قاعات جديدة للفن الإسلامي بالمتحف البريطاني تأخذ الزائر في رحلة عبر الأزمان

المعروضات تنتمي إلى أجزاء مختلفة من العالم

خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
TT

قاعات جديدة للفن الإسلامي بالمتحف البريطاني تأخذ الزائر في رحلة عبر الأزمان

خزائن العرض جزء من السرد المتحفي
خزائن العرض جزء من السرد المتحفي

في داخل قاعات الجناح الجديد للفن الإسلامي، وقفت فينيشيا بورتر، كبيرة المنسقين والإخصائيين بقسم الفن الإسلامي بالمتحف البريطاني، مع فريقها من المنسقين والخبراء، ما شكل وفد استقبال لزوار الغاليري، الذي يفتح أبوابه للجمهور اليوم. ابتسامة كبيرة المنسقين كانت تتسع كلما ذكرت لنا جانباً من العمل الشاق الذي صاحب التجديدات الشاملة وافتتاح صالتي عرض جديدتين بالمبنى الرئيسي للمتحف، بعد أن ضاقت الصالات القديمة بمخزونات المتحف العريق، من قطع الفنون والتراث.
«فنون العالم الإسلامي»... هكذا تُعرّف بورتر بالصالة الجديدة، مؤكدة أن الصالات تنطلق من وجهة نظر، هي أن المعروضات تنتمي لأجزاء مختلفة من العالم، الذي سادت فيه حضارات مسلمة، بعضها استمر، وبعضها انتهى مثل الأندلس.
ولنعد إلى بداية الحديث مع بورتر حول السبب في التغيير والتحديث... تشير إلى أن القاعات السابقة للفن الإسلامي ضاقت بمعروضاتها، وجاءت الفرصة مع دعم مادي من مؤسسة البخاري في ماليزيا لاستحداث صالات عرض جديدة في تصميمها، وبأحدث تقنيات العرض؛ لتمنح تلك المجموعة الفائقة من الحضارات الإسلامية المختلفة فرصة لتستعرض جمالها أمام زوار المتحف البريطاني.
«أمامك هنا قاعتان ضمن المبنى الرئيسي للمتحف، ببنائه العريق، وأسقفه العالية، ما دفعنا للتفكير في ما نريد أن نعرضه بالضبط. بداية فكرنا في عرض تراث مناطق لم نعرضها من قبل، مثل مناطق في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، كل تلك الأراضي التي لامستها الحضارة والثقافة الإسلامية. فبالنظر إلى كل تلك المكونات تجد نفسك بصدد حكاية لا تقتصر على الفن الإسلامي فقط. نقدم تراثا ماديا خلف كل قطعة معروضة وقصصا لأناس عاديين. ما فعلناه هنا هو أن قمنا بدمج قطع من مجموعات مختلفة من مقتنيات المتحف، فهنا نجد قطعا متفردة من الفن الإسلامي، وأيضا نجد بعض القطع الأثرية هناك، وأيضا الفن المعاصر إلى جانب معروضات من النسيج والملابس، مثل تلك التي نعرضها في القاعة الثانية، وهي ملابس تقليدية من اليمن ومن أوزبكستان ومن زمن الدولة العثمانية». تتمنى بورتر أن يجد المشاهِد في طريقة العرض هذه ما يشد انتباهه.
- خزانات العرض
بالنظر حولنا نجد خزانات العرض قد صممت بشكل أنيق وبسيط، تمتد على خط متواصل في المنتصف لتمثل «العمود الفقري» للعرض كما تقول بورتر، ولكن هناك أيضا خزانات عرض جانبية أيضا، فهل هناك مغزى خلف ذلك التنوع في العرض؟ تقول: «يبدأ العرض على خط واحد هو العمود الفقري، حيث نعرض قطعا من الممالك الرئيسية. وحسب طريقة العرض الجديدة فالخزانة تمتد على شكل حرف (L)، حيث يمكن تفحص قطع من إيران على سبيل المثال، ثم بالنظر إلى الجهة المعاكسة من الخزانة نفسها نجد معروضات من مصر من نفس الفترة الزمنية، وبذلك نستطيع رؤية المتشابهات والروابط بين البلدان المختلفة في نفس الفترة».
على الجوانب توجد خزانات عرض مختلفة، تركز على موضوع معين، وتعرض القطع المناسبة لذلك، مثل موضوع «الكتابة» حيث تعرض أدوات متنوعة للكتابة. وعلى سبيل المثال، تعرض خزانة عرض تحمل عنوان «الألعاب» عدداً من رقع لعبة الشطرنج، واحدة من صقلية من القرن الـ12، ثم هناك رقعة من نيجيريا من زمن مختلف. وفي الجزء الأسفل من الخزانة نلاحظ وجود رقعة ألعاب للأطفال، قطعها الرئيسية مصنوعة من القماش، وتمثل مجموعة من الحيوانات. وتشير بورتر إلى أنها تعود لليمن. وتقول أيضا إن جميع الخزانات الجانبية تخصص قسمها الأسفل لعرض قطع للأطفال، ليستطيعوا النظر إليها عن قرب، ولكي لا يفقدوا الاهتمام خلال جولة أفراد عوائلهم.
القاعة الداخلية تستمر في خط العرض الأساسي، ولكنها تقدم فترات تاريخية تالية تمتد حتى الوقت الحالي، «هنا معروضات من الإمبراطوريات العظمى من العثمانيين إلى الصفويين حتى المغول»، تشير بورتر.
وتضيف: «إلى جانب تلك الكتل من القوة، حرصنا على عرض قطع من مناطق أخرى مثل جنوب شرقي آسيا ومن أفريقيا»، فهي تحرص على التأكيد على أن العرض ليس فقط للقطع «الفنية»، بل يتجاوز الفن؛ ليشمل القطع التي تعكس تراث الملابس والقطع اليومية والنسيج وغيرها، «ليس فقط الفن الإسلامي هنا في العرض، بالطبع الفن جزء كبير من العرض، ولكن هنا أيضا معروضات تروي كثيراً عن التراث المادي، ليست هناك قطعة أصغر أو أقل من أن تعرض هنا. أمامك على سبيل المثال مجموعة من أغطية جرات الماء من مصر، كانت تستخدم لتنقية المياه من الشوائب، بالنسبة لنا الأمر واضح، فإذا كانت القطعة تروي لنا قصة فهي بالتالي جديرة بالعرض».
- القاعة الثانية إضاءة خافتة وفن معاصر
القاعة الداخلية متعة للنظر، فهي تضم خزانات تقدم معروضات من «العالم العربي المعاصر، وقطعاً موسيقية حديثة مثل آلات العود والقانون وغيرها. وفي آخر القاعة جدار من لوحات الفنان إدريس خان، وإلى الجانب عمل للفنانة السعودية منال الضويان بعنوان (معلقين سويا). إلى جانبها خزانة مخصصة للنسيج والملابس التراثية من اليمن، هذه المساحة وفرت مكانا لعرض قطع لم يحالفها الحظ في العرض من قبل» حسب ما تشير بورتر «لدينا نحو 70 قطعة من المنسوجات المماثلة ولم يكن لدينا المساحة لعرضها».
- منمنمات ومنسوجات
من جانبها، تشير فاميدة سولمان الخبيرة المشاركة في تنسيق القاعات إلى فرق واضح بين القاعتين الأولى والثانية، فالإضاءة أكثر خفوتاً في القاعة الثانية حيث توجد معروضات حساسة وذات طبيعة خاصة لا تتحمل الإضاءة الشديدة، «نحتاج لمستوى إضاءة منخفض هنا بسبب عرض المنسوجات والرسومات والمنمنمات».
بالنسبة لسولمان، العلاقات المتشابكة بين القطع المختلفة يربط بينها وجودها في ظل حضارات إسلامية، ولكن بعضها لا ينتمي إلى شخصيات إسلامية. تشرح لنا أكثر: «العرض هنا عن العالم الإسلامي، وبالتالي نجد قطعا من مجتمعات يهودية أو مسيحية حتى هندوسية، فقد يكون صانع القطعة شخصا واحدا نفذها بطلب شخص مسلم أو شخص يهودي، وهناك نوع من التماثل بين الطريقة التي كان الناس يرتدون بها ملابسهم، على سبيل المثال. وعموما فالغرض من قاعات الفن الإسلامي هنا هو عكس تنوع وثراء العالم الإسلامي».
القاعة الداخلية أيضا تعتمد على طريقة عرض تدمج القصص بكل قطعة. وبين الأهمية التاريخية «قسمت المعروضات هنا جغرافيا، وفي كل خزانة هناك كثير من القصص الشيقة».
- هندسة تصميم القاعات واستخدام الإضاءة
يتحدث سنجاي غودري من شركة «ستانتون ويليامز» التي تولت تصميم مساحة العرض عن أهمية تصميم الخزانات بحيث يمكن للزائر تفحص القطع على جانب، ومشاهدة خلفية قطع أخرى موجودة على الجانب الآخر من الخزانة نفسها.
ويؤكد على دور الإضاءة المخفية بإتقان واستخدم ألوان غير لامعة لخلفية وحدات العرض: «الطريقة التي صممنا بها الخزانات والحرص على استخدام خلفية بألوان ممتصة للضوء وغير عاكسة تسمح للزائر بالتركيز على القطع بدلا من أن يتشتت اهتمامه بسبب انعكاس الضوء. هناك أيضا بطاقات تعريف بالقطع، حرصنا على وضعها أسفل الخزانات، مع توفير إضاءة خلفها لتصبح سهلة القراءة».
- «روشان»... نوافذ مكة تلتقي مع نوافذ لندن
على جانبي القاعات نرى النوافذ المطولة التي يتميز بها البناء الإنجليزي في القرن السابق، وهي ما يطلق عليها «ساش ويندوز»، لكن تلك النوافذ ترتدي حلة مختلفة في هذا الغاليري الحديث والقديم في آن واحد. فتم إضافة قطعة من الخشب المعشق، الذي كان في «المشربيات» أو ما يعرف بـ«الروشان» في البنايات بمنطقة مكة المكرمة. وإذا كانت نوافذ مباني مكة وجدة القديمة قد اندثرت تقريبا وذهب الزمان بصانعيها فإن الفنان السعودي الشاب أحمد عنقاوي أخذ على عاتقه إعادة إحياء ذلك الإبداع التراثي، فيغزل ظلال النوافذ بقطع الخشب؛ لتتحول بيده إلى قطع من الفن الأصيل، ويعود بنا إلى معمار تقليدي نرى أثره في النوافذ الخشبية حولنا في الصالات.
أتحدث مع عنقاوي حول تكليفه بصناعة النوافذ الخشبية على طريقة نوافذ مكة، وأشير إلى أن المقعد الموجود تحت كل نافذة يكاد يماثل تلك المجالس خلف المشربيات، التي كانت النساء في أحياء مكة القديمة يجلسن خلفها.
«تماماً» يقول عنقاوي، ويضيف أنه حرص على أن يعمل بيديه لصنع تلك «المشربيات». ويضيف: «أردت أن أبين أن الحرفة ما زالت موجودة، فقمت باستخدام الأزميل والعمل مع حرفيين مختلفين في ورشة أقمتها في لندن».
يؤكد عنقاوي أنه حرص على الدمج بين التراث الإنجليزي والحجازي، مضيفا: «لم أرد أن أحضر شيئا من ثقافتي وأضعه في لندن، فاستوحيت من النوافذ المميزة للبيوت الإنجليزية (ساش ويندوز) وعملت على تلاقح بين الحضارات، ما بين نوافذ لندن ونوافذ مكة. وهذا ما حرص عليه الفنان الإسلامي دائما، الذي كان يحترم التراث الموجود ويبنى عليه، وهذا ما فعلته؛ لأن مبنى المتحف البريطاني تقليدي جدا، فأضفت له نوافذ مصنوعة بحرفة (المنجور) المكية».



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.