متحف محمد السادس بالرباط يجمع 3 فنانات في «رحلة إلى منابع الفن»

متحف محمد السادس بالرباط يجمع 3 فنانات في «رحلة إلى منابع الفن»

الشعيبية طلال وفاطمة حسن الفروج وراضية بنت الحسين رائدات تجمعهن «هوية مشتركة» في مجال التعبير العفوي
الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [ 14579]
الرباط: عبد الكبير الميناوي
اختار متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط أن يسلط الضوء، إلى غاية 23 يناير (كانون الثاني) المقبل، على أعمال ثلاث فنانات مرموقات «تجمعهن هوية مشتركة»، من خلال معرض أخذ عنوان «الشعيبية طلال، فاطمة حسن الفروج، راضية بنت الحسين: رحلة إلى منابع الفن». يتعلق الأمر بثلاث فنانات «يرتبطن ببيئة قروية، متشبعة بالتقاليد الشفهية والمدارك التقليدية المرتبطة بالحرف والفنون الشعبية بما في ذلك الحناء والوشم والنسيج والتطريز... بذلن شكلاً من أشكال النضال من أجل تحرير المرأة من خلال الفن».

وقال مهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، «إنه لفخر أن نبرز فنانين مغاربة، كما هو الحال بالنسبة للفنانات الثلاث ذوات السير الاستثنائية، وذلك عن طريق تنظيم ونشر تراثنا الفني الحديث والمعاصر، وأن نساعد في تقييمه والنهوض به».

واعتبر قطبي أن «الرحلة إلى منابع الفن»، التي يقترحها المعرض، ستكون بمثابة استكشاف للكثير من الزوار، من جهة أن «هذا التعبير العفوي جزء من التراث الفني المغربي، إذ من خلال انفجار الألوان المتجلي في هذه الأعمال، يظهر لنا أن عفويتهن قد ساهمت في تطور الفن الحديث والمعاصر».

وقال قطبي عن الشعيبية طلال (1929 - 2004) وفاطمة حسن الفروج (1945 - 2011) وراضية بنت الحسين (1912 - 1994) إنهن فنانات «حاملات، كجل نساء بلدنا، للتقاليد وتعبير شفوي ورمزي غني، مهدت هؤلاء الفنانات طريق الحرية للفن التصويري».

فيما يخص الشعيبية طلال وفاطمة حسن الفروج وراضية بنت الحسين، يتعلق الأمر، حسب وثائق المعرض، بـ«مبدعات تعبرن عن خيالهن، وتجسدن صور تجاربهن، من دون أن تؤطر فنهن الأعراف والأنماط والقواعد والحدود، من خلال عفويتهن، نستطيع إدراك ما هو أبعد من المألوف: فن متحرر من المعايير الجمالية الأكاديمية، حيث للبعد الثنائي الأسبقية على مبادئ المنظور في اللوحة».

متأثرات بالعادات والمناظر والوجوه، التي تسكن ذاكرتهن البصرية، جسدت الفنانات، تضيف ذات الوثائق المرتبطة بمسار المعرض، مشاهد من الحياة اليومية: الأعياد والطقوس التي تصور مراسم الزواج، أو المناظر الطبيعية القروية مع عرض لهيئات بشرية، حيوانية ونباتية، في كثير من الأحيان متداخلة، ملونة، مزخرفة ومزينة حتى الإشباع. فيما تعتبر فئة البورتريه جزءا من الاهتمامات الفنية للفنانات الثلاث اللاتي صورن وجوه الناس اللذين يؤثثون فضاءهن اليومي، عبر صور فردية أو جماعية تبرز كيف شاهدت الفنانات الثلاثة الإنسان، بشكل يؤكد كيف تجاوزن السرد نحو تحويل وتوصيف الواقع: فنانات إذا كان لديهن نقاط مشتركة متعددة، يبقى أن كل واحدة منهن تجسد حساسية فنية معينة موسومة بتعبير منفرد؛ فهن، رغم تطرقهن لنفس المواضيع، تبقى معالجة كل واحدة منهن لهاته المواضيع مختلفة ومتفردة، بحيث يوضح نهج كل واحدة منهن بساطة الحلول التقنية والتصويرية التي اعتمدتها.

واختار المعرض، الذي يبقى فرصة لتقدير العوالم الفنية المختلفة للفنانات الثلاث، صيغة رحلته إلى منابع الفن من خلال مسار يتوزع بين الفضاء التصويري والمشاهد اليومية والمنظر والنباتات والمشاهد الاحتفالية وحيوانات رامزة والزخرفة والبورتريه.

ففيما يتلق بالفضاء التصويري، تتحدى العوالم التي تجسدها صباغة الفنانات الثلاث رموز منظور الصباغة الأكاديمية. وهكذا، فإن الفضاء في رسوماتهن كثيف للغاية، رغم شساعة الإطار والمحيط الممثلين. فيما تعطي المناظر الطبيعية والمشاهد انطباعاً بأن العمل يتجاوز أبعاد اللوحة التي تستمر في التطور خارج الإطار، مشيراً إلى ما لا نهاية العالم الواقعي، فيما لا يمنع عدم وجود المنظور من تنظيم جيد للفضاء.

وعلى صعيد المشاهد اليومية، اهتمت الفنانات الثلاث بمجتمعهن، حيث التقطن جوهر الحركة والألوان وإيماءات المجتمع الذي كن يمثلنه باهتمام صادق، بحيث تصبح اللوحة شهادة حقيقية للواقع اليومي. وسواء في مشاهد الطقوس التقليدية للشعيبية طلال وفاطمة حسن الفروج أو المشاهد المأتمية لراضية بنت الحسين، تظل هؤلاء الفنانات حريصات على رصد واقعهن اليومي لحكيه عن طريق التجسيد التصويري.

من جهته، حظي موضوع المنظر والنباتات باهتمام الفنانات الثلاث، بحيث يمكننا أن نرى الألوان المشرقة للنباتات الكثيفة حيث المواضيع البشرية تختلط بمشاهد حيوانية تتسم بغنى الألوان، حيث تضاهي المشاهد البشرية في ارتفاعها علو الأشجار والنباتات، خاصة في أعمال راضية بنت الحسين. ويزداد هذا التفاوت من خلال تحوير كامل للفضاء في أعمال الشعيبية طلال التي تقدم لنا رؤية فريدة عن المناظر الطبيعية والطبيعة الميتة. أما موضوع المنظر عند فاطمة حسن الفروج، فهو جوهري، غالبا ما يكون حضرياً ومعمارياً، تسكنه مظاهر حياة طقوسها احتفالية.

ويعتبر المشهد الاحتفالي موضوعاً رمزياً، فانطباع الاسترفاع الذي يوفره غياب المنظور يبرز ابتهاجا جماعيا للمواضيع، حيث يعطي المشهد تمثلات ثنائية الأبعاد لحركات راقصين وموسيقيين جاعلا من الصورة الثابتة في اللوحة مشهدا حيا مرئيا، يكاد يكون مسموعا.

كما تبرز المشاهد الممثلة في لوحات الفنانات التشكيليات الثلاث أن الإنسان والحيوان يتطوران في انسجام تام مع طبيعة العالم القروي. ففي أعمال راضية بنت الحسين، نادراً ما يتم تجسيد الشخصيات خارج المنظر الطبيعي الذي تتزاوج فيه الصور الظلية المتنوعة بألوان الحيوانات، فيما تبرز مركزية الحيوان في لوحات الفنانات في أعمال فاطمة حسن الفروج التي اتخذت من الخيل موضوعا جوهريا. أما في العوالم القروية التي تجسدها لوحات راضية بنت الحسين، فالإنسان لا يبقى متفرجا على الحياة النباتية والحيوانية، بل ينغمر داخلها؛ بينما تذكرنا الشعيبة طلال بتماهي الإنسان مع الطبيعة من خلال لوحتها الرجل الطائر.

من جانب آخر، تميل الأعمال المعروضة للفنانات الثلاث تلقائيا للزخرفة المستوحاة من الفنون الشعبية كالوشم والنسيج. وتتحقق هذه الصورة الباطنية من خلال الألوان الغنية بالأشكال النباتية والشخصيات المنجزة عند كل من راضية بنت الحسين والشعيبية طلال، وخاصة في أعمالهن التي اتخذت من الزربية موضوعا لها. وتبلغ الزخرفة مداها في المشاهد المتداخلة لفاطمة حسن الفروج، حيث تنسجم الأشكال الهندسية والنباتية المستوحاة من وشم الحناء.

ويعْبر الشكل البشري، مع بعض الاستثناءات، كل إبداعات الفنانات التشكيليات الثلاث. قد يعتقد الزائر أن البورتريهات الأمامية للشخصيات مستوحاة من نموذج، سوى أن الفنانات الثلاث تطرقن لتقنية «البورتريه» بشكل مختلف عن المعايير والتقنيات الأكاديمية؛ كما أن هوية الشخصيات، وإن تم الإفصاح عنها من خلال العنوان، ليس لها أهمية مقارنة بأولوية تشخيص الحالة الإنسانية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة