حياة يهود الأندلس في عصري المرابطين والموحدين

تولوا المناصب العليا ولم يكونوا منعزلين داخل «غيتوات»

حياة يهود الأندلس في عصري المرابطين والموحدين
TT

حياة يهود الأندلس في عصري المرابطين والموحدين

حياة يهود الأندلس في عصري المرابطين والموحدين

من أجل الوصول إلى صورة قريبة من حياة اليهود في عصر المرابطين، سعت الباحثة الدكتورة زينب أبو زيد في كتابها «اليهود في الأندلس في عصري المرابطين والموحدين» لإزالة كثير من اللبس حول ما أشيع عن اضطهادهم من قبل بعض ملوك الدولتين، خصوصاً الموحدين الذين كان لهم النصيب الأكبر من الاتهامات. وذكرت أبو زيد أن باحثين يهود معاصرين اهتموا بتدوين ودراسة تاريخ أسلافهم، خصوصاً في عصرهم الذهبي في الأندلس، تحدثوا عن الاضطهاد المزعوم دون أن يذكروا أسبابه، وقد حفزها هذا للسعي لرسم صورة صحيحة عن أحوالهم، رغم قلة المصادر والمادة العلمية عنهم في تلك الفترة.
وأشارت أبو زيد إلى أنها اعتمدت في سبيل استجلاء أوضاع اليهود على مقابلة النصوص، واستخدام الاستنباط والقياس من أجل الوصول إلى أقرب صورة لحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، والدور الذي كانوا يقومون به في كل هذه النواحي.
وتضمن الكتاب، الذي صدر حديثاً عن المجلس الأعلى للثقافة، تمهيداً ذكرت فيه أبو زيد أن تعاون اليهود كان من بين العوامل الكثيرة التي أدت لنجاح الفتح الإسلامي للأندلس، وأشارت إلى جماعة من يهود إسبانيا وفدوا إلى طنجة لمقابلة طارق بن زياد، وحرضوه على دخولها، ووعدوه بتقديم المساعدات كافة لتحقيق ذلك، وقد أصبح بإمكان المتنصرين منهم مع استتباب الأمر للمسلمين الرجوع إلى دين آبائهم، كما عاد الفارون منهم من ظلم القوط إلى ديارهم، مما أدى إلى زيادة عددهم في الدولة الإسلامية عنه في إسبانيا القوطية.
ولفتت الدكتورة أبو زيد إلى أن السلطات الإسلامية في الأندلس حرصت على جباية الجزية من اليهود، وفرقت في ذلك بين الغني والمتوسط والفقير، وأعفت منها النساء والصبيان وأصحاب العاهات، كما أن الخلفاء لم يسعوا إلى دعوتهم للدخول إلى الإسلام حتى لا تتأثر الموارد التي ترد إلى الدولة من الجزية. وفي مقابل ذلك، أعطتهم الحرية في إدارة شؤونهم الداخلية، كما توسعت الدولة في تعيينهم في المناصب العليا، ولم يكونوا منعزلين في حياتهم عن المسلمين. وفي تلك الفترة، حسب الكتاب، لم يكن باستطاعة أحد أن يفرق بين اليهودي والمسلم، حيث قامت صداقات كان أشهرها صداقة الوزير أبو الفضل يوسف بن حسداي الهاروني مع كثير من المسلمين، ومنهم الأديب يحيي السرقسطي.
وفي الفصل الأول من الكتاب، ركزت الباحثة على أماكن استيطان اليهود، والتنظيمات الداخلية لجماعاتهم، وحياتهم الخاصة وشؤونهم الدينية، مشيرة إلى أن السلطات الإسلامية في الأندلس لم تفرض عليهم الإقامة في أماكن محددة، وقد عاشوا تقريباً في كل المدن والقرى الأندلسية، التي أنشأوا فيها أحياءهم باختيارهم، في وسط المدن أو في مناطق التلال والحصون. وفي قرطبة مثلاً، كانوا يعيشون في الشمال، حيث تركزوا بمجموعات كبيرة هناك، ولهم فيها باب معروف بـ«باب اليهود»، وهو واحد من بين خمسة أبواب كانت لها، واشتهر باسم «باب الهدى». وفي إشبيلية خالطوا مسلميها، وفي الشرق كانت غرناطة أهم مواطنهم، فضلاً عن مدينة أليسانة التي اشتهرت بسكانها من أثرياء اليهود، وكانت من أكثر الأحياء الخاصة بهم مناعة في الأندلس.
وكان لليهود في كل حي يسكنونه مؤسسات عامة، منها الكنيس والمدرسة التلمودية، ومقر المحكمة الربانية، والحمَّام، والجزارة التي توفر لهم اللحوم المطابقة للمواصفات التوراتية، ودائماً ما كانوا يبنون مقابرهم خارج الحي. وفي قرطبة مثلاً، كان يفصلها عن مقابر المسلمين طريق ضيق، كما كانت لهم مثلها في سرقسطة ومالقة.
لم يكن هناك إذن تمييز يذكر ضد اليهود إلا في الملبس بالمجتمعات الأندلسية، وكان هذا في أواخر عصر الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور (580هـ: 595هـ)، وقد تغير لونها من الكحلي إلى الأصفر. أما دون ذلك، فقد كانوا يشاركون جيرانهم من المسلمين في آبار مياههم، وتبادلوا البيع والشراء فيها مع بعضهم بعضاً، ويؤكد هذا ما ورد في فتاوى ابن رشيد الحفيد، من أن يهودياً باع منزلاً لمسلم مقابل أن يأخذ نصيبه في بئر مشتركة مع جار آخر، كما سمح لهم مسؤولو المساجد القريبة من منازلهم باستغلال آبارها في شؤونهم اليومية، مما يعني أنهم وجدوا بأعداد متناثرة بين أزقة ودروب المسلمين.
وخصصت الباحثة الفصل الثاني من الكتاب للحديث عن حياة اليهود الاقتصادية، وتناولت دورهم في الزراعة والصناعة والتجارة، وقد سعت لاستجلائها عبر رسم صورة للبيئة التي كانوا يعيشون فيها، والتي كانت غنية بالحدائق والبساتين، يغلب عليها المياه العذبة الجارية والأشجار المثمرة، ورغم ذلك كان اليهود الذين يعملون بالزراعة قليلين، بسبب الحروب التي كان يخوضها حكام الدولتين، وأدت لانعدام الأمن في كثير من الأحيان، مما أثر على الحقول التي كانت تستهدفها الجيوش في أثناء القتال، وتعرضها للدمار. ومن هنا، احتلت الزراعة مكانة متأخرة لدى اليهود بسبب قلة مردودها المادي.
وخلاف ذلك، امتهن اليهود حرفاً وصناعات مختلفة، ولم يمنعهم الوضع المتدني لبعضها من ممارستها، مثل صناعة القرب والدباغة وسروج الخيول، وصناعة الأحذية وإصلاح النعال، كما عملوا بالجزارة وخصاء الرقيق والأسرى من الصقالبة الذين كانوا يحملونهم من هناك لبيعهم في سائر البلاد، وعمل بعض من أبناء اليهود في نسخ الكتب وبيعها، فضلاً عن تصنيع الخمور بأنفسهم، لأن التلمود حرم عليهم تناول خمور غيرهم.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل عملوا في سك العملة، وصناعة الحرير، وصياغة الحلي، وتميزوا في ذلك عن جيرانهم من المسلمين.
أما أكثر المهن التي عمل بها اليهود فكانت التجارة، وقد شاركوا في الأسواق العامة، وباعوا كل شيء، بما فيها الخمور. وقد كان من الدلالين الذين يتجولون في الأحياء، ويدخلون البيوت ويبيعون بضاعتهم لنسائها، وقد تعرضوا لكثير من المشكلات نتيجة ذلك، وصل بعضها إلى ساحات القضاء. ولم يتوقف الأمر عند حدود تجولهم بتجارتهم في الأحياء والأزقة، بل كان لهم دور كبير في التجارة الخارجية، تعاظم في القرن السادس الهجري في المحيط الهندي، بعد ما تم إقصاؤهم من تجارة البحر المتوسط، وطرق تجارة الذهب التي كانت تأتي من غرب أفريقيا عبر خطوط في الصحراء، لكنهم مع ذلك عملوا في تصدير الحرير والنحاس والزئبق، واستوردوا الذهب والفخار والكتان المصري والقمح والعقاقير والأعشاب الطبية.
أما عن دور اليهود الثقافي فقد بحثته أبو زيد في فصل خاص، بعنوان «اليهود وحياتهم الثقافية»، مشيرة إلى أنهم انكبوا على دراسة اللغة العربية، واتخذوها لساناً لهم في أحاديثهم اليومية وكتاباتهم العلمية، ولم يستخدموا العبرية إلا في صلواتهم وكتاباتهم الدينية والشعرية، مما يعني أن ثقافتهم كانت تدور في ظل نظيرتها العربية، وليس أدل على ذلك من اهتمام موسى بن ميمون بها، وقد وضع بها مؤلفاته في الفلسفة والمنطق والفلك والطب والفتوى. أما يحيي الحريزي فقد ترجم، فضلاً عن كتابة الشعر بالعربية، كتب بن ميمون ومقامات الحريري إلى العبرية. وعندما أصبح في سن العشرين، بدأ جولة طويلة من الأندلس إلى الشرق، ذكر فيها زياراته للجاليات اليهودية في البلدان العربية، وتحدث عن أدبهم وثقافتهم في القرن الثالث عشر الميلادي.
وفي مجال الشعر والغناء والموسيقى، تأثر اليهود بغيرهم من العرب الأندلسيين، وصاحبوهم وتعلموا منهم، وساروا على نهجهم. وقد ألف موسى، شاعر العبرية، كتابه «المحاضرة والمذاكرة» بقصد أن يكون أداة تمكن الشعر العبري من الاستفادة من البلاغة والشعر العربيين.
وتعرضت الدكتورة زينب إلى الروايات التي قالت باضطهاد اليهود، وذلك في الفصل الرابع «اليهود وعلاقتهم بالدولة والمجتمع»، وقامت بإبراز علاقاتهم بالبلاط الحاكم، ودورهم في الثورات ضد الملوك. كما تناولت علاقاتهم بمحيطهم المجتمعي، سواء كانت بالسلب أو الإيجاب، لتشير في النهاية إلى أن سياسة المرابطين والموحدين تجاههم كانت مبنية على رد الفعل، وامتازت بالتسامح، ولم يكسر ذلك إلا تعاونهم مع أعداء الدولتين، سواء كان ذلك في الداخل أو الخارج.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً