معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

الصراع على السلطة مستفحل... والأزمة الليبية تلقي بظلالها على الوضع

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس
TT

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

بينما تبشر قيادات في قصري رئاسة الجمهورية والحكومة التونسيين، وكذلك في مقرات كبرى الأحزاب السياسية، بانفراج شامل للأزمة السياسية والاقتصادية الاجتماعية الأخطر في تاريخ تونس منذ عشرات السنين، برزت مؤشرات تصعيد جديد في الصراع على السلطة.
هذه المؤشرات برزت عشية المصادقة على ميزانية 2019، والإعلان عن تعديل الحكومة، تحضيراً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة الخريف المقبل، إذ انطلقت زعامات سياسية ونقابية في التحضير لبناء شراكات استراتيجية جديدة تمتد لسنوات، تشمل «خصوم الأمس» المحسوبين على مختلف قوى اليسار واليمين من جهة، وعلى التيارين العلماني والإسلامي من جهة ثانية. فهل تخرج تونس من عنق الزجاجة بسلام مجدداً؟ وهل ينتصر دعاة التوافق والشراكة... أم أنصار القطيعة والصدام... ما يدفع البلاد في صراعات ربع الساعة الأخير، من أجل التحكّم في مؤسسات الدولة والبلاد في السنوات المقبلة؟
رغم اضطراب الأوضاع في كل دول ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي» وغموض مستقبلها، خاصة في ليبيا، الجارة الجنوبية الغنية لتونس، لا يزال الرهان كبيراً في تونس على إنجاح ما سُمي «الاستثناء الديمقراطي التونسي»، ومن ثم، على حسم الصراعات على السلطة سياسياً، حسب الأزهر العكرمي، المحامي والوزير السابق في حكومة الحبيب الصيد، الذي أصبح مناصراً لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد ومشروعه السياسي.

التضخم... والمديونية
لكن التحدي الحقيقي، حسب تقديرات الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، هو في «مسألة إلى أي حد يمكن أن تصمد إرادة أنصار هذا الخيار في وقت استفحلت فيه الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعواصف السياسية، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب التضخم والأسعار والمديونية وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، مع تراجع الثقة في العملة الوطنية وفي فوائد الاستثمار والادخار».
وحقاً، استفحلت صعوبات الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية بسبب تداعيات الأزمة الليبية، وتراجع مداخيل المبادلات معها، وتراكم ديون المؤسسات التونسية، بما فيها الفنادق السياحية والمصحات ومؤسسات التصدير، مع الجانب الليبي.
ولئن كانت القيمة الرسمية للمبادلات التونسية الليبية تحوم حول مليار دولار سنوياً، فإن قيمتها الحقيقية كانت تناهز الـ10 مليارات دولار قبل «الربيع العربي»، ثم قبل اندلاع حرب مطار طرابلس والبوابات الحدودية في صيف 2014.
كذلك، كانت السوق الليبية تساهم في توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة لنحو مليون تونسي، كما بينت دراسات أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية، حسب مديره العام عالم الاجتماع، المنصف وناس.

مستقبل الإسلام السياسي
من جانب آخر، في ظل ازدياد الضغوط عربياً وإقليمياً ودولياً من أجل إبعاد ممثلي الجماعات الإسلامية المتشددة عن الحكم ومراكز النفوذ، فإن من بين التحديات الجديدة - القديمة التي تواجه صناع السياسة في الدول المغاربية، وخصوصاً في تونس وليبيا والجزائر، ملف ما يسمى مستقبل زعماء الإسلام السياسي.
وراهناً، ثمة علامات استفهام حول فرص حزب أنصار «حركة النهضة» التونسي، في الحفاظ على مواقعهم، وإقناع خصومهم في الداخل والخارج بقطيعتهم مع المرجعيات الفكرية والسياسية للجماعات الإخوانية والسلفية المتشددة... أم يحصل العكس، كما يتوقع الجامعي علية العلاني.
ثم هناك من يتساءل عما إذا كان إعلان الرئيس التونسي قائد السبسي وأنصاره القطيعة مع قيادة «النهضة»، ثم انتقادات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة الفرنكفونية بحضوره، مَن وصفهم بـ«الظلاميين»، مؤشراً لمنعرج أمني سياسي جديد في تونس، يكون قادة «النهضة» وحلفاؤهم أبرز ضحاياه؟
«كل السيناريوهات واردة» في نظر الهاشمي نويرة، رئيس تحرير جريدة «الصحافة» الموالية للرئيس التونسي، والمعارضة بقوة لما تصفه بـ«التغوّل السياسي» لـ«حركة النهضة» في عهد حكومة الشاهد.

خطوة إلى الأمام
هذا، ولقد كان من بين أبرز نتائج فتور علاقات رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، ورئاسة الجمهورية وقيادة «حركة النهضة» من جهة ثانية، خلط الأوراق وتشكيل تحالفات جديدة، وفتح باب المشاورات تحضيراً لما سماه محسن مرزوق، الوزير السابق وزعيم «حزب المشروع» اليساري الوسطي: «شراكة استراتيجية» مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والأطراف السياسية المتحالفة معه حالياً في البرلمان. والقصد هنا الكتلة المعروف بـ«الائتلاف الوطني»، بزعامة النقابي مصطفى بن أحمد، والطبيب الصحبي بن فرج، والناشطة النسائية ليلى الشتالي... الذين كانوا جميعاً من أكبر معارضي حزب «حركة النهضة» عندما كان في الحكم عامي 2012 و2013.
تشكل هذه الكتلة نواة ائتلاف برلماني سياسي حزبي جديد، يضم عشرات المنشقين عن حزب الرئيس ونواب حزبي «مشروع تونس» وكتلة «حركة النهضة» بنوابها الـ68. ولا يستبعد المحلل السياسي والإعلامي منذر بالضيافي أن تتوسع هذه النواة إلى كيان سياسي أوسع. ومن جهته، ذهب محسن مرزوق، زعيم حزب «المشروع» وعبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى «النهضة» إلى حد الحديث عن كون الأمر يتعلق بآلية تهدف إلى تحقيق شراكة واسعة مفتوحة على «كل الأطراف السياسية الوطنية».

التمديد ليوسف الشاهد
مؤقتاً، تهدف هذه الشراكة إلى دعم التمديد ليوسف الشاهد على رأس الحكومة، رغم مطالبات رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وزعماء حزب «نداء تونس»، وأمين عام اتحاد نقابات العمال، نور الدين الطبوبي، وقيادات اتحاد النقابات، بإقالته وتغيير غالبية فريقه. وكذلك تهدف إلى تشكيل اتفاق سياسي واسع يمكن أن يؤدي إلى خوض الانتخابات المقبلة ضمن ائتلاف سياسي جديد، يتفق زعماؤه الآن على طريقة تقاسم المواقع المهمة في الدولة بعدها، مثلاً عبر إسناد رئاسة الجمهورية إلى يوسف الشاهد، ورئاسة البرلمان إلى زعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي، أو أحد نوابه، ورئاسة الحكومة وبقية وزارات السيادة لزعماء الأحزاب المشاركة في الائتلاف، وبينهم محسن مرزوق.
لكن ماذا لو فاجأ الرئيس الباجي قائد السبسي الجميع بإعلان الترشح في انتخابات العام المقبل، أو اختار أن يدعم مرشحاً آخر، مثل وزير الخارجية والدفاع الأسبق وزعيم حزب المبادرة كمال مرجان؟
الخيار ممكن؛ وخصوصاً أن كمال مرجان أعلن رسمياً استعداده للترشح للرئاسة إذا تحقق قدر من التوافق السياسي الوطني حوله. ولقد سبق لمرجان أن ترشح للرئاسة في 2014، ولم يسعفه الحظ رغم حصوله على دعم سياسي إقليمي ودولي. ويومذاك، تفوق عليه بفارق كبير الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، الذي صوت لفائدته أنصار النظام السابق والليبراليون واليساريون المعارضون لـ«النهضة». وحصل على المرتبة الثانية الرئيس السابق الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الذي صوتت له غالبية محافظات الجنوب والوسط والجهات المهمّشة، وأنصار التيارات الإسلامية والقومية.

شراكة بين «النهضة» ويسار الوسط
عبد الكريم الهاروني، وزير النقل، والقيادي الثاني في «حركة النهضة»، كشف أخيراً أنه عقد سلسلة من جلسات التشاور مع قيادة حزب «المشروع» اليساري، تمهيداً لتأسيس شراكة واسعة، من بين أسسها القطع مع المعارك الآيديولوجية القديمة بين اليساريين الاشتراكيين والشيوعيين والإسلاميين. وسار في الاتجاه ذاته القيادي اليساري محسن مرزوق الذي كان قياديون في «النهضة» يتهمونه بتزعم تيار العداء لهم؛ بل وبالدفاع عن خيار «استئصال» الإسلاميين من المشهد السياسي.
وأبرزت التصريحات الجديدة الصادرة عن مرزوق والمقربين منه داخل حزبه وخارجه نزوعاً واضحاً نحو البراغماتية، والحرص على تجاوز الصراعات الآيديولوجية والعقائدية بين الزعامات السياسية، خصوصاً بين المكوّنات الثلاثة للمشهد السياسي التونسي: اليسار الاجتماعي بفروعه النقابية والحزبية، والتيار الوطني الذي يتزعمه قادة الحزب الحاكم منذ 60 سنة، وتيار الهوية بمكوّناته العروبية والإسلامية.

اعتراضات وتخوّفات
لكن هذا التطور النوعي لم يخل من مفاجآت، وأفرز صراعات جديدة داخل أبرز الأقطاب السياسية.
- أولاً، داخل القطب الذي يرمز إليه حزب «نداء تونس» بزعامة حافظ قائد السبسي، نجل رئيس الجمهورية، ورضا بالحاج، الوزير السابق، وسليم الرياحي، رئيس حزب الوطني الحر سابقاً. وتكشف تصريحات هؤلاء الزعماء والقياديين عن أنهم ينظرون بعين الريبة إلى تحالف حزب «المشروع» اليساري الوسطي، مع «حركة النهضة» ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأنصاره داخل البرلمان وخارجه. ومن بين المفارقات أن بعض قادة هذا القطب السياسي الذي يعتبر من أكبر داعمي الرئيس قائد السبسي، لا يخفون رغبة في أن يقدم خصمهم الشاهد وأنصار حزب «المشروع» في تحالف استراتيجي مع «حركة النهضة»، لتسهل عملية محاربتهم إعلامياً، واتهامهم بخيانة ما يسمونه المشروع المجتمعي وقيم الحداثة والمعاصرة. وفي هذا الصدد بادر رضا بالحاج، المنسق العام لحزب «نداء تونس»، إلى انتقاد تحالف يوسف الشاهد ومحسن مرزوق ورفاقه، مع من يسمونهم المتشددين ونشطاء الإسلام السياسي.
- أما القطب الثاني المعارض لكل صيغ الشراكة مع «حركة النهضة» فيضم أحزاب المعارضة التي تقف على يسار الائتلاف الحاكم الحالي بقيادة «النداء» و«النهضة»، مثل «الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، التي تضم 15 حزباً من حركات ماركسية وقومية، وحزب الائتلاف الديمقراطي الفائز بالمرتبة الثالثة في الانتخابات البلدية في مايو (أيار) الماضي، بزعامة المحامي الحقوقي محمد عبو، والبرلماني غازي الشواشي، والبرلمانية المثيرة للجدل سامية عبو. وقد انطلق سياسيون من هذا القطب في انتقاد تقارب حزب «مشروع تونس» مع «حركة النهضة» من جهة، ومع حكومة الشاهد من جهة ثانية.
- إلى يمين هذه الأطراف، يوجد قطب ثالث أكثر حدّة في العداء لحزب «حركة النهضة» وشركائه الافتراضيين، وللمسار السياسي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد وأنصاره من جهة، وللزعيم اليساري السابق محسن مرزوق ورفاقه من جهة ثانية. المحامية عبير موسى هي زعيمة هذا التيار الذي يعدّ امتداداً للحزب الحاكم في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. ولقد ذهبت موسى – صراحة – إلى حد المطالبة بحظر «حركة النهضة» ومحاكمة رئيس الحكومة وعدد من مساعديه. لكن المسكوت عنه هو أن هذا الحزب يحظى بدعم قطاع من رجال الأعمال والسياسة البارزين في البلاد، وبينهم مئات من رموز الدولة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ممن لا يزالون محل ملاحقة قضائية ومنع من السفر.

التعديل الوزاري
ويزداد المشهد السياسي غموضاً بالنسبة لكثيرين بعد الإعلان رسمياً عن احتمال إقدام رئيس الحكومة يوسف الشاهد على إدخال تعديل كبير على حكومته، وعرض التشكيلة الجديدة على البرلمان، فيضرب بذا عدة عصافير بحجر واحد.
فإذا صادق نحو نصف أعضاء البرلمان عليها، وعلى قانون المالية لعام 2019، فسيكون الشاهد وحلفاؤه قد قطعوا الشوط الحاسم في اتجاه كسب معركة ربع الساعة الأخير مع القطب المعارض لهم، بزعامة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي وحزب «النداء» وأنصاره. أيضاً، ستمنح هذه المصادقة يوسف الشاهد وشركاءه فرصة الفوز بالشرعية البرلمانية مجدداً، إلى جانب حصولهم على حرية أكبر في المناورة السياسية، والاختيار بين فرضية البقاء في الحكم حتى استكمال انتخابات العام المقبل، أو الانسحاب منه من موقع قوي، والإعلان عن تأسيس حزب جديد أو ائتلاف سياسي لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ربع الساعة الأخير
لا يستبعد المراقبون أن يتحرّر الشاهد وأنصاره، بعد كسب ورقة تزكية البرلمان لموازنة 2019 وللحكومة الجديدة، من الضغوط السياسية التي يمارسها عليه حالياً قادة حزب «نداء تونس» الذي سبق أن أوصلهم إلى الحكم.
كذلك يمكنهم أن يعلنوا فك الارتباط السياسي مع «حركة النهضة» ونوابها؛ بل يمكن أن يدفعوا باتجاه تهميش دور البرلمان في العام المقبل، وتحويله إلى مجرد غرفة مكلفة بالمصادقة على بعض مشروعات القوانين المستعجلة، على غرار ما حصل في السنة الانتخابية 2014 في عهد «حكومة التكنوقراط» برئاسة المهندس المهدي جمعة. وللعلم، سبق لقياديين من «النهضة»، مثل سيد الفرجاني، أن حذّروا في وسائل الإعلام وفي رسالة مفتوحة وجهوها إلى رئيس الحركة، من «سيناريو» تمرّد الشاهد سياسياً عليهم في مطلع العام الجديد، بعد أن يكون قد استغنى عن خدمات كتلتهم البرلمانية، في ربع الساعة الأخير.
لكن عوامل داخلية وخارجية كثيرة تؤثر بقوة في المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، ويمكن أن تدفع البلد في كل لحظة خطوات إلى الوراء.
«يتصدر الملف الليبي بمستجداته العسكرية والسياسية والأمنية هذه العوامل»؛ حسب الإعلامي والمحلل السياسي المختص في الشؤون الليبية، علي اللافي. في حين يعتقد رئيس مؤسسة «دراسات دولية» التونسية، السفير عز الدين قرقني، أن «تطورات الأوضاع في كل من ليبيا والجزائر سوف تكون لديها انعكاسات كبيرة جداً على تونس، التي يزورها سنويا 4 ملايين سائح جزائري وليبي، وتربطها حدود برية مشتركة، جبلية حيناً وصحراوية حيناً آخر، يصعب تأمينها، تفوق الألف كيلومتر».
بل لقد ذهب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ووزير الخارجية خميس الجهيناوي بعيداً، عندما صرّحا أخيراً على هامش «القمة الفرنكفونية» في أرمينيا، بأن «تونس وليبيا شعب واحد في دولتين»، ثم استطردا واعتبرا أن ليبيا ليس فيها دولة موحّدة ومخاطب واحد لجيرانها، وخاصة بالنسبة لتونس، التي تربطها بها 450 كيلومتراً من الحدود الصحراوية المشتركة.

مفاجآت أخرى مرتقبة في المشهد السياسي
- على الصعيد الداخلي، لا يستبعد المراقبون أن تشهد المرحلة القامة مفاجآت بالجملة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولئن تتمسك أبرز الأطراف حتى الآن بالتوافق والشراكة السياسية، فإن الطرف السياسي الأقوى في البلاد كان ولا يزال الاتحاد العام التونسي للشغل.
لقد ألغى اتحاد الشغل قبل أيام إضراباً عاما كان سيشنه في المؤسسات العمومية المفلسة، التي طالب الصندوق الدولي بالتفويت فيها أو إصلاحها؛ لأنها تكلف الدولة سنوياً أكثر من عشر موازنتها. وحقاً، جنب قرار إلغاء الإضراب العام البلاد خسائر مالية وسياسية ومشكلات أمنية؛ لكن ثمنه كان موافقة رئاسة الحكومة على زيادات عامة في الأجور، ستكون قيمتها نحو 5 في المائة من الموازنة الإجمالية لعام 2019. ومن المقرر أن توافق الحكومة على زيادات مماثلة في قطاع الوظيفة العمومية؛ لكن انفجار سلسلة جديدة من الإضرابات وأعمال العنف وارد جداً في ظل تدهور القدرة الشرائية ونسب الفقر والبطالة، وفقدان الدينار التونسي نحو نصف قيمته منذ 2011.
وختاماً، يزيد الأمر تعقيداً تعقد الأجندات السياسية والانتخابية، وإصرار بعض القيادات النقابية والسياسية، مثل سمير الشفي، الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، وقيادات نقابات التعليم، على تغيير رئيس الحكومة وبعض وزراء «النهضة» و«النداء» واليسار الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يزيد من تعقيدات معارك الربع ساعة الأخير من أجل السلطة، في مناخ إقليمي ودولي غير عادي.



الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».