أنجيلا ميركل... «الداهية البراغماتية»

أنجيلا ميركل تتحدث في مقر الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين (أ. ف. ب)
أنجيلا ميركل تتحدث في مقر الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين (أ. ف. ب)
TT

أنجيلا ميركل... «الداهية البراغماتية»

أنجيلا ميركل تتحدث في مقر الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين (أ. ف. ب)
أنجيلا ميركل تتحدث في مقر الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين (أ. ف. ب)

أخيراً قررت المحارِبة الاستراحة. المرأة التي وصفها كثر بأنها "داهية" وتحسن الصمود وتجاوز الأزمات، وبأنها أقوى قائد في أوروبا، هزمتها الانتكاسات الانتخابية المتعاقبة، واهتزاز الاتحاد الأوروبي بسبب الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تحملت ألمانيا العبء الأكبر فيها وقرار بريطانيا الخروج وإدارة الظهر للقارة.
طبعا ارتكبت أنجيلا ميركل أخطاء خلال مسيرتها السياسية، لكن الخطأ الذي يرى كثر من حلفائها وخصومها أنه وجّه إليها ضربة قاصمة، كان قرارها عام 2015 فتح حدود بلادها في ذروة أزمة الهجرة والسماح لأكثر من مليون لاجئ بدخول ألمانيا. فقد هزّ هذا الأمر أركان المجتمع وأدى في ما أدى إليه إلى حالة استقطاب وتنامي قوة اليمين المتطرف حتى أصبح حزب "البديل من أجل ألمانيا" أكبر حزب معارض في البرلمان الاتحادي، وصاحب وجود وازن في برلمانات كل الولايات الألمانية.
قررت ميركل عدم الترشح لزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وعدم السعي إلى ولاية خامسة بعد انتهاء ولايتها كمستشارة عام 2021، حين تكون قد بلغت السابعة والستين. ولعله من المفيد التذكير بأن الديمقراطيات الغربية لا تستسيغ الحياة السياسية الطويلة إلا في حالات استثنائية، مثل شارل ديغول في فرنسا ومارغريت ثاتشر في بريطانيا. والتاريخ الحديث يخبرنا أن على القادة في أوروبا تحديداً الانسحاب في الوقت المناسب حفاظاً على المنجزات والرصيد.
في أي حال، ومهما حصل وسيحصل في السنوات الثلاث المقبلة، تبقى أنجيلا ميركل صفحة استثنائية في كتاب السياسة العالمية عموماً والأوروبية خصوصاً، بالنظر إلى نشأتها وقصة صعودها، والتحديات الكثيرة والكبيرة التي واجهتها.

*من هي؟
هي أنجيلا دوروثي كازنر، المعروفة باسم أنجيلا ميركل، ولدت في هامبورج بألمانيا الغربية في 17 يوليو (تموز)1954. ابنة القس البروتستانتي اللوثري هورست ومدرّسة اللغتين الإنجليزية واللاتينية هيرليند.
نقل هورست عائلته التي ضمت ولدين آخرين هما ماركوس وآيرين إلى شرق ألمانيا لمتابعة دراساته اللاهوتية والعمل في كنيسة هناك، فنشأت ميركل في منطقة ريفية شمال برلين في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) آنذاك. درست الفيزياء في جامعة لايبزج، وحصلت على الدكتوراه عام 1978. وعملت بعد ذلك ككيميائية في المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية - أكاديمية العلوم من 1978 إلى 1990.
عام 1977 تزوجت أنجيلا من طالب الفيزياء أولريتش ميركل، واستمر الزواج حتى عام 1982. زوجها الثاني والحالي هو خبير الكيمياء يواخيم زاور الذي بقي إلى حد كبير خارج دائرة الضوء. وكسابقه، لم يثمر هذا الزواج الذي تم عام 1998 أبناء، لكنّ لزاور ولدين من زواج سابق.
تُعرف أنجيلا، التي احتفظت باسم عائلة زوجها الأول، بشغفها بكرة القدم. ومن المعروف أنها تستمع إلى مجريات بعض المباريات خلال وجودها في البرلمان (البوندستاغ)، وتحضر معظم مباريات المنتخب الوطني "مانشافت".
وتُعرف ميركل أيضاً بخوفها من الكلاب الناجم عن هجوم كلب عليها عام 1995. وربما تعمّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يصطحب كلبه من نوع "لابرادور" إلى أحد المؤتمرات، زاعماً لاحقاً أنه لم يشأ إخافتها، لتردّ عليه السيدة التي تجيد الروسية بقولها: "أفهم لماذا كان عليه القيام بذلك: ليثبت أنه رجل... هو يخشى نقاط ضعفه".

*المستشارة
بعد سقوط جدار برلين عام 1989، انضمت ميركل إلى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي. وبعد فترة وجيزة، عُيّنت في حكومة المستشار هيلموت كول وزيرة لشؤون المرأة والشباب، وشغلت في وقت لاحق منصب وزيرة البيئة والسلامة النووية.
وعلى اثر هزيمة "مستشار التوحيد" كول في الانتخابات العامة عام 1998، تولّت ميركل منصب الأمين العام للحزب. وبعد سنتين اختيرت زعيمة للديمقراطيين المسيحيين، غير أن الحزب فضّل ترشيح إدموند شتويبر لمنصب المستشار عام 2002.
وفي انتخابات 2005 ، هزمت ميركل المستشار جيرهارد شرودر بفارق ثلاثة مقاعد فقط في البوندستاغ، وبعد توافق الاتحاد الديمقراطي المسيحي على إقامة ائتلاف حكومي مع الديمقراطيين الاجتماعيين، أضحت أنجيلا ميركل أول مستشارة في تاريخ ألمانيا، وأول مواطن من ألمانيا الشرقية السابقة يقود ألمانيا الموحّدة. ونجحت "السيدة الفولاذية" في الفوز بالانتخابات في دورتي 2009 و2013، العام الذي اتّهمت فيه الولايات المتحدة بالتنصت على هاتفها الجوّال.
كان امتحان الفوز بولاية رابعة عام 2017 صعباً، فعلى الرغم من أن الاتحاد الديمقراطي المسيحي احتفظ بالغالبية في البوندستاغ، فإن حزب البديل من أجل ألمانيا ظفر بنسبة 13 في المائة من الأصوات ليصبح ثالث أكبر مجموعة في البرلمان، ويكون أول حزب يميني متطرف يدخل البوندستاغ منذ العام 1961. ويعود ذلك حتماً إلى الصعاب التي واجهتها ألمانيا بسبب مشكلات أوروبا، وهشاشة تحالفها مع حزب الاتحاد المسيحي في بافاريا بزعامة وزير الداخلية هورست زيهوفر، والحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة أندريا ناهلز. وهي هشاشة أدت إلى ولادة صعبة للحكومة، وخلافات متكررة ليس أقلها ما حصل داخل الائتلاف على اثر الحوادث العنصرية في مدينة كيمنت في أغسطس (آب) الماضي.
وكانت النتائج المخيبة التي سجلت في انتخابات ولاية هيسه (هيسن) التي تقع في "قلب" ألمانيا، مناسبة لإعلان ميركل أن ولايتها الرابعة التي تنتهي عام 2021 هي الأخيرة لها، وأنها لن تسعى إلى الاحتفاظ بزعامة الحزب في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ونقول مناسبة لأن المستشارة أكدت أنها اتخذت قرارها في الصيف الماضي وأعلنته الآن.

*البراغماتية

ألمانيا الآن أمام واقع جديد. وعليها أن تبحث عن قائد يواجه أنواء سياسية واقتصادية واجتماعية عدة، محلية وأوروبية.
أنجيلا ميركل نجحت إلى حد كبير في قيادة بلادها وصَون اقتصادها من تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009، وتردداتها في أوروبا. وكانت القائد الفعلي للاتحاد الأوروبي المعتمد راهناً على فرنسا وحدها بعد انكفاء الدور الألماني. وأمامها الآن ثلاث سنوات لتُبقي ألمانيا في حالة استقرار اجتماعي ونمو اقتصادي، وتبني السدود في وجه التطرف السياسي الذي دفعت البلاد ثمنه غالياً في الماضي غير البعيد.
وقد يكون تخليها عن أي طموح سياسي فرصة لتحررها من القيود واستعادتها زمام المبادرة، فـ "السيدة الفولاذية" و"ملكة ألمانيا" و"إمبراطورة أوروبا"، إنما هي حاكم براغماتي وحكيم في عالم يحتاج إلى الكثير من البراغماتية والحكمة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.