كارل أوف كنوسغارد... ماركيز اسكندنافي

روائي ينحت منمنمات منسوجة من ضجر

كنوسغارد يقرأ من رواية «كفاحي»
كنوسغارد يقرأ من رواية «كفاحي»
TT

كارل أوف كنوسغارد... ماركيز اسكندنافي

كنوسغارد يقرأ من رواية «كفاحي»
كنوسغارد يقرأ من رواية «كفاحي»

وكأن اسكندنافيا كلها كانت تنتظره، وهو داخل منزله الصغير الغارق في ضجيج الصمت على أطراف مدينة سويدية كئيبة تلتحف الصّقيع كعباءة وتلتهم الظّلمة كخبزها اليومي الطازج.
استيقظ نرويجي قد جاوز منتصف العمر مغرورقة عيناه دموعاَ بالفطرة حتى في ومضات الفرح القليلة، واتخذ جلسته أمام حاسوبه الشخصي. كانت الساعة تشير إلى الرّابعة والنصف صباحاً عندما شرع يحاصر ضجره من خفّة الوجود التي ما لبثت تقرع أجراسها في رأسه بطباعة كلمات خارجة عن أي نص ممكن، تراصفت معاً كثورة غاضبة في مواجهة عتو خداع الذات، فتمادى معها وتمادت معه قبل أن يسترده منها أطفاله الثلاثة الذين استيقظوا وارتفعت أصواتهم مطالبين بالحصول على إفطار. لم يكن ذلك النرويجي الذي نعرف الآن أن اسمه كارل أوف كنوسغارد روائيّاً، ولم تكد حياته الرتيبة الرائقة تختلف عما فيها من الملل والتفاهة عن حياة أي موظف مكتبي من الطبقة الوسطى في أوروبا المعاصرة، لكنه وجد نفسه مدفوعاً ولعدة أشهر تالية للانخراط في ذات الطقس السحري لتطريز منمنمات من حروف ينسجها بأدوات الضجر ليستعين بها على مقارعة ضجره الذاتي الخاص، قبل أن تستعيده من وهم الحقيقة إلى حقيقة الوهم أصوات أطفاله الجائعين من جديد.
هذا الطقس اليومي أنتج نصاً غريباً عجيباً يتلاعب بقواعد اللغة ليلقي بأكوام المتناقضات على صعيد واحد، ويستخرج من حصار الرّوح بالمألوف والعادي والمبتذل تراجيديا مشوّقة، وينحت من فوضى المصادفات أقداراً محتمة لا بدّ منها، فيقول تماماً كل ما لا يجب أن يقال حين يراد للبشر أن يتعايشوا في مشوار حياتهم القصيرة العبثيّة. وقد حدث أن تآمرت الوقائع التي لا منطق فيها على نقل هذا النص إلى كتاب منشور باللغة النّرويجيّة المحليّة صنّف أدبياً كرواية سرد ذاتية ما لبثت أن أثارت الانتباه بوصفها تجربة استثنائيّة في وصف حياة غير استثنائية، وبوحاً ذاتياً لا تحتمل صراحته، لا سيما أنها حملت عنواناً شديد الألفة «كفاحي - كما نص الفوهرر الألماني الراحل» في استعمال غير مألوف مطلقاً في مجتمعات أوروبا ما بعد الحرب الكونيّة الثانية.
كنوسغارد وجد نفسه مدفوعاً للاستمرار في ممارسة روتينه اليومي عن وصف الضجر الاسكندنافي، حتى استيقاظ أطفاله الجائعين، تحديداً بعد النجاح غير المتوقع للكتاب وضغوط الناشر المتزايدة عليه. وهكذا صدر جزء ثان تلاه ثالث إلى أن قرر التوقف عن الكفاح بعد جزء سادس صدر أخيراً سماه «كفاحي - النهاية» وظهرت ترجمته الإنجليزيّة الشهر الماضي.
وللحقيقة فإن الأموال والشهرة تدفقت عليه كما لُجة بحر هائج، وتداولت الدوائر المعنيّة بالثقافة اسمه على نطاق واسع كمرشح نجم لجائزة نوبل للآداب، وانتشرت أعماله كما النار عندما تتسابق في التهام الهشيم حتى قيل إن كل بيت نرويجي يمتلك ولو نسخة من أحد أجزاء سداسيته، وأن نرويجياً واحداً على الأقل من كل تسعة قد قرأها، بينما أعلنت بعض أماكن العمل هناك أنها ستخصص أياماً في الأسبوع ينبغي للموظفين فيها التوقف عن الثرثرة والجدل حول «كفاح» كنوسغارد. لكن كل ذلك لم يكن يتسبب لصاحبه سوى بمزيد من الألم والضيق والخجل الشامل، ليس فقط لأنه رجل لا يحب الأضواء، ويمقت المجاملات والاستعراضات الفارغة المرتبطة بها، بل لأن صراحته التي تشبه السذاجة كانت تنتهي به إلى فقدان علاقاته الاجتماعيّة واحدة تلو الأخرى بما فيها زوجته التي تركته بعد الجزء الثاني من السداسيّة، واختارت اللّجوء التطوعي إلى مصحة نفسيّة للتعالج من التجربة، وهو الآن شبه متيقن من أن أطفاله سيقاطعونه حالما يتمكنون من قراءة «كفاحي» بمفردهم.
الصراحة في «كفاحي» لا تبدو أبداً نتاج روح متمردة ثائرة بقدر ما هي ممارسة فجّة لحريّة لا يصلها بشر كثيرون ولا هم حتى يرغبون بالوصول إليها، وقد أخذت كنوسغارد عندها لحظاتُ الأرق المزمن والدهشة الطفوليّة للرجل الواقف أمام تلك الهاوية العبثيّة المسماة الحياة. وهو يقول عن نفسه إنه «فاشل حدّ الفضيحة في ممارسة أهم طرائق العيش بالمجتمعات البشريّة والتي هي خداع الذّات». بينما وصفه صديق مقرّب بأنه «أقرب إلى جامع قمامة الأرواح». وعلى الرّغم من ذلك فإن كنوسغارد ينتهي بعد أن يصدم من حوله ويفضح أعماقهم وخفاياهم إلى أن كثيرين منهم يتقبلونه بعد ذلك ربما لأنه ينجح دائماً في الظهور من دون ادعاءات أو مبالغات كشخص ساذج.
لا يُخفي كنوسغارد أنه يشعر بالخجل والضيق مما يكتب، ولا يقوى على النظر في وجوه الناس الذين عرّاهم بكلماته، ويصاب بتوتر عميق عندما يبعث أي منهم بريداً إلكترونيّاً إليه فتخونه شجاعته عن فتحه، لكنه لا يفهم مطلقاً لماذا لا يمكنه التغاضي عن كل تلك الرداءة التي تُلم بأرواح البشر كما يفعل الناس العاديون في المجتمعات المعاصرة، فينتهي دائماً إلى وصفها بالكلمات.
يصف النقاد الأدبيون النص الكنوسغاردي في «كفاحي» بأنّه قريب من رواية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. لكن الروائي النرويجي يجد أنّه أقرب أدبيّاً للآيرلندي جيمس جويس صاحب الرّواية الشهيرة، التي لم يفهمها أحد إلى اليوم «يوليسس». ولعل واقعيّته المفرطة مع قدرته على نحت المنمنمات تجعله مبتدع واقعيّة سحريّة بنفسِ اسكندنافي على نسق واقعيّة ماركيز الأميركية - اللاتينيّة. لكن تلك المقارنات لا شك معنية أكثر بالروحيّة التي تتحكم في فضاء النص لا في أسلوب الكتابة ذاته، إذ إن جملة كنوسغارد لا علاقة لها بقوانين الكتابة المتعارف عليها، وهي تبدو أحياناً - على ذمة بين ليرنير في مجلّة «لندن بوكس ريفيو» - وكأنها قوائم تسوّق طويلة بلا داع أدبي تفتقد للعمق، وتوظف كليشهات لزوم ما لا يلزم. ومع ذلك فإنه يمكنه أن يصف هباءة في قماشة مزركشة منسوجة بطول عشرين سطراً على نحو يدفع بقارئه عندما يرفع عينيه من دفتي الكتاب لرؤية العالم بشكل مغاير تماماً لم يتسن له إدراكه من قبل. وحتى عنوان كتابه - الذي أثار الجدل لتطابقه مع عنوان هتلر المشهور - لا تبدو له أي علاقة مباشرة بنص الكتاب اللهم ربما في الجزء المتمم للسداسيّة، حيث يفرد مقالة صغيرة عنه تعليقاً على ربط جمهوره لعنوانها الرئيس بمذكرات الفوهرر، معترفاً بأن جزءاً من شعبيته المكتسبة نتيجة بوحه الذاتي المؤلم موازية لذات الحالة المدهشة التي أصابت الألمان عندما قرأوا «كفاحي» - بنسخته الهتلريّة - فتعاطفوا معه وتبعوه. والواقع أن كنوسغارد ليست له علاقة بالسياسة إلا من بوابة تقديم صورة شديدة السطوع عن ذلك الفخ الذي وقعت فيه البشريّة أيام الرأسماليّة المتأخرة، ففقدت روحها وتاهت بأروقة الضجر والادعاء والتكاذب.
نهاية «كفاحي» لا يبدو أنها تعني توقف كنوسغارد عن الكتابة، فلا شيء عنده يماثل توقعات المجتمع منه، ولا يُستغرب أن يقوده الضجر مجدداً لتمديد كفاحه بعد «النهاية» لنقرأ كيف كانت معاناته مع الوجود فيما تلاها. على أنه نشر أثناء كتابته للسداسية رباعية الفصول، التي هي نصوص تتخذ كل مجموعة منها اسم فصل من فصول السنة يصف فيها العالم كما نعيشه لابنته الصغيرة.
يقول كنوسغارد إنه لن يسامح نفسه أبداً عما اقترفه في 3600 صفحة من «كفاحي». ذلك تحديداً ربما سيكون كلمة السّر لدخول السداسيّة إلى بانثيون الكلاسيكيّات الهائل، الذي ليس فيه كتب لم تُغضب معظم الناس حول مؤلفيها، قبل أن تستحق سمة الأبديّة.



المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».