قاعات جديدة للفن الإسلامي بالمتحف البريطاني تأخذ الزائر في رحلة عبر الأزمان

المعروضات تنتمي إلى أجزاء مختلفة من العالم

خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
TT

قاعات جديدة للفن الإسلامي بالمتحف البريطاني تأخذ الزائر في رحلة عبر الأزمان

خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
خزائن العرض جزء من السرد المتحفي

في داخل قاعات الجناح الجديد للفن الإسلامي، وقفت فينيشيا بورتر، كبيرة المنسقين والإخصائيين بقسم الفن الإسلامي بالمتحف البريطاني، مع فريقها من المنسقين والخبراء، ما شكل وفد استقبال لزوار الغاليري، الذي يفتح أبوابه للجمهور اليوم. ابتسامة كبيرة المنسقين كانت تتسع كلما ذكرت لنا جانباً من العمل الشاق الذي صاحب التجديدات الشاملة وافتتاح صالتي عرض جديدتين بالمبنى الرئيسي للمتحف، بعد أن ضاقت الصالات القديمة بمخزونات المتحف العريق، من قطع الفنون والتراث.
«فنون العالم الإسلامي»... هكذا تُعرّف بورتر بالصالة الجديدة، مؤكدة أن الصالات تنطلق من وجهة نظر، هي أن المعروضات تنتمي لأجزاء مختلفة من العالم، الذي سادت فيه حضارات مسلمة، بعضها استمر، وبعضها انتهى مثل الأندلس.
ولنعد إلى بداية الحديث مع بورتر حول السبب في التغيير والتحديث... تشير إلى أن القاعات السابقة للفن الإسلامي ضاقت بمعروضاتها، وجاءت الفرصة مع دعم مادي من مؤسسة البخاري في ماليزيا لاستحداث صالات عرض جديدة في تصميمها، وبأحدث تقنيات العرض؛ لتمنح تلك المجموعة الفائقة من الحضارات الإسلامية المختلفة فرصة لتستعرض جمالها أمام زوار المتحف البريطاني.
«أمامك هنا قاعتان ضمن المبنى الرئيسي للمتحف، ببنائه العريق، وأسقفه العالية، ما دفعنا للتفكير في ما نريد أن نعرضه بالضبط. بداية فكرنا في عرض تراث مناطق لم نعرضها من قبل، مثل مناطق في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، كل تلك الأراضي التي لامستها الحضارة والثقافة الإسلامية. فبالنظر إلى كل تلك المكونات تجد نفسك بصدد حكاية لا تقتصر على الفن الإسلامي فقط. نقدم تراثا ماديا خلف كل قطعة معروضة وقصصا لأناس عاديين. ما فعلناه هنا هو أن قمنا بدمج قطع من مجموعات مختلفة من مقتنيات المتحف، فهنا نجد قطعا متفردة من الفن الإسلامي، وأيضا نجد بعض القطع الأثرية هناك، وأيضا الفن المعاصر إلى جانب معروضات من النسيج والملابس، مثل تلك التي نعرضها في القاعة الثانية، وهي ملابس تقليدية من اليمن ومن أوزبكستان ومن زمن الدولة العثمانية». تتمنى بورتر أن يجد المشاهِد في طريقة العرض هذه ما يشد انتباهه.
- خزانات العرض
بالنظر حولنا نجد خزانات العرض قد صممت بشكل أنيق وبسيط، تمتد على خط متواصل في المنتصف لتمثل «العمود الفقري» للعرض كما تقول بورتر، ولكن هناك أيضا خزانات عرض جانبية أيضا، فهل هناك مغزى خلف ذلك التنوع في العرض؟ تقول: «يبدأ العرض على خط واحد هو العمود الفقري، حيث نعرض قطعا من الممالك الرئيسية. وحسب طريقة العرض الجديدة فالخزانة تمتد على شكل حرف (L)، حيث يمكن تفحص قطع من إيران على سبيل المثال، ثم بالنظر إلى الجهة المعاكسة من الخزانة نفسها نجد معروضات من مصر من نفس الفترة الزمنية، وبذلك نستطيع رؤية المتشابهات والروابط بين البلدان المختلفة في نفس الفترة».
على الجوانب توجد خزانات عرض مختلفة، تركز على موضوع معين، وتعرض القطع المناسبة لذلك، مثل موضوع «الكتابة» حيث تعرض أدوات متنوعة للكتابة. وعلى سبيل المثال، تعرض خزانة عرض تحمل عنوان «الألعاب» عدداً من رقع لعبة الشطرنج، واحدة من صقلية من القرن الـ12، ثم هناك رقعة من نيجيريا من زمن مختلف. وفي الجزء الأسفل من الخزانة نلاحظ وجود رقعة ألعاب للأطفال، قطعها الرئيسية مصنوعة من القماش، وتمثل مجموعة من الحيوانات. وتشير بورتر إلى أنها تعود لليمن. وتقول أيضا إن جميع الخزانات الجانبية تخصص قسمها الأسفل لعرض قطع للأطفال، ليستطيعوا النظر إليها عن قرب، ولكي لا يفقدوا الاهتمام خلال جولة أفراد عوائلهم.
القاعة الداخلية تستمر في خط العرض الأساسي، ولكنها تقدم فترات تاريخية تالية تمتد حتى الوقت الحالي، «هنا معروضات من الإمبراطوريات العظمى من العثمانيين إلى الصفويين حتى المغول»، تشير بورتر.
وتضيف: «إلى جانب تلك الكتل من القوة، حرصنا على عرض قطع من مناطق أخرى مثل جنوب شرقي آسيا ومن أفريقيا»، فهي تحرص على التأكيد على أن العرض ليس فقط للقطع «الفنية»، بل يتجاوز الفن؛ ليشمل القطع التي تعكس تراث الملابس والقطع اليومية والنسيج وغيرها، «ليس فقط الفن الإسلامي هنا في العرض، بالطبع الفن جزء كبير من العرض، ولكن هنا أيضا معروضات تروي كثيراً عن التراث المادي، ليست هناك قطعة أصغر أو أقل من أن تعرض هنا. أمامك على سبيل المثال مجموعة من أغطية جرات الماء من مصر، كانت تستخدم لتنقية المياه من الشوائب، بالنسبة لنا الأمر واضح، فإذا كانت القطعة تروي لنا قصة فهي بالتالي جديرة بالعرض».
- القاعة الثانية إضاءة خافتة وفن معاصر
القاعة الداخلية متعة للنظر، فهي تضم خزانات تقدم معروضات من «العالم العربي المعاصر، وقطعاً موسيقية حديثة مثل آلات العود والقانون وغيرها. وفي آخر القاعة جدار من لوحات الفنان إدريس خان، وإلى الجانب عمل للفنانة السعودية منال الضويان بعنوان (معلقين سويا). إلى جانبها خزانة مخصصة للنسيج والملابس التراثية من اليمن، هذه المساحة وفرت مكانا لعرض قطع لم يحالفها الحظ في العرض من قبل» حسب ما تشير بورتر «لدينا نحو 70 قطعة من المنسوجات المماثلة ولم يكن لدينا المساحة لعرضها».
- منمنمات ومنسوجات
من جانبها، تشير فاميدة سولمان الخبيرة المشاركة في تنسيق القاعات إلى فرق واضح بين القاعتين الأولى والثانية، فالإضاءة أكثر خفوتاً في القاعة الثانية حيث توجد معروضات حساسة وذات طبيعة خاصة لا تتحمل الإضاءة الشديدة، «نحتاج لمستوى إضاءة منخفض هنا بسبب عرض المنسوجات والرسومات والمنمنمات».
بالنسبة لسولمان، العلاقات المتشابكة بين القطع المختلفة يربط بينها وجودها في ظل حضارات إسلامية، ولكن بعضها لا ينتمي إلى شخصيات إسلامية. تشرح لنا أكثر: «العرض هنا عن العالم الإسلامي، وبالتالي نجد قطعا من مجتمعات يهودية أو مسيحية حتى هندوسية، فقد يكون صانع القطعة شخصا واحدا نفذها بطلب شخص مسلم أو شخص يهودي، وهناك نوع من التماثل بين الطريقة التي كان الناس يرتدون بها ملابسهم، على سبيل المثال. وعموما فالغرض من قاعات الفن الإسلامي هنا هو عكس تنوع وثراء العالم الإسلامي».
القاعة الداخلية أيضا تعتمد على طريقة عرض تدمج القصص بكل قطعة. وبين الأهمية التاريخية «قسمت المعروضات هنا جغرافيا، وفي كل خزانة هناك كثير من القصص الشيقة».
- هندسة تصميم القاعات واستخدام الإضاءة
يتحدث سنجاي غودري من شركة «ستانتون ويليامز» التي تولت تصميم مساحة العرض عن أهمية تصميم الخزانات بحيث يمكن للزائر تفحص القطع على جانب، ومشاهدة خلفية قطع أخرى موجودة على الجانب الآخر من الخزانة نفسها.
ويؤكد على دور الإضاءة المخفية بإتقان واستخدم ألوان غير لامعة لخلفية وحدات العرض: «الطريقة التي صممنا بها الخزانات والحرص على استخدام خلفية بألوان ممتصة للضوء وغير عاكسة تسمح للزائر بالتركيز على القطع بدلا من أن يتشتت اهتمامه بسبب انعكاس الضوء. هناك أيضا بطاقات تعريف بالقطع، حرصنا على وضعها أسفل الخزانات، مع توفير إضاءة خلفها لتصبح سهلة القراءة».
- «روشان»... نوافذ مكة تلتقي مع نوافذ لندن
على جانبي القاعات نرى النوافذ المطولة التي يتميز بها البناء الإنجليزي في القرن السابق، وهي ما يطلق عليها «ساش ويندوز»، لكن تلك النوافذ ترتدي حلة مختلفة في هذا الغاليري الحديث والقديم في آن واحد. فتم إضافة قطعة من الخشب المعشق، الذي كان في «المشربيات» أو ما يعرف بـ«الروشان» في البنايات بمنطقة مكة المكرمة. وإذا كانت نوافذ مباني مكة وجدة القديمة قد اندثرت تقريبا وذهب الزمان بصانعيها فإن الفنان السعودي الشاب أحمد عنقاوي أخذ على عاتقه إعادة إحياء ذلك الإبداع التراثي، فيغزل ظلال النوافذ بقطع الخشب؛ لتتحول بيده إلى قطع من الفن الأصيل، ويعود بنا إلى معمار تقليدي نرى أثره في النوافذ الخشبية حولنا في الصالات.
أتحدث مع عنقاوي حول تكليفه بصناعة النوافذ الخشبية على طريقة نوافذ مكة، وأشير إلى أن المقعد الموجود تحت كل نافذة يكاد يماثل تلك المجالس خلف المشربيات، التي كانت النساء في أحياء مكة القديمة يجلسن خلفها.
«تماماً» يقول عنقاوي، ويضيف أنه حرص على أن يعمل بيديه لصنع تلك «المشربيات». ويضيف: «أردت أن أبين أن الحرفة ما زالت موجودة، فقمت باستخدام الأزميل والعمل مع حرفيين مختلفين في ورشة أقمتها في لندن».
يؤكد عنقاوي أنه حرص على الدمج بين التراث الإنجليزي والحجازي، مضيفا: «لم أرد أن أحضر شيئا من ثقافتي وأضعه في لندن، فاستوحيت من النوافذ المميزة للبيوت الإنجليزية (ساش ويندوز) وعملت على تلاقح بين الحضارات، ما بين نوافذ لندن ونوافذ مكة. وهذا ما حرص عليه الفنان الإسلامي دائما، الذي كان يحترم التراث الموجود ويبنى عليه، وهذا ما فعلته؛ لأن مبنى المتحف البريطاني تقليدي جدا، فأضفت له نوافذ مصنوعة بحرفة (المنجور) المكية».



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.