نحو سباق تسلّح يرسم الخطوط الجديدة للنفوذ الدولي

بعد إعلان ترمب نيته الانسحاب من معاهدة «النووي المتوسط المدى»

الرئيس الأميركي رونالد ريغان - إلى اليمين - والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يوقّعان المعاهدة في البيت الأبيض يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 1987 (ويكيبيديا)
الرئيس الأميركي رونالد ريغان - إلى اليمين - والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يوقّعان المعاهدة في البيت الأبيض يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 1987 (ويكيبيديا)
TT

نحو سباق تسلّح يرسم الخطوط الجديدة للنفوذ الدولي

الرئيس الأميركي رونالد ريغان - إلى اليمين - والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يوقّعان المعاهدة في البيت الأبيض يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 1987 (ويكيبيديا)
الرئيس الأميركي رونالد ريغان - إلى اليمين - والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يوقّعان المعاهدة في البيت الأبيض يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 1987 (ويكيبيديا)

وضع إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترمب نيّته الانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية المتوسطة المدى المبرمة عام 1987 والتي وقعها الرئيس الأميركي رونالد ريغان وزعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، العالم في مواجهة معادلة جديدة، قد تصل في حدها الأقصى إلى الانخراط في سباق نووي.
ترمب الذي لا يتردد في اتخاذ قرارات جريئة ومفاجئة، اتّهم روسيا بأنّها "تنتهك منذ سنوات عديدة" معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى. وأضاف: "لا أعرف لماذا لم يتفاوض الرئيس (باراك) أوباما عليها أو ينسحب منها. نحن لن نسمح لهم بانتهاك اتفاقية نووية وتصنيع أسلحة في حين أنّنا ممنوعون من ذلك".
وسبق قرار ترمب بيومين، كلام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شكك في الفرضية القائلة إن انتشار الأسلحة النووية وتوازن الرعب يضمنان عدم حصول حرب نووية، بل قال إن "فرضية استحالة الحرب النووية التي صيغت في العهد السوفياتي بالتعاون مع الولايات المتحدة تحتاج إلى التأكيد في الظروف الراهنة". وتحدّث في هذا السياق عن عمل دول حلف شمال الأطلسي على "تكديس الأسلحة على حدودنا والتوجه نحو تحديث البنية التحتية الخاصة بطرق النقل لضمان سرعة وصول المعدات العسكرية الأميركية الثقيلة".
وربط لافروف هذه التطورات بالعقيدة النووية الأميركية الجديدة التي اعتمدتها وزارة الدفاع "البنتاغون" و"يجري بموجبها خفض الحد من استخدام الأسلحة النووية وتصنيع أسلحة نووية صغيرة جداً مع نية واضحة لجعل هذا النوع من الأسلحة وسيلة محتملة لخوض الحرب. وهذا ما ينسف من الناحية النظرية كل الاتفاقات القائمة التي تعتبر هذه الأسلحة بموجبها أدوات للتخويف وللردع المتبادل لا لممارسة العمليات العسكرية".
وتنص وثيقة البنتاغون على أن واشنطن ستواصل استثمار الأموال في تصميم الأسلحة النووية ذات القدرات الصغيرة، بالإضافة إلى تحديث مكونات "الثلاثي النووي"، أي الصواريخ العابرة للقارات والغواصات الاستراتيجية والقاذفات.
*ما سبب القرار؟
لن تنفع على الأرجح مناشدات زعماء الدول في ثني ترمب عن قراره، وإن كان من بين هؤلاء "صديقه" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وسيتواصل بالطبع التراشق بين واشنطن وموسكو وتبادل التهم بانتهاك المعاهدة.
لكن بعيداً عن هذا يجدر السؤال: لماذا اتخذ الرئيس الاميركي هذا القرار وفي هذا التوقيت بالذات؟
يجب أولاً أن نذكر أن توقيع المعاهدة بين ريغان وغورباتشوف عام 1987 كان لحظة فاصلة في كتابة الفصل الأخير من الحرب الباردة، في أوج موجة الانفتاح التي أطلقها الزعيم السوفياتي وأفضت في النهاية إلى انفراط عقد الاتحاد السوفياتي والمعسكر الذي يدور في فلكه. وساعدت المعاهدة التي وقّعت في واشنطن ودخلت حيز التنفيذ في الأول من يونيو (حزيران) 1988، في التخلص من آلاف الصواريخ المنصوبة على اليابسة والتي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر.
يقول محللون إن وراء قرار ترمب مساعدين نافذين في الإدارة من "الصقور"، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون الموجود حالياً في موسكو. ويستندون في ذلك إلى كون الاتهامات الأميركية والأطلسية لموسكو بانتهاك المعاهدة قديمة ومتكررة، لكنها لم تفضِ إلى قرار انسحاب. ويعتبر المحللون أن ترمب خدم الروس باتخاذه هذه الخطوة، إذ أعطاهم المبرر للتخلص من المعاهدة.
ومن أصحاب هذا الرأي ستيفن بايفر، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية والخبير الحالي في "معهد بروكينغز"، الذي يقول إن الولايات المتحدة ستُلام على إنهاء المعاهدة، و بما أن "البراهين الأميركية على الانتهاك الروسي لها مصنفة سريّة ولن تُكشف، فإن السجال العلني سيقتصر على تبادل الاتّهامات".
ويضيف بايفر أن انتهاء المعاهدة هو عسكرياً لمصلحة الروس، لأنهم يملكون صواريخ متوسطة المدى لا تملك مثلها الولايات المتحدة حالياً، الأمر الذي سيدفع بالأخيرة إلى تصنيع ما تحتاج إليه، وبالتالي سينطلق سباق تسلّح نووي جديد تبدأه واشنطن من موقع متأخّر.
يوافق الأميرال المتقاعد جون كيربي، المحلل العسكري والدبلوماسي في شبكة "سي إن إن" التلفزيونية، على أن القرار حقق لموسكو بعض المكاسب. ويقول: "هذا يمنح بوتين نصرا ويسمح له بالتعجيل في تطوير قدراته"، مضيفا أنه "سيكون الآن قادرا على انتهاك المعاهدة علانية".
وليس أوضح في هذا المجال من الكلام الرسمي الروسي الذي ورد على لسان المتحدث باسم الكرملين ديكتري بيسكوف الذي قال اليوم (الإثنين) إن الخطوة الأميركية ستجعل العالم أكثر خطورة، وإن روسيا ستضطر للتحرك من أجل استعادة توازن القوة العسكرية إذا انسحبت واشنطن من المعاهدة وشرعت في تطوير صواريخ جديدة.

*الأبعاد الأخرى
بعيداً عن الظاهر والآنيّ، يشير محللون آخرون إلى أن نية الخروج من المعاهدة مع موسكو لا تتعلق بروسيا وحدها، بل يجب العودة في هذا السياق إلى العقيدة النووية الأميركية التي صدرت في فبراير (شباط) الماضي. ففي مقدمتها كتب وزير الدفاع جيم ماتيس أنه منذ آخر مراجعة للموقف النووي عام 2010، تغيرت البيئة الاستراتيجية العالمية، فكوريا الشمالية تستفزّ المجتمع الدولي، وروسيا والصين تحدّثان أسلحتهما وتتخذان إجراءات أكثر جرأة تتصل بقواتهما العسكرية التقليدية.
وأضاف ماتيس: "يجب أن ننظر إلى الواقع ونرى العالم كما هو، وليس كما نرغب في أن يكون. هذه المراجعة تعكس التقييم العملي والواقعي للتهديدات التي نواجهها والشكوك المحيطة بالبيئة الأمنية المستقبلية".
وفي قراءة بين السطور لوثيقة وزارة الدفاع الأميركية، قال البروفسور في جامعة يال بول براكن، إن الخطوات الروسية والصينية تؤثر سلباً في النفوذ الأميركي في غرب المحيط الهادئ وجنوب آسيا والشرق الأوسط. "وإذا كان ثمة صورة تتكوّن مؤدّاها أن الولايات المتحدة لم تستثمر الأموال في تحديث قواتها النووية، فعندئذ يمكن أن تكون العواقب الاستراتيجية خطيرة".
ويلفت براكن إلى أن الولايات المتحدة ركّزت جهودها العسكرية والأمنية في السنوات العشر الأخيرة على مكافحة الإرهاب، وأهملت سباق التسلّح القائم في واقع الحال ولا يتوقف أبداً. لذا، يأتي تصور البنتاغون وما أعلنه ترمب في شأن معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى في هذا الإطار، وبالتالي ما ستفعله واشنطن في هذا الصدد هو محاولة اللحاق بمنافسَيها الأساسيين قبل تجاوزهما في مرحلة لاحقة.
سباق تسلح نووي وغير نووي جديد إذاً؟
واشنطن تبدو مصممة على التشدد حيال روسيا والصين، وعلى تعويض ما فاتها من تعزيز لترسانتها. لكن يجب ألا ننسى الاستراتيجية التي يعتمدها دونالد ترمب، وبنجاح في غالب الأحيان كما ثبت حتى الآن، وهي "سياسة حافة الهاوية"، بمعنى أنه سيمضي في سباق تسلّح بهدف جلب روسيا والصين إلى طاولة المفاوضات لرسم خطوط جديدة للنفوذ والعلاقات، على اعتبار أن معادلات أواخر القرن العشرين لم تعد صالحة في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.