز أحدهما للدعوة إلى انتخابات مبكرة مطلع العام المقبل.
آخرون يرون أن العقبة الرئيسية أمام إكمال ميركل عهدها لن يكون الزعيم الجديد للحزب، بل تطوّرات أخرى. إذ ترى البروفسورة أورسولا مونش مديرة أكاديمية التربية السياسية في ميونيخ، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن خسارة كرامب - كارينباور السباق على الزعامة «سيصعّب حتماً مهمة ميركل... لكنني أعتقد أن ميركل عندما قرّرت الاستقالة من زعامة الحزب، وضعت في حسبانها احتمال فوز شخص مثل ميرز أو شبان، وارتأت أن بإمكانها أن تأخذ هذه المخاطرة لأنها ستكون محددة بفترة زمنية معينة، وأيضاً لأنها تعلم بأنه سيكون من الصعب جداً إجبارها على مغادرة منصبها بسبب محاذير دستورية».

- تهديدات لـ«عهدها الرابع»
عنصران آخران، بحسب مونش، يهددان بوقف مسيرة ميركل قبل العام 2021، هما: أولاً، نتائج أخرى سيئة لحزبها في الانتخابات المحلية العام المقبل. وثانياً، قرار شريكها في الائتلاف الحكومي، «الحزب الديمقراطي»، الانسحاب من الحكم. تقول مونش: «في حال مُني (الاتحاد المسيحي الديمقراطي الاجتماعي) (الاشتراكي) بخسائر كبيرة، كما حصل في هيسن، في انتخابات محلية جديدة... عندها ستتعرّض ميركل لضغوط كبيرة مرة أخرى، وعندها لن تتمكن من توجيه اللوم إلى زعيم الحزب الجديد بمفرده، بل قد تضطر للاستقالة تحت وطأة الضغوط المتزايدة».
وعلى الأرجح، سيواجه «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» خسائر كبيرة إضافية العام المقبل في الانتخابات المحلية بولايتي سكسونيا وبراندنبورغ (شمال شرقي ألمانيا) وهي مقررة في سبتمبر (أيلول) 2019. وتشير الاستطلاعات في الولايتين إلى تقدّم كبير لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرّف، إذ يتفوّق على حزب ميركل في براندنبورغ - المحيطة بالعاصمة برلين - مع الإشارة إلى أن هذا الحزب المتطرّف يتمتّع بشعبية مرتفعة في ولايات شرق ألمانيا، عموماً، حيث يحلّ أولاً في عدد كبير منها. السيناريو الثاني الذي قد يدفعها لاستقالة مبكرة هو انفراط حكومتها. وفي هذه الحالة، حسب مونش، سيكون على ميركل التنحي وإفساح المجال لزعيم الحزب الجديد لقيادة البلاد.

- تراجع اليسار المعتدل
هذا الاحتمال ما زال يناقشه اشتراكيو الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد نتائجه الكارثية في انتخابات هيسن وبافاريا. ورغم أن زعيمة الحزب أندريا ناهليس رفضت الانسحاب فوراً من الحكومة، وقدمت ورقة تتضمن مطالب الحزب دعت لتحقيقها خلال مهلة زمنية، فإن الأصوات المطالبة بالخروج من الائتلاف، وحتى استقالة ناهليس ما زالت مرتفعة. ويعتقد المحلل السياسي كاستروب بأن على «الاشتراكيين» لإنقاذ أنفسهم «الانسحاب من الحكومة بأسرع ما يمكن». وهنا، يُذكر أن «الاشتراكيين» شاركوا في حكومات ميركل المتعاقبة رغم أن الحزب يساري، بينما حزب ميركل يميني. ولكنهم، اضطروا طوال السنوات الماضية إلى تقديم تنازلات للبقاء في الحكم أغضبت قطاعاً من مناصريهم يرى أن الحزب فقد هويته.
ووفق كاستروب، «على (الاشتراكيين) الجلوس في صفوف المعارضة وإعادة تقييم أدائهم وتحديد مبادئ حزبهم لأنهم فقدوا هويتهم تماماً».
وبالفعل، تحول عدد كبير من الناخبين «الاشتراكيين» السابقين إلى حزب «الخضر» الذي حقق مكاسب واسعة في انتخابات هيسن. ويرى البعض أن مشاركتهم في الحكومة الرابعة لميركل كان خطأ فاقم خسائرهم. ولذا يعتقد كاستروب أنه «كان عليهم البقاء في المعارضة ودعم حكومة أقلية... لكنهم أرادوا السلطة ولم يريدوا دعم حكومة من دون الحصول على ميزات. وهذا كان خطأ». ثم يشير إلى أن «الاشتراكيين» ربما مرّروا الكثير من القوانين الجيدة طوال فترة مشاركتهم في الحكم «لكن بعض مناصريهم لم يروا الأمر بهذا الشكل، وغالباً ما كان الفضل فيها يعود لحزب ميركل لأنها ترأس الحكومة».

- انتخابات مبكّرة
ومن ثم، يتوقع الباحث في معهد «بارتلسمان شتيفتونغ» أن تكون «نهاية» ميركل السياسية أقرب من قريب جداً. كذلك يتوقع انتخابات مبكرة مطلع العام نتيجة مباشرة لانتخاب «الديمقراطيين المسيحيين» ميرز أو شبان زعيماً لهم، مستبعداً فوز كرامب - كارينباور بالزعامة لأنها «نسخة عن ميركل»، كما يقول. وحقاً، تتقارب سياسات المرأتين كثيراً. ولم تبدِ أمينة عام الحزب أي معارضة تذكر لأي من سياسات ميركل، مع أنها بدأت تشدد موقفها أكثر تجاه الهجرة لمحاولة الفوز بزعامة الحزب. ثم إن كونها امرأة قد لا يلعب أيضاً في صالحها. فـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي» ما زال «حزباً ذكورياً»، حسب وصف كاستروب. وبعد 18 سنة من قيادته على يد امرأة «قد يكون (المحافظون) فيه راغبين بالتصويت لرجل هذه المرة».

- سبب آخر مهم
ولكن أهم من ذلك، فإن «موضعة» ميركل حزبها المحافظ في مواقع قريبة من اليسار، خصوصاً بالنسبة لسياسات الهجرة، سيدفع بالكثيرين للتفكير بضرورة إعادة الحزب نحو اليمين باختيار مرشح على يمين ميركل... وهذا يعني أحد الرجلين، أي ميرز أو شبان. ويمكن اعتبار شبان «أكثر يمينية» مقارنة بميرز.
فوزير الصحة الشاب لا يتورع عن انتقاد سياسات الهجرة التي اعتمدتها ميركل، ويصف قرار المستشارة «فتح الأبواب للاجئين» بأنه السبب الأساسي لخسارة الحزب لشعبيته.
أيضاً، صغر سن شبان (39 سنة) قد يلعب لصالحه لجهة كسب أصوات الشباب في الحزب، لا سيما من يبحثون عن تمثيل لهم. وهنا يقول كاستروب إن شبان سيكون «قادراً على نقل الحزب للجيل الجديد لأنه شاب ويمكن أن يشكلوا رابطاً معه». ولكن «مثلية» شبان الجنسية قد تلعب ضده. فهو لا يخفي هويته الجنسية بل إنه تزوّج من صديقه. ووفق كاستروب «داخل حزب محافظ قد يشكل هذا عقبة أمام تقدّمه أكثر... إنه موضوع حساس، وأعتقد أن كثيرين، خصوصاً من التقليديين داخل الحزب، لن يصوّتوا له لهذا السبب، لكنهم بالطبع لن يكشفوا أنه سبب موقفهم».

- المرشح الأوفر حظاً
وعليه، يبرز بين المرشحين ميرز، رجل الأعمال الثري، الذي يتصدّر استطلاعات الرأي حتى الآن. وهو رغم غيابه عن الساحة السياسة نحو 9 سنوات، يبدو أنه ما زال يتمتع بشعبية كبيرة داخل حزبه، ويحظى أيضاً بتأييد ممثلي الأعمال.
الرجل الذي يعتبر من جيل ميركل نفسه، كان أحد نجوم «الديمقراطيين المسيحيين»، وبدأ صعوده في الوقت نفسه الذي بدأ نجم ميركل يسطع. غير أن الأخيرة تفوّقت عليه، أولاً عام 2002 عندما أخذت منصبه زعيماً للأغلبية البرلمانية، والثاني عام 2009 عندما دفعته لترك العمل السياسي كلياً والاتجاه للعمل مستشاراً لشركات كبرى، أهمها شركة «بلاك روك» المعروفة بـ«الحوت المالي» بفرعها الألماني، التي يرأس مجلسها الاستشاري، إضافة إلى شركة «أكسا» للتأمين ومصرف «إتش إس بي سي» البريطاني من بين غيرها. الرصيد المالي الذي جمعه ميرز طوال هذه السنوات يجعله المرشح المفضل للأعمال.
ولكن هذه الرصيد نفسه قد يلعب ضده أيضاً، إذ يقول كاستروب «لديه نقطة سوداء تتمثل بثروته وعمله مع (بلاك روك)... لا ندري ما الذي قد يتكشف».
أما مونش، من أكاديمية التربية السياسية في ميونيخ، فتعتبر أن ميرز «أشبه بشاشة تعكس أفكار كل الذين تركوا الحزب بخيبة أمل في السنوات الـ15 الماضية بعدما تغير برنامجه بشكل كبير». لكنها تضيف أن ميرز يبدو أيضاً «قديم الطراز بالنسبة للذين يعتبرون بأنه من المهم أن يتطوّر الحزب ليعكس تطور المجتمع». وتشير إلى أن شبان يمكنه أن يشكل رابطاً مع جناح الشباب في الحزب أفضل من ميرز البالغ من العمر 62 سنة.
ومع ذلك تعتقد مونش بأن ميرز هو المرشح المفضل لدى الحزب بشكل أساسي بسبب ملفه الاقتصادي القوي. وترى أن «الديمقراطيين المسيحيين» يأملون أن يعطي ميرز الحزب برنامجاً عملياً واضحاً. وترى أن تنازل شبان عن الترشح لصالحه قد يعطيه دفعاً أقوى، ويمنحه تقدماً واضحاً على كرامب - كارينباور.

- المستقبل من دون ميركل
مهما قرر حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» في مؤتمره في هامبورغ في 7 ديسمبر (كانون الأول)، فإن ألمانيا تستعد لطي صفحة ميركل قريباً مع كل ما يحمل ذلك من تغيرات في شكل الحياة السياسية في المستقبل. فحكمها الطويل وقراراتها التي جرت الحزب نحو اليسار أكثر من اليمين، أبعدت الكثير من الناخبين، ورمت بالكثير منهم في أحضان الحزب اليميني المتطرف «البديل لألمانيا» الذي بات الحزب الأول في الولايات الشرقية الشيوعية سابقاً.
وبحسب البعض، فإن هذا الحزب الشعبوي المتطرف سيستمر بالصعود تدريجياً حتى لو رحلت ميركل. ويرجح كاستروب أن «البديل لألمانيا» سيدخل الحكومة الاتحادية شريكاً ائتلافياً في السنوات القليلة المقبل إذا ما نجح «بعزل العناصر الفاشية» فيه. ويعتقد أن «الديمقراطيين المسيحيين» قد يجربون الحكم مع «البديل لألمانيا» على صعيد محلي في ولاية ما قبل أن ينقل حلفه معه إلى الحكومة الاتحادية.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.