كنوز العالم الإسلامي من الهند للأندلس في مزاد بـ«كريستيز»

مخطوطات ومنمنمات وصور نادرة

لوحة فخارية من إيران القرن الـ 13
لوحة فخارية من إيران القرن الـ 13
TT

كنوز العالم الإسلامي من الهند للأندلس في مزاد بـ«كريستيز»

لوحة فخارية من إيران القرن الـ 13
لوحة فخارية من إيران القرن الـ 13

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام تتألق دور المزادات اللندنية بنماذج من أرقى الفنون الإسلامية التي لا يقدم سحرها ولا يمل الجمهور من رؤيتها. في مزادها الذي سيعقد يوم 25 أكتوبر الحالي جمع مسؤولو أقسام الفن الإسلامي والهندي وقسم السجاد مجموعة قيمة من المعروضات يصل عددها لـ300 قطعة تنوعت في تاريخها وأساليبها ولمساتها الفنية، إضافة إلى قصص كثيرة تروي فصولا من التاريخ الاجتماعي للمجتمعات في الدول الإسلامية المختلفة وأيضاً تلقي الضوء على العلاقات التجارية بين بلدان المشرق والمغرب. تمتد الفترة التاريخية التي تتقاسمها المعروضات من القرن التاسع إلى القرن التاسع عشر ميلادي وتمتد من الهند إلى في الشرق إلى الأندلس في الغرب.
وإن كانت هناك متعة في تصفح الكتالوجات الضخمة التي تصدرها الدار وتملؤها بصورة لمعروضات أخاذة، فلا يوجد شك أن المتعة الأكبر تكمن في رؤية تلك القطع على الطبيعة، وخصوصا في قبو الدار حيث تتوزع القطع المختلفة ما بين الأرفف والطاولات وعلى الأرض وتصبح مهمة البحث بين تلك الأرفف كمن يبحث في مغارة علاء الدين.
في زيارة خاصة لنا في قبو الكنوز هذا تصحبنا الخبيرة بالدار سارة بلمبلي التي تملؤها الحماسة دائما للحديث عن أهمية قطعة ما وتضعها داخل إطار مشوق من القصص حول ملاكها السابقين وصانعيها.
نبدأ مع بلمبلي في اختيار القطع التي تضع عليها الدار آمالا كبيرة في جذب المشتري وننطلق مع رسم يعود للقرن السابع عشر بريشة الفنان ريزا عباسي وتصور رجلا نبيل الملامح يجلس منحنيا في ظل شجرة أنيقة، يلقي بنظرة على ما يبدو وكأنه جزء من نهر أزرق بديع اللون. تشير بلمبلي للصورة وتقول إنها واحدة من رسمتين للفنان نفذها بناء على طلب أحد النبلاء. تقول: «هذا الرسم يتخذ أسلوبا مختلفا عن فن المنمنمات الذي ينتمي إليه الرسم، ففي العادة تصور المنمنمات أشخاصا كثيرين من خلال مشهد مجلس أو مشهد صيد ولكننا هنا أمام شخصية واحدة وكانت محفوظة داخل مجلد للصور يعتقد أن صاحب اللوحة كان يحمله معه». هذه اللوحة لها تتمه في لوحة مماثلة ولكنها تصور امرأة نعتقد أنها زوجة بطل اللوحة الأولى والذي يعتقد أن اسمه ميرزا محمد شافهي».
تشير إلى نقطة هامة وهي أن الرسم يصور ميرزا وزوجته بشكل مثالي وربما أجمل من الطبيعة وتضيف: «ويعتقد أن ميرزا كان يحمل الرسمتين معه في سفره كتذكرة لحبهما، ويظهر ذلك من طريقة تصويرهما رسمهما يميلان على بعضهما ووجود الأشجار حولهما وأعتقد أنهما وضعا في نفس الألبوم». اللوحة حسب ما تشير الخبيرة تحقق كل الشروط في القطع الموثقة فهي «ذات تاريخ امتلاك موثق وعرضت في معارض عالمية من قبل فهي تستوفي كل الشروط».
في رسم الرجل هناك لمسة ثراء في ألوان الشجرة خلفه بينما يظهر رسم المرأة أكثر تحفظا في الألوان طريقة تصوير المعطف وطريقة انسداله على ساق الرجل مما يجعلها لوحة أيقونية خاصة مع اللمسة الشاعرية التي تبث فيها سحرا خاصا.
- صحون خزفية من القرن العاشر
تعرض لنا بلمبلي صحنين خزفيين تجملهما كتابة بالخط الكوفي على الحواف باللون الأسود ما يخلق تضادا بصريا جميلا مع الأرضية البيضاء المائلة للصفار ربما من أثر مرور الزمن. الكلمات المكتوبة بإبداع متناه تقدم جملا من الأقوال المأثورة، وهنا صحن مماثل ولكنه لا يحمل الكلمات وإنما رسم لطائرين متقابلين. وتقدر الدار للأطباق الثلاثة أسعاراً مرتفعة تناسب ندرتها ومكانتها التاريخية.
- ألواح من باب خشبي مرسوم
في أحد الأرفف تقبع عدة قطع خشبية مختلفة الأحجام تتميز بلونها الأخضر والنقوشات على حوافها ووجود رسمة في المنتصف، بعضها يصور أزهارا ملونة والبعض الآخر يصور أشخاصا جالسين فيما يبدو وكأنه حديقة يانعة. هناك أيضاً في لوحين طوليين رسوم لأشخاص يجلسون تحت ظل شجرة وأمامهم بعض الأواني مما يرجح أن تكون الصور لنزهة في أحد البساتين الوارفة. القطع هي أجزاء مقتطعة من أبواب صنعت في القرن السابع عشر في العهد الصفوي.
- كرسي أندلسي
من القطع اللافتة فعلاً والتي تنضح بالجلال والتاريخ نجد مقعدا خشبيا منقوشا في كل أسطحه، يعود للدولة الناصرية بالأندلس في الفترة ما بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر. وهو منقوش برسومات هندسية بديعة مطعمة بالعظم والفضة على هيئة نجوم وورود. ويشير دليل المزاد إلى ندرة هذا الطراز من الكراسي حيث لم يظهر مثله كثير وأن أحد نماذجه محفوظ بمتحف المتروبوليتان بنيويورك وآخر في متحف الحمراء بغرناطة. تقدر الدار لهذه القطعة مبلغا يتراوح ما بين 60 ألف إلى 80 ألف جنيه إسترليني.
- قرآن من القرن السادس عشر
كأي مزاد لفنون العالم الإسلامي توجد مجموعة من المصاحف والصفحات المنفصلة من مصاحف تاريخية. أحدها يقبع أمامنا في هذه الحجرة، وتشير بلمبلي إلى أنه متفرد في نقطة واحدة وهي أن جميع حروفه مكتوبة بالذهب، مما يرجح أن يكون صاحبة أحد النبلاء. «مثل هذا المصحف نادر جدا»، تعلق الخبيرة وتضيف: «نعرف أنه صنع في حرات بأفغانستان وأنه نفذ بناء على طلب شخص شديد الثراء ولكننا لا نملك معلومات أكثر عن الخطاط أو المالك حيث لا توجد أية إشارات لذلك على صفحاته ولكننا نعرف العصر الذي كتب فيه وذلك عبر المقارنة في أسلوب الكتابة والزخرفة، مما يرجح لنا فترة معينة».
- المصحف الأزرق
المصحف الأزرق سمي بذلك لكتابته على قطع من الجلد الملونة بلون أزرق غامق بينما تنتظم حروفه بالذهب إلى جانب علامات الأجزاء بالفضة. تقول بلمبلي إن الصفحتين اللتين يعرضهما المزاد ظهرتا في أحد المزادات في 2002. الكتابة لا تزال محتفظة ببريق الذهب على الجانبين وتفسر لنا أهمية ذلك بالقول: «عادة في المخطوطات على الجلد يكون هناك جانب أملس يمتص الحبر ويحافظ عليه بينما الجانب الآخر وهو جانب الشعر فلا تكون الكتابة ثابتة، ولكننا هنا نرى أن الجانبين محافظان على الكتابة المذهبة بشكل ممتاز».
- ساعات إنجليزية لسوق عثمانية
في أحد الأرفف تجلس ساعات ضخمة داخل خزانات خشبية مزخرفة تشير إلى أنها ساعات كانت رائجة في عصر الدولة العثمانية. صنعت هذه الساعات في إنجلترا حسب الطلب. الساعات والتي تصدر نغمات موسيقية تحمل توقيع صانعها جورج بريار صانع ساعات إنجليزي معروف. بريار صنع الكثير من الساعات بأشكال مختلفة للسوق العثمانية خاصة ولهذا نجد بعضها وقد حمل الأرقام العربية.
- خريطة الحرم النبوي وصور لمكة
يضم المزاد أيضا مجموعة من الرسومات الهندسة والخرائط للحرم المدني تعود للمهندس فهمي مؤمن بك، وهي تحمل أهمية تاريخية، كونها تخص المعماري الذي وضع التصميمات المعمارية للتوسعة السعودية الأولى، ويشير الخبراء إلى أن رسومات المعماري فهمي مؤمن بك راعت الحفاظ على العمارة العثمانية الموجودة؛ حرصا على استمرارية روح المعمار وسماته من المسجد القديم إلى التوسعة. من المعروضات أيضاً أربعة صور تاريخية من تصوير محمد صادق بك للكعبة المشرفة للمحمل المصري التقطت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.



«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
TT

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

في مكة المكرمة، لا تمر ليالي رمضان، كما تمر في المدن الأخرى؛ فهنا تتشبث الأحياء بعاداتها، كما تتشبث الجذور بأرضها، وتستعيد الحارات ذاكرتها الجمعية كل عام، وهي تعيد نصب الفرح في الأزقة نفسها التي حفظت أصوات الأجداد.

ورغم تسارع الزمن، وتبدّل أنماط الحياة، تتمسك أحياء مكة بإرثها الرمضاني، لكن بوعي تنظيمي حديث يحوّل المبادرات الشعبية إلى منظومات عمل موسمية متكاملة، يقودها شباب الحارات، وتشارك في صنعها الأسر والنساء والمتطوعون، في مشهد اجتماعي متجدد يتسع ولا ينقطع.

البسطات التي تقدم الوجبات الخفيفة من أحد عوامل جذب الزوار وقاطني الحي (الشرق الأوسط)

فمع إعلان دخول رمضان، تبدأ عدد من حواري المدينة المقدسة حراكها المبكر لإطلاق مواقع الفعاليات، التي يُحدَّد معظمها عادة منذ شهر شعبان، بعد وضع الخطط التشغيلية وتوزيع المهام بين فرق شبابية تعمل بروح تطوعية. ولم يعد الهدف مجرد إقامة تجمع عابر، بل صناعة مساحة اجتماعية جاذبة تستوعب سكان الحي والزوار معاً.

وتكشف المبادرات الشبابية في مكة عن تطور لافت في طريقة تقديم الفعاليات؛ إذ يقول نايف بار إنها انتقلت من نطاق محدود داخل كل حارة إلى منصات مفتوحة تتقاطع فيها الجوانب الترفيهية والإنسانية. ويوضح أن هذه اللقاءات اليومية، التي تمتد لساعات، أصبحت برنامجاً ثابتاً في الحي، مع تنوع الأنشطة بين الألعاب الرياضية والإلكترونية والبرامج الثقافية، بما يعكس قراءة واعية لذائقة المجتمع المحلي.

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

المرأة المكية

من أبرز التحولات التي شهدتها هذه الفعاليات، خصوصاً في حي زهرة كدي، الحضور المتنامي للمرأة، التي دخلت المشهد من بوابة المشاركة المنظمة لا الحضور الرمزي، إذ باتت الأركان النسائية جزءاً أصيلاً من خريطة الفعاليات في عدد من الحواري.

وأشار بار، وهو أحد منظمي «ليالي حي زهرة كدي»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذا العام شهد مشاركة واسعة من نساء الحي في تنظيم الفعاليات الخاصة بهن، وتقديم برامج وأنشطة ثقافية متنوعة ومسابقات أسرية، إلى جانب مبادرات تطوعية تخدم قاطني الحي وتزيد من وهج الفعاليات.

ولم يأتِ هذا التوسع في المشاركة النسائية منفصلاً عن طبيعة المجتمع المكي، بل منسجماً معه؛ إذ وفّرت الفعاليات مساحات عائلية آمنة ومنظمة شجعت مشاركة النساء والفتيات، وأسهمت في تحويل ليالي الحارات إلى فضاء اجتماعي متكامل تتقاطع فيه أدوار جميع أفراد الأسرة.

تنوع البرامج

عملياً، حدّد منظمو الفعاليات أهدافهم الاجتماعية من خلال باقة واسعة من البرامج، شملت ألعاب البلياردو، والتنس، و«الفرفيرة»، والألعاب الإلكترونية، إلى جانب منافسات الكرة الطائرة وكرة القدم، فضلاً عن أمسيات ثقافية وتوعوية، وهو ما تحرص عليه الحواري المكية، لا سيما في الجانب الإنساني من برامجها.

تشهد عدد من أحياء مكة سباقاً لتنظيم الفعاليات خلال ليالي رمضان (الشرق الأوسط)

كما تبنّت أحياء عدة إقامة السفر الرمضانية اليومية ضمن برامجها الخدمية، فيما فعّلت بعض مراكز الأحياء برامج ومسابقات لإحياء الليالي بأساليب وأنماط مختلفة، في خطوة تعكس وعي المنظمين بطبيعة مكة بوصفها مدينة تستقبل العالم.

خصوصية المكان

لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن خصوصية مكة المكرمة، التي تشهد تدفقاً بشرياً كثيفاً خلال رمضان، ما يمنح هذه المبادرات زخماً مضاعفاً، خصوصاً في الحارات القريبة من المسجد الحرام؛ إذ تستفيد من هذا الحضور المتنوع، لتتحول الفعاليات إلى نقاط التقاء ثقافي واجتماعي.

ويؤكد عدد من المنظمين أن التطوير السنوي للفعاليات أصبح نهجاً ثابتاً يقوم على تقييم التجارب السابقة والبناء عليها، بهدف تلبية تطلعات مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن، مع الحفاظ على روح الحارة التي تمثل جوهر التجربة.

أنشطة وفعاليات تشهدها حواري مكة خلال رمضان (الشرق الأوسط)

العمل الإنساني

رغم اتساع الطابع الترفيهي، يبقى البعد الإنساني العصب الحقيقي لهذه المبادرات؛ إذ حرصت بعض الفعاليات على إدراج برامج نوعية، مثل تخصيص أيام لأيتام الأحياء، وهو أحد البرامج الرئيسية في حي «زهرة كدي»، إلى جانب تنظيم السفر الجماعية المفتوحة. وقد منحت هذه المبادرات الحراك الشبابي قيمة مضافة، ونقلته من إطار الترفيه الموسمي إلى مشروع اجتماعي مستدام.

ومع هذا الزخم، تبدو أحياء مكة في رمضان وكأنها تعيد إنتاج نفسها كل عام؛ ذاكرة قديمة لا تتخلى عن تفاصيلها، وروح شابة تعيد تنظيم المشهد بأدوات معاصرة. وبين تمسّك راسخ بالعادات، وانفتاح محسوب على التطوير، تواصل الحارات المكية كتابة حكايتها الرمضانية الخاصة؛ حكاية تبدأ من الأزقة، لكنها تمتد بثرائها إلى قلب المدينة كلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
TT

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)

نجح أحد الطلاب في حلّ لغز كوني طال أمدُه يتعلَّق ببعض أكثر الأجسام غرابة في نظامنا الشمسي؛ «رجال الثلج» الجليديين الذين يستوطنون أطرافه البعيدة.

ونقلت «الإندبندنت» عن بحث نشرته دورية «الإخطارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، أنه لطالما تناقش علماء الفلك حول أصول هذه «الثنائيات المتلامسة»؛ وهي أجرام تتكوَّن من كرتين متّصلتين، في شكل يحاكي هيئة «رجل الثلج».

والآن، يزعم باحثون في جامعة ولاية ميشيغان امتلاك أدلة تشير إلى أن عملية بسيطة على نحو مفاجئ يمكن أن تفسّر نشوء هذه الأشكال المميّزة.

توجد أجرام «رجال الثلج» السماوية الغريبة في «حزام كايبر»، وهو امتداد شاسع يقع خلف كوكب نبتون، ويعجّ بالبقايا الجليدية التي يعود تاريخها إلى الحقبة التي تَشكل فيها النظام الشمسي. ويقع هذا النطاق خلف حزام الكويكبات المضطرب الممتدّ بين المريخ والمشتري.

وقد ظلت هذه اللبنات القديمة، المعروفة باسم «الكويكبات الأولية»، على حالها دون أن يمسّها تغيير لمليارات السنوات، ويُصنّف واحد تقريباً من بين كل 10 من هذه الأجرام ضمن فئة «الثنائيات المتلامسة».

ويكمن اللغز المحيّر الذي استعصى على الحلّ في كيفية تشكّل مثل هذه الهياكل الهشَّة، من دون أن تتحطَّم بعنف نتيجة اصطدام بعضها ببعض.

وقد طوَّر جاكسون بارنز، وهو طالب دراسات عليا في الجامعة، أول محاكاة حاسوبية توضح كيف يمكن لهذه الأشكال ذات الفصين أن تنشأ بشكل طبيعي من خلال «الانهيار الجاذبي».

وتُعرف هذه العملية بأنها المسار الذي تتقلَّص من خلاله المادة تحت تأثير جاذبيتها الخاصة، مُتغلّبةً على القوى التي قد تؤدّي بخلاف ذلك إلى تشتّتها.

وكانت النماذج الحاسوبية السابقة تتعامل مع الأجرام المتصادمة وكأنها كتل سائلة تندمج بسرعة لتشكل كرات مفردة، ممّا جعل من المستحيل إعادة محاكاة نشأة «الثنائيات المتلامسة». أما محاكاة بارنز التي استندت إلى مرافق حوسبة عالية الأداء، فقد سمحت للأجرام بالحفاظ على تماسكها واستقرارها برفق ضد بعضها البعض.

وفي حين ذهبت نظريات أخرى إلى أنّ إنتاج هذه الأشكال قد يتطلَّب أحداثاً نادرة أو ظروفاً استثنائية، يرى الباحثون أنّ مثل هذه التفسيرات لا يمكن أن تفسّر وفرتها الظاهرة؛ حيث صرح الدكتور سيث جاكوبسون، الأستاذ المساعد في علوم الأرض والبيئة والمشرف الرئيسي على الدراسة، وأضاف: «إذا كنا نعتقد أن 10 في المائة من الكويكبات الأولية هي ثنائيات متلامسة، فلا يمكن للعملية التي تشكلها أن تكون نادرة؛ إذ إن الانهيار الجاذبي يتوافق تماماً مع ما رصدناه».

يُذكر أنّ الثنائيات المتلامسة شوهدت للمرة الأولى بتفاصيل دقيقة في يناير (كانون الثاني) 2019، عندما حلّقت مركبة «نيو هورايزونز» التابعة لوكالة «ناسا» بالقرب من جرم في «حزام كايبر» سُمّي لاحقاً بـ«أولتيما ثولي». وقد دفعت تلك الصور العلماء إلى إعادة فحص الأجرام البعيدة الأخرى، ليكتشفوا أنّ نحو 10 في المائة من الكويكبات الأولية تشترك في الشكل المميّز عينه.

وفي «حزام كايبر» قليل الكثافة، تنجرف هذه الأجرام دون أن يمسها اضطراب يُذكر، ونادراً ما تصطدم بحطام فضائي آخر.

ففي التاريخ المبكر لمجرّة «درب التبانة»، كانت المجرّة تتكوَّن من قرص من الغاز والغبار؛ ولا تزال بقايا تلك الحقبة قائمة في «حزام كايبر» اليوم، بما في ذلك الكواكب القزمة مثل «بلوتو»، جنباً إلى جنب مع المذنبات والكويكبات الأولية.

تُعد الكويكبات الأولية من بين أولى الأجسام الصلبة التي تشكلت نتيجة تكتل الغبار والمواد التي بحجم الحصى تحت تأثير الجاذبية. وهي تُشبه إلى حدّ كبير كرات الثلج المضغوطة؛ إذ تُمثّل تجمّعات مفكَّكة انبثقت من سحب من الجزيئات متناهية الصغر.

وتُظهر محاكاة بارنز أنه مع دوران إحدى هذه السحب، يمكن أن تنكمش نحو الداخل وتنقسم إلى جسمين منفصلين يبدآن في الدوران بعضهما حول بعض؛ وهي ظاهرة «الكويكبات الثنائية» التي تُرصد بكثرة في «حزام كايبر». ومع الوقت، تتقارب مداراتهما بشكل لولبي حتى يتلامس الزوجان برفق ويندمجان، محتفظين بأشكالهما المستديرة.

ويوضح أنّ السبب وراء بقاء هذه الهياكل التي تبدو هشة لبلايين السنوات يعود ببساطة إلى «عامل المصادفة». ففي مثل هذه المناطق النائية، نادراً ما تحدث اصطدامات. وفي غياب أيّ ارتطام كبير، لا يوجد ما يكفي من القوة لفصل الجسمين عن بعضهما، وهو ما يفسر خلو عدد من الثنائيات المتلامسة من الفوهات الناتجة عن الارتطامات، أو ندرتها الشديدة.

ولطالما ساور العلماء الشك في أنّ الانهيار الجاذبي هو المسؤول عن هذه الظاهرة، لكنهم كانوا يفتقرون حتى الآن إلى نماذج قادرة على اختبار الفكرة بشكل سليم. وفي هذا الصدد، قال بارنز: «أصبحنا قادرين على اختبار هذه الفرضية للمرة الأولى بطريقة علمية رصينة. وهذا هو مبعث الإثارة في هذه الورقة البحثية».

ويعتقد أنّ هذا النموذج قد يساعد الباحثين أيضاً في فهم أنظمة أكثر تعقيداً تضم 3 أجرام أو أكثر؛ إذ يعكف الفريق حالياً على تطوير عمليات محاكاة ترصد تفاصيل عملية الانهيار بدقة أكبر.

ومع انطلاق البعثات الفضائية المستقبلية في أعماق النظام الشمسي الخارجي، يرى الباحثون أنّ شكل «رجل الثلج» المألوف قد يتبيّن أنه أكثر شيوعاً بكثير مما كان يُعتقد في السابق.


80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
TT

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

في الصين، يمكن للفوانيس الحمراء أن تكون مرشداً للمسافر نحو الأمان في الأزقة بليالي الشتاء القارسة، أو رمزاً للهيبة والسطوة أمام الردهات الإمبراطورية، أو حتى نداءً يثير الخشوع الديني حين تُعلّق في المعابد.

كما أنها باتت مرادفاً لاحتفالات السنة القمرية الجديدة في أنحاء البلاد، وحلقة وصل تربط صينيي اليوم بثقافة أسلافهم. ووفق «بي بي سي»، فإنّ محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في البلاد في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

ومع ذلك، تبرز حقيقة مذهلة تشير إلى أن نحو 80 في المائة من فوانيس البلاد لا تزال تصنّع يدوياً في بلدة صغيرة واحدة بمقاطعة «خبي». وحين تتجوَّل في شوارع بلدة «تونتو» المتربة، ستجد مظاهر صناعة الفوانيس تحاصرك أينما نظرت.

إلقاء نظرة عبر باب مفتوح على فناء أحد المنازل قد يكشف لك عن مجموعة صغيرة من القرويين يجلسون على مقاعد خشبية صغيرة يصنعون الفوانيس، وهم يتبادلون الحديث، في حين تكتظ الشوارع الرئيسية بأكوام من الفوانيس الحمراء المتراصة بعضها فوق بعض.

لا أحد يعرف متى بدأت هذه الحرفة في هذا الجزء من شمال الصين قبل مئات السنوات، لكن إذا وُلدت في «تونتو»، فإنّ هذا يعني أنك منغمس في صناعة الفوانيس منذ نعومة أظفارك. وتقول إحدى السيدات: «عندما ترى أفراد عائلتك يمارسون هذا العمل يومياً، فإنك تتقن السرّ بسرعة»، مضيفةً أنّ «الأطفال هنا يمكنهم تعلُّم الحرفة منذ سنّ العاشرة تقريباً».

ويبدو من المثير للإعجاب أنه في عصر خطوط الإنتاج فائقة التقنية، تمكنت هذه البلدة من إحكام قبضتها على سوق الفوانيس، مستخدمةً تقنيات إنتاج من حقبة زمنية غابرة. وحين سُئل أحد صُنّاع الفوانيس المسنين عن السر، أجاب بأنهم يستطيعون تلبية الطلبات المتنوّعة بسهولة، مهما كان حجمها صغيراً، وبتكلفة أقلّ ممّا توفّره المصانع.

ورغم أنّ الإنتاج الحديث قد يجد في المستقبل وسيلة لمحاكاة ما تنجزه هذه القرية يدوياً، مع تقديم الخيارات المتنوّعة نفسها بأسعار تنافسية، فإنّ ذلك لم يحدث بعد.

وإنما التحدّي الذي يواجه «تونتو» يتمثَّل في أنّ كثيراً من الشباب اليوم لم يعودوا يرضون بحياة تقتصر على صناعة الفوانيس، مفضلين بدلاً من ذلك إغراءات المدينة والفرص التي تتيحها الحياة الحضرية، ممّا قد يعني نقصاً في الأيدي العاملة خلال السنوات المقبلة.

ومع ذلك، تظل «تونتو» حتى اللحظة الراهنة «بلدة الفوانيس» في الصين، ويشعر سكانها بالفخر لارتباط اسم بلدتهم بهذه الحرفة العريقة.