في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

الهجرة والاقتصاد والأمن تتصدّر اهتمامات الناخبين

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد
TT

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

في الانتخابات النصفية الأميركية... الأنظار على تركيبة «الكونغرس» وسط استقطاب شديد

تخضع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعبية حزبه الجمهوري، بعد 10 أيام، لأهم اختبار سياسي منذ تسلمه الرئاسة.
وستشهد الولايات المتحدة في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) انتخابات نصفية لتجديد مجلس النواب بجميع مقاعده، و35 مقعدا في مجلس الشيوخ، فضلا عن العشرات من حكام الولايات.
وفي حين تعتمد هذه الانتخابات إلى حد كبير على قضايا محلية تشمل الهجرة والتجارة والحقوق المدنية وتختلف من دائرة لأخرى داخل الولاية الواحدة، فإن نتيجتها سترسم المستقبل التشريعي لقرارات البيت الأبيض، كما ستؤثر على أداء الرئيس داخليا وخارجيا قبل موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
أطلق قادة الحزب الديمقراطي الأميركي حملة واسعة قبل شهور لاستعادة الولايات التي انضمّت إلى «الموجة الجمهورية الحمراء» في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، ومحاولة استعادة الهيمنة على الكونغرس، غير أن آمال الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس الشيوخ تراجعت، كما يرى مراقبون، خاصة منذ الانتصار الكبير الذي حققه الجمهوريون بالمصادقة على ترشيح القاضي بريت كافانوه في المحكمة العليا.
في المقابل، كثّف الجمهوريون من فعالياتهم الانتخابية، مدركين أن التاريخ يقف في صف الديمقراطيين... إذ إن الانتخابات النصفية نادرا ما تكون لصالح حزب الرئيس الأميركي. وفي مسعى للخروج عن هذه القاعدة، شارك دونالد ترمب في عدد من التجمعات الانتخابية بهدف دعم المرشحين المحليين على مستوى انتخابات الولايات، والتذكير بإنجازات إدارته الاقتصادية، فضلا عن دفع معدلات شعبيته إلى الأعلى.
وبخلاف كثير من الانتخابات النصفية التي شهدتها الولايات المتحدة في العقود الماضية، عجزت استطلاعات الرأي والمراقبون السياسيون عن توقع نتيجة الاقتراع في عدة دوائر انتخابية صُنّفت «تنافسية للغاية». ذلك أن أعداد المقاعد الجمهورية التي تميل إلى الديمقراطيين وتلك المقاعد الديمقراطية التي تميل إلى الجمهوريين مرتفعة، ما يُعقّد التوقعات.
أحد الأسباب الرئيسية وراء ضبابية المشهد الانتخابي اليوم، هو حدة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة. فقد ساهم فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب المفاجئ في عام 2016، وتمسكه بمعظم وعوده الانتخابية رغم موجة الانتقادات من الداخل والخارج، في تقسيم الرأي العام الأميركي بين داعم لسياساته الاقتصادية والعسكرية، ومعارض للغته السياسية المفتقرة للدبلوماسية والمستفزة أحياناً.

استفتاء ومؤشر
مع أن بطاقات الاقتراع لن تحمل اسم ترمب هذه المرة، فإن نتائج الانتخابات ستكون بمثابة استفتاء على السنتين اللتين أمضاهما في سدة الرئاسة، ومؤشرا على قدرته على الفوز بفترة ثانية. ويتيح الاستقطاب السياسي الحاد فرصة للأحداث الطارئة لتغيير توجه الرأي العام، والتأثير على أصوات الناخبين المترددين. وكانت الولايات المتحدة قد شهدت خلال الأيام القليلة الماضية حدثين لافتين من هذا النوع. الأول يتعلق بقافلة المهاجرين المتجهة نحو الحدود المكسيكية الأميركية، والثاني يتعلق بموجة الطرود البريدية المتفجّرة التي استهدفت عددا من السياسيين الأميركيين المنتقدين للرئيس الأميركي وشبكة «سي إن إن» الإخبارية. ويرى راصدو المعركة الانتخابية أنه من شأن هذين التطوّرين، أو أي حدث مفاجئ آخر خلال الأسبوعين المقبلين، أن يقلب موازين القوى وأن يُفقد أحد الحزبين غالبيته في مجلس النواب بفارق بسيط.

معركة مجلس النواب
يتوجب على الناخبين الأميركيين كل سنتين تجديد كل مقاعد مجلس النواب الـ435. ويسعى الديمقراطيون في هذه الانتخابات إلى الفوز بـ23 مقعدا لاستعادة الغالبية في هذا المجلس، وهو ما يبدو مرجحا وفق بعض استطلاعات الرأي. إذ يتوقّع موقع «فايف ثيرتي إيت» المرجعي في الحسابات الانتخابية، أن فرص الديمقراطيين لاستعادة مجلس النواب تعادل 5 فرص من 6، لكن نحو 30 مقعدا تشهد منافسة شديدة، بحيث لا يمكن توقع الفائز فيها بسهولة.
وكان قد بدا قبل أسابيع أن فرص الجمهوريين في الحفاظ على مجلس النواب ضئيلة، لكون حملاتهم لم ترق لنشاط المرشحين الديمقراطيين، الذين يضمّون عددا قياسيا من النساء. فضلا عن الحملات المكثّفة التي يقودها الرئيس السابق باراك أوباما لرفع مستويات الإقبال على التصويت والإعلانات السياسية التي تجاوزت جهود الجمهوريين بملايين الدولارات. وتتكرّر حماسة الديمقراطيين في معارك مجلس الشيوخ، وهنا لم يستبعد بعض المراقبين أن ينجح المرشح الديمقراطي بيتو أورورك، في الحصول على مقعد السيناتور تيد كروز في تكساس، الولاية الضخمة التي هيمن عليها الجمهوريون منذ 1994. لكن هذا الزخم تباطأ في الأسابيع الأخيرة، ولا سيما منذ عملية تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانوه في المحكمة العليا، وتوجّه آلاف المهاجرين من هندوراس ودول من أميركا اللاتينية الأخرى إلى الحدود الأميركية.

أفضلية جمهورية في مجلس الشيوخ
وفق آخر التقديرات، يتمتع الجمهوريون في مجلس الشيوخ بفرص أفضل للحفاظ على غالبيتهم في الانتخابات النصفية التي سيخضع خلالها 35 مقعدا للتصويت، بل إنهم يسعون لتعزيز هذه الغالبية عبر الهيمنة على بعض المقاعد الديمقراطية الـ26 المتنافس عليها.
ووفق توقعات موقع «فايف ثيرتي إيت»، فإن فرص الديمقراطيين للحفاظ على مقاعدهم والسيطرة على مقعدين جمهوريين من بين الـ9 المطروحة للتصويت متدنية للغاية، وتعادل فرصة واحدة فقط من 5. ويرى ديفيد لوبلين، الأستاذ بالجامعة الأميركية في واشنطن، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب): «يبدو احتمال فوز الديمقراطيين بالغالبية في مجلس الشيوخ أقل ترجيحاً». ويوضح لوبلين أن الناخبين الديمقراطيين «يتركزون بشكل كبير في المدن والمناطق الحضرية... بينما الجمهوريون موزّعون جغرافياً»، والمنافسة المحتدمة على مقاعد مجلس الشيوخ تجري بشكل خاص في الولايات الريفية، وهنا الأرجحية للجمهوريين.

سباق حكام الولايات
يتمتع حكام الولايات الأميركية بسلطات واسعة، إذ إنهم يسيطرون على ميزانيات ضخمة ويساهمون في حشد الدعم لمرشحي الحزبين قبل الانتخابات الرئاسية. الجمهوريون يسيطرون حالياً على 33 من أصل 50 منصب حاكم ولاية، وسيجري التصويت يوم 6 نوفمبر المقبل على 36 منها. وفي هذا السياق، يسعى الديمقراطيون للفوز بنحو 23 منصب حاكم ولاية يسيطر عليها الجمهوريون حالياً، وتمثل ولايات أوهايو وميشيغان وفلوريدا وبنسلفانيا أبرز الولايات التي يركّزون عليها لما تحمله من أهمية في تحديد الرئيس الأميركي المقبل.

انتخابات مصيرية لترمب
في حال تمكّن الديمقراطيون من السيطرة على مجلس النواب، يتوقّع أن يباشروا عرقلة برنامج الرئيس ترمب التشريعي وإجهاض محاولاته إلغاء نظام «أوباما كير» الصحي، إلى جانب تغيير بعض سياسات الهجرة التي أثارت كثيرا من الجدل في الشهور الماضية.
أيضا قد يعرقل الديمقراطيون التصويت على الميزانية التي يربطها ترمب بـ«الجدار الحدودي» مع المكسيك. ولقد استخدم مرشحون جمهوريون أيضا مسألة احتمال تضييق الديمقراطيين على الرئيس وإطلاقهم تحقيقات قضائية ضد إدارته وعلاقته المزعومة بروسيا، في سياق تحفيزهم ناخبيهم للتصويت، والحؤول دون خسارة الأصوات المترددة. وفي المقابل، فإن احتفاظ الجمهوريين بغالبيتهم في مجلس الشيوخ، أو احتمال تعزيزها، يضمن عمليا للرئيس الأميركي المصادقة على مرشحيه لمناصب وزارية.
إلى ذلك كله، ستؤثر نتائج الانتخابات المقبلة على التقسيم القادم للدوائر الانتخابية المقرّر إجراؤه في عام 2021. فطبقا للقانون، يعاد رسم حدود الدوائر الانتخابية لمجلس النواب كل 10 سنوات تبعا لعدد السكان، وذلك لتحديد الوزن الانتخابي لكل مقاطعة داخل المجلس. وفعلاً، شجعت حدة التنافس على العشرات من مقاعد المرشحين من الحزبين على الإلقاء بكل ثقلهم على قضيتين رئيسيتين تشغلان الرأي العام الأميركي خلال الانتخابات النصفية المقبلة، هما الاقتصاد والهجرة، وتأتي بعدهما قضايا الأمن وموقف المرشحين من السياسات الخارجية.

ورقة الاقتصاد
مرشحو الحزب الجمهوري يراهنون خلال الانتخابات المقبلة على ورقة النجاح الاقتصادي، للحفاظ على مقاعدهم والسيطرة على مقاعد ديمقراطية إضافية، مستفيدين من الانتعاش الذي يشهده سوق العمل الأميركي، وما صاحب ذلك من زيادة معدلات النمو، وانخفاض معدلات البطالة، وزيادة حجم الاستثمارات الأجنبية المتوقعة والحالية.
ويرجع الجمهوريون الفضل في ذلك إلى قانون الإصلاح الضريبي الذي تم تمريره في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وهو أحد أهم الوعود الانتخابية للرئيس ترمب. ولقد بلغت نسبة نمو الاقتصاد الأميركي 4.2 في المائة بالوتيرة السنوية في الربع الثاني الماضي، وهي الأعلى منذ 4 سنوات. ويرجع ذلك جزئيا إلى زيادة حجم الإنفاق الحكومي، وخفض الضرائب بقيمة 1.5 تريليون دولار، وهو ما وفر للشركات وموظفيها وأسرهم مبالغ إضافية ساهمت في إنعاش الإنفاق. جاء هذا مدفوعا بالارتفاع الكبير في مستوى الصادرات، واندفاع الشركات إلى التصدير استباقا لفرض الرسوم التجارية الجديدة، فضلا عن الحوافز الضريبية والمالية.
الإصلاح الضريبي الذي كان الأهم في أميركا منذ 30 سنة، واعتبر من أبرز التدابير الاقتصادية التي اتّخذها ترمب وسارع الجمهوريون إلى الترحيب بها، قضى بخفض بعض الضرائب على الدخل وبتخفيض كبير للضرائب على الشركات من 35 إلى 21 في المائة. ولم يتردد سيد البيت الأبيض في التباهي بإنجازاته الاقتصادية، معلناً في إحدى التجمعات الانتخابية الأخيرة: «اقتصادنا يسجل أرقاما قياسية على جميع الجبهات عمليا!... والاقتصاد يشهد ازدهارا لم يعرف مثيلا له من قبل».
كما سلط ترمب الضوء مراراً على تراجع معدّلات البطالة، التي وصلت في سبتمبر (أيلول) إلى 3.7 في المائة، وهو أدنى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 1969. وفي لفتة، القصد منها كسب تأييد أقليات تصوت عادة للديمقراطيين، تشدد إدارة ترمب على أن نسبة البطالة في صفوف المتحدرين من أصول لاتينية (هسبانيكية) والسود يعكس تراجعا كبيرا منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، ولو أنها لا تزال أعلى من النسبة بين البيض.

«هدية» انتخابية ثمينة للجمهوريين
لطالما كانت قضية الهجرة حاضرة في خطابات الرئيس دونالد ترمب الانتخابية وطاغية على سياساته في البيت الأبيض، سواء تعلق الأمر ببناء جدار فصل حدودي مع المكسيك أم تطبيق سياسات فصل الآباء من المهاجرين غير القانونيين عن أطفالهم، حتى حظر دخول مواطنين من عدة دول إلى الولايات المتحدة وخفض أعداد اللاجئين الذين توافق الولايات الأميركية على طلباتهم. وكما هو معلوم، استغل الديمقراطيون هذه القضايا للتحذير من تصاعد اللهجة المعادية للمهاجرين في «بلد الهجرة»، كما نجحوا في استمالة ناخبين مؤيدين للرئيس رفضوا لهجته «المشجعة على الكراهية»، وفق استطلاعات الرأي،
إلا أن حزب الرئيس تلقى «هدية ثمينة» قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية، تمثّلت في انضمام حوالي 3 آلاف مهاجر من هندوراس إلى قافلة مهاجرين آملين في الوصول إلى الحدود الأميركية.
وقلبت هذه القضية موازين القوى، كما أتاحت لترمب فرصة إعادة طرح موضوع الهجرة في صلب حملة الانتخابات التشريعية وتحفيز قاعدته، موجهاً في الوقت ذاته أصابع الاتهام إلى الديمقراطيين ومواقفهم المتساهلة في موضوع الهجرة.
فلقد استغل الرئيس الأميركي هذه الظاهرة لإدانة الديمقراطيين، وردد ترمب أمام مؤيديه في ولاية تكساس قبل أيام: «إنه هجوم على بلادنا، هجوم»، مستعيداً وسط تأييد الحشود العارم موضوع الهجرة الذي ركزت عليه حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016.
ثم تابع: «في الوقت الذي نتكلم بأن الحزب الديمقراطي يشجع ملايين الأجانب غير القانونيين على مخالفة قوانيننا وانتهاك حدودنا واجتياح بلادنا...»، ملمحا إلى أن المهاجرين غير القانونيين سيتمكنون من التصويت بصورة غير قانونية.
ولم يكتف ترمب بذلك، بل لوّح بالخطر الإرهابي، مؤكدا أن «شرق أوسطيين» اندسوا داخل «القافلة»، إضافة إلى عناصر من عصابة «إم إس 13» السلفادورية الإجرامية العنيفة. وأضاف في مناسبة أخرى أن رئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز قال له إن قافلة المهاجرين هذه «تنظمها مجموعات يسارية في هندوراس وتموّلها فنزويلا، أرسلت إلى الشمال لتحدي سيادتنا».
وبالفعل، في ولايات كثيرة، في مقدمتها تكساس وأريزونا، هيمنت مشاهد قافلة المهاجرين وهم يعبرون بالآلاف أميركا الوسطى سيراً على الأقدام، على النشرات الإخبارية والخطابات السياسية. وتغلّب القلق والخوف المرتبطان بهذه القافلة على موجة الاستنكار الشديد، حتى في صفوف الجمهوريين المعتدلين، جراء عمليات فصل عائلات المهاجرين التي أمرت بها إدارة ترمب هذا الصيف. وأصبحت أكثر سياسات ترمب إثارة للجدل، في نظر كثيرين، مبرّرة بل مطلوبة... بما يشمل دعواته لبناء جدار تموّله المكسيك على الحدود. في المقابل، فإن رد الديمقراطيين على هذه الأزمة بدأ متردداً؛ لأنهم وفق «أ.ف.ب»، إن اعتمدوا موقفاً متشدداً حيال المهاجرين فقد يثيرون استياء قاعدتهم، وإن لم يتخذوا أي موقف فسيتعرضون لانتقادات الجمهوريين.

وأخيراً... موجة الطرود المتفجرة
على صعيد آخر، في الوقت الذي استغل ترمب قضية قافلة المهاجرين لاستثارة قاعدته الجمهورية وتحشيدها، ومهاجمة ما يعتبره «تقاعس» الديمقراطيين في معالجة أزمة الهجرة غير القانونية، فإنه وجد نفسه أمام تحدٍ سياسي بالغ الأهمية يختبر قدرته على توحيد بلاده مع تحوّل الاستقطاب السياسي إلى تهديد أمني خطير. فخلال الأيام الماضية تلقى عدد من الشخصيات السياسية البارزة المعروفة بانتقادها الرئيس ترمب طرودا مفخخة، أُرسلت إلى مقار إقامتهم أو عملهم.
الشرطة الفيدرالية تقول إن هذه الطرود مشابهة للطرود التي تحوي قنابل يدوية الصنع، وأرسلت الثلاثاء والأربعاء إلى الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي هزمت في الانتخابات الرئاسية أمام ترمب في 2016، ووزير العدل في عهد الرئيس السابق أيريك هولدر، والنائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا ماكسين ووترز، وشبكة «سي إن إن» الإخبارية في نيويورك، ونائب الرئيس السابق جو بايدن في ولايته ديلاوير، فضلا عن الممثل الشهير روبرت دي نيرو في منطقة مانهاتن بوسط نيويورك.
وفي غياب أي مؤشرات إلى مرتكبي هذه الأفعال، يتبادل مؤيدو ترمب ومعارضوه الاتهامات بتأجيج الأجواء المسمومة في البلاد مع اقتراب الانتخابات النصفية. وبعدما دعا الأميركيين إلى الاتحاد إثر تأكيد وجود قنابل يدوية الصنع، استأنف ترمب هجماته على وسائل الإعلام.
وكتب على «تويتر» أن «جزءاً كبيراً جداً من الغضب الذي نراه اليوم في مجتمعنا ناجم عن التقارير الكاذبة وغير الدقيقة في وسائل الإعلام السائدة التي أشيرُ إليها بأنها أخبار كاذبة». وأضاف أن «الأمر بات سيئا للغاية وبغيضا لدرجة لا يمكن وصفها». وتابع الرئيس الأميركي: «ينبغي على وسائل الإعلام أن تصلح وضعها، وبسرعة».
في المقابل، اتهمه عدد من المسؤولين الديمقراطيين «بالتغاضي عن العنف» و«تأجيج الانقسام». وستكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التطوّرات قد تُفقد الجمهوريين أصواتاً ثمينة في معركة مجلس النواب.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.