«موجة حمراء» تطغى على أسواق العالم... و«مؤشر الخوف» إلى أعلى مستوى في 6 أشهر

ترمب يتهم «الفيدرالي» بـ«الجنون»... وإدارته تقول إن البورصات تشهد «حركة تصحيح»

شهدت الأسواق العالمية الأربعاء والخميس موجة انخفاض وخسائر كبرى (أ.ف.ب)
شهدت الأسواق العالمية الأربعاء والخميس موجة انخفاض وخسائر كبرى (أ.ف.ب)
TT

«موجة حمراء» تطغى على أسواق العالم... و«مؤشر الخوف» إلى أعلى مستوى في 6 أشهر

شهدت الأسواق العالمية الأربعاء والخميس موجة انخفاض وخسائر كبرى (أ.ف.ب)
شهدت الأسواق العالمية الأربعاء والخميس موجة انخفاض وخسائر كبرى (أ.ف.ب)

أصيبت الأسواق العالمية أمس بموجة من التراجعات البالغة دخلت بها «المنطقة الحمراء»، مع تفشي المخاوف التي تعلقت بارتفاع عوائد السندات الأميركية من جهة، والحرب التجارية من جهة أخرى، إلى جانب المشكلات الإقليمية في أوروبا.
ورغم محاولات الإدارة الأميركية طمأنة الأسواق، زاد المؤشر «في آي إكس» (مؤشر الخوف) في «وول ستريت»، الذي يقيس توقعات تقلبات سوق الأسهم، 44 في المائة إلى 22.96 أمس، وهو أعلى مستوياته منذ أبريل (نيسان) الماضي.
وبدأت الخسائر البالغة من أوروبا مع إغلاق يوم الأربعاء، لتمتد إلى «وول ستريت»، وتمر صباح الخميس إلى أسواق آسيا، ثم تعود مجددا إلى الأسواق الأوروبية. ومع رفع الفوائد الذي دفع بالمستثمرين إلى إعادة النظر في توقعات النمو الأميركي، حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب المسؤولية لسياسات «الاحتياطي الفيدرالي» (المركزي الأميركي) معتبرا أنه «أصابه الجنون» في المساهمة في بلبلة الأسواق المالية.
وشهدت «وول ستريت» يوم الأربعاء أكبر انخفاض يومي لها في ثمانية أشهر، بعد أن تكبدت الأسهم الأوروبية أسوأ خسارة يومية لها منذ يونيو (حزيران). ومني المؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يوم الأربعاء بأكبر خسارة يومية منذ الثامن من فبراير (شباط)، متراجعا بمقدار 94.66 نقطة، أو 3.29 في المائة، إلى 2785.68 نقطة. بينما قادت أسهم قطاع التكنولوجيا الخسائر، وسط عزوف من جانب المستثمرين عن الأصول التي بها مخاطرة، مع ارتفاع العائد على السندات الأميركية.
وانخفض المؤشر «داو جونز الصناعي» 831.83 نقطة، أو ما يعادل 3.15 في المائة، إلى 25598.74 نقطة. ونزل المؤشر «ناسداك» المجمع 315.97 نقطة، أو 4.08 في المائة، إلى 7422.05 نقطة.
وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض، إن الرئيس الأميركي تلقى الأربعاء إيجازا بشأن هبوط سوق الأسهم. موضحا وفقا لبيان تلته «سي إن بي سي»: «هذا تصحيح لسوق متصاعدة الأسعار. هو أمر صحي على الأرجح وسيمر، وما زال الاقتصاد الأميركي قويا». كما قالت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في بيان، إن «البطالة عند أدنى مستوى في 50 عاما، وجرى تخفيض الضرائب للأسر والشركات، وجرى تخفيف اللوائح والروتين الحكومي».
وتسبب ارتفاع العائد على السندات الأميركية في عزوف المستثمرين عن الأصول التي بها مخاطرة، وهو ما أضر بأسهم قطاع التكنولوجيا بشدة على وجه الخصوص، يوم الأربعاء.
وكثيرا ما يشير ترمب إلى قوة الاقتصاد وصعود سوق الأسهم، كدليل على أن سياساته المالية والضريبية ناجعة. وجدد ترمب الثلاثاء انتقاده لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) لرفعه أسعار الفائدة، قائلا إنه لا يريد للنمو الاقتصادي الحالي أن يتباطأ «ولا حتى بقدر قليل».
وعاد ترمب ليقول لصحافيين يوم الأربعاء: «أعتقد أنّ (الاحتياطي الفيدرالي) يرتكب خطأ. أعتقد أنّ (الاحتياطي الفيدرالي) أصابه الجنون»، وذلك بعد يوم مظلم في «وول ستريت» وسط قلق المستثمرين حيال ارتفاع معدّلات الفائدة. وأمس الخميس، كرر ترمب انتقاداته، وقال إن «الفيدرالي» يتحرك «باندفاع كبير» برفعه أسعار الفائدة. وعلق لشبكة «فوكس»: «أعتقد أنهم يرتكبون خطأ بالغا». ورغم أنه أقر بأن ارتفاع أسعار الفائدة ساعد المدخرين، فإنه انتقد أساليب الاحتياطي الفيدرالي، وقال: «إنهم يتصرفون باندفاع مبالغ فيه».
ودافعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، الخميس، عن رفع الفوائد، في رسالة غير مباشرة موجهة إلى ترمب. وقالت إن قرارات البنوك المركزية برفع الفوائد مثل ذلك الذي اتخذه «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» مبررة على ضوء الأسس الاقتصادية.
وأفادت لاغارد خلال مؤتمر صحافي في بالي، بأنّ الأمر «يعد بوضوح تطورا ضروريا لتلك الاقتصادات التي تظهر كثيرا من النمو المتزايد، وارتفاعا في التضخم، وبطالة متدنية للغاية»، وتابعت: «الأمر حتمي أن تتخذ المصارف المركزية القرارات التي اتخذتها».
كما حاول وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين تهدئة الأمور، والتخفيف من صدى تصريحات ترمب، مستبعدا أن تكون قرارات «الفيدرالي» السبب في الانخفاض الحاد الذي شهدته سوق الأسهم الأميركية. وقال: «لا أعتقد أن هناك أي أخبار حديثة صدرت عن الاحتياطي الفيدرالي غير تلك التي جاءت مسبقاً».
وصرح منوتشين بأن الأسواق عُرضة للصعود والهبوط، وقال لوكالة أنباء «بلومبيرغ»، إنّ «الأسواق لا تعمل بكفاءة وهي تتحرك في الاتجاهين، وأحياناً تتخطى الحدود في الاتجاهين»، وتابع: «حقيقة أن هناك إلى حد ما تصحيحاً؛ وضعاً في الاعتبار أن الارتفاع الذي حققته السوق ليس مفاجئاً على وجه الخصوص».
- إدانات وتوقعات انتشار
وبعد تراجع كبير بنسبة تتراوح بين 4 و6 في المائة في أبرز البورصات الآسيوية، تمكنت أسواق المال الأوروبية من ضبط خسائرها ظهر أمس. والخسائر الأكبر في آسيا سجلت الخميس في شنغهاي وتايبه اللتين أغلقتا على هبوط بنسبة 5.2 و6.3 في المائة على التوالي. ووصلت أسواق المال الصينية إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات.
وعلق ميلان كوتكوفيتس المحلل لدى «أكسي تريدر»، بأن «تراجع (وول ستريت) يضع بورصات العالم بأسره تحت الضغط، فيما قال باني لام، رئيس قسم الأبحاث في «سي آي بي إنترناشيونال»: «إنها مجرد بداية». وبدوره لفت ريتشارد هانتر، المسؤول في «إنتراكتيف أنفستور» إلى أن «ضعف (وول ستريت)، تسبب في انسحاب التراجع على بورصات أخرى؛ حيث هبطت الأسواق الآسيوية بشكل كبير، فيما تحاول البورصات الأوروبية لجم الوضع». وأضاف: «في غياب سبب مباشر، يحاول المستثمرون تجاوز القلق المتعلق بالتوتر التجاري، والأثر على النمو العالمي، ورفع نسب الفوائد في الولايات المتحدة»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وكتبت شركة «غوانغزو وانلونغ سيكيوريتيز» في مذكرة: «إلى جانب نسب الفوائد، فإن الخلاف التجاري الصيني - الأميركي هو المسؤول عن تقلبات السوق في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لأن الناس خائفون من أن يتطور الخلاف إلى مواجهة سياسية».
ويرى محللون لدى مكتب الوساطة «أوريل بي جي سي» أن التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة لا يزال يؤجج المخاوف بسبب «أثره على النمو الصيني»، وقالوا إن المستثمرين «يعتبرون أن قطاع التكنولوجيا سيكون الأكثر تأثرا بالتباطؤ بسبب النشاط الصيني».
- موجة بيعية
وفي أوروبا، انخفضت الأسهم الأوروبية لأدنى مستوياتها في أكثر من 20 شهرا، مع افتتاح التعاملات صباح أمس، بعد هبوط «وول ستريت» في الوقت الذي أثارت فيه المخاوف بشأن ارتفاع عوائد أدوات الخزانة الأميركية، عمليات بيع واسعة للأصول عالية المخاطر. وتراجعت جميع القطاعات في أوروبا، مع تأثر أسهم التكنولوجيا بالقدر الأكبر من ضغوط البيع، بعد أن كانت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية الكبيرة هي السبب الرئيسي وراء تراجع السوق لأدنى مستوى في عدة سنوات، متكبدة خسائر كثيفة الليلة الماضية.
وانخفض مؤشر قطاع التكنولوجيا الأوروبي 2.4 في المائة، على الرغم من أن سهم «إنجينيكو» ارتفع 8.5 في المائة، بعد أن قال «ناتكسيس» إنه يدرس دمج أنشطته للمدفوعات مع الشركة المتخصصة في الخدمات المالية والمدفوعات.
وبحلول الساعة 07:12 بتوقيت غرينتش، تراجع المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 1.4 في المائة إلى أدنى مستوياته منذ نهاية يناير (كانون الثاني) 2017. وهبطت جميع مؤشرات الدول الكبيرة في أوروبا، ما يزيد على واحد في المائة. وانخفضت القطاعات الدفاعية مثل الرعاية الصحية أيضا؛ لكنها سجلت أداء أفضل من السوق بوجه عام.
وفي آسيا، أغلق المؤشر «نيكي» الياباني منخفضا عند أدنى مستوى في شهر، أمس، وتكبد أكبر هبوط يومي منذ مارس (آذار) الماضي، متأثرا بعمليات بيع للأسهم العالمية، في حين سجلت أسهم شركات التكنولوجيا والمعدات الصناعية أداء دون أداء السوق عموما.
وساهم في هبوط البورصة اليابانية خفض «ياسكاوا إلكتريك» لإنتاج المعدات الصناعية، لتوقعات الأرباح، مما دفع أسهم شركات أخرى بالقطاع منكشفة بشكل كبير على الصين، للتراجع.
وهبط «نيكي» 3.9 في المائة عند الإغلاق إلى 22590.86 نقطة، وهو أدنى مستوى إغلاق للمؤشر القياسي منذ العاشر من سبتمبر (أيلول) الماضي. وانخفض المؤشر نحو ثمانية في المائة من أعلى مستوى له في 27 عاما، عند 24448.07 نقطة، الذي بلغه الأسبوع الماضي.
وفي الوقت الذي انخفضت فيه جميع القطاعات الفرعية البالغ عددها 33 على المؤشر «توبكس» الأوسع نطاقا، فإن الأسهم المرتبطة بالصين سجلت أداء دون البقية. وهبط المؤشر «توبكس» 3.5 في المائة إلى 1701.86 نقطة.
وفي الأسواق الأخرى، انخفض مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 3.62 في المائة، في حين انخفض مؤشر «سي إس آي 300» الصيني بنسبة 4 في المائة. كما فقد مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ 3.73 في المائة. وفي أستراليا، انخفض مؤشر «إس بي - إيه إس إكس 200» بنسبة 2.47 في المائة في كانبرا.
- الدولار يهبط
وفي سوق العملات، فاجأ الدولار الأميركي، الذي يُنظر إليه عادة كأحد الملاذات الآمنة في أوقات الاضطرابات، بعض خبراء سوق الصرف، أمس الخميس، بتراجعه بعد أن دفع المستثمرون الهلعون الأسهم الأميركية إلى أسوأ انخفاض يومي لها في نحو ثمانية أشهر.
وهبط مؤشر الدولار، الذي يقيس قوة العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية، 0.25 في المائة إلى 95.27 أمس، بعد أن ارتفع إلى 95.79 في الجلسة السابقة.
وارتفع الين، الذي يُنظر إليه كملاذ آمن، إلى 112.19 للدولار، وهو أعلى مستوياته منذ بداية الشهر الجاري، مدعوما بالعزوف عن المخاطرة في أعقاب تحذيرات من صندوق النقد الدولي بشأن النمو العالمي والاستقرار المالي.
وزاد اليورو 0.27 في المائة إلى 1.1550 دولار أمس، بعد أن تراجع إلى 1.1477 في الجلسة السابقة. وجرى تداول الجنيه الإسترليني عند 1.3213 دولار، دون أعلى مستوى له في أسبوع بقليل، في الوقت الذي يراهن فيه المستثمرون على خروج منظم لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس. وارتفع الإسترليني أكثر من اثنين في المائة مقابل الدولار على مدى جلسات التداول الخمس الماضية.
وتراجعت الروبية الهندية إلى مستويات منخفضة جديدة؛ حيث بلغت 74.4850 للدولار في التعاملات المبكرة، متراجعة 0.4 في المائة. وهبطت العملة الهندية ما يزيد على 14 في المائة منذ بداية العام، ما يجعلها الأسوأ أداء في آسيا. وقال متعاملون إن بيع البنك المركزي الهندي للدولار على غير المعتاد قد حد من انخفاض الروبية.


مقالات ذات صلة

رجل ترمب للمهمات الصعبة… كيف يخطط وورش لتفكيك «إرث باول»؟

الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو - كاليفورنيا (رويترز)

رجل ترمب للمهمات الصعبة… كيف يخطط وورش لتفكيك «إرث باول»؟

يقدّم كيفن وورش، الذي اختاره الرئيس دونالد ترمب لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، رؤية شاملة وطموحة لإعادة تشكيل دور البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

رغم قرار إدارة ترمب وقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا في فبراير (شباط) الماضي، فإن المصالح الاستراتيجية العليا فرضت واقعاً مغايراً.

«الشرق الأوسط» (فالابوروا (جنوب أفريقيا))
الاقتصاد وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام حول تقريره عن الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

«مقامرة المقايضة»... هل يرهن وورش استقلالية «الفيدرالي» لطموحات ترمب؟

يستعد كيفين وورش، مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، للمثول أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

ربط محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، مستقبل الفائدة، بـ«سرعة الحل» العسكري والدبلوماسي لحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

ارتفاع العقود الآجلة الأميركية وسط ترحيب المستثمرين بإشارات التهدئة

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، متجهة نحو تسجيل إغلاق أسبوعي قوي، في ظل ترحيب المستثمرين بإشارات تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
TT

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وذلك بعد أن كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تراجع في الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، نتيجةً لانخفاض القطاع السكني. فالتراجع المسجّل خلال الربع الأول من عام 2026، جاء كمؤشر على إعادة تصحيح طبيعية للأسعار، تسهم في تعزيز كفاءة السوق ومواءمتها مع مستويات الطلب الفعلي.

وفي الوقت الذي يقود فيه القطاع السكني هذا التحول، تواصل القطاعات الأخرى إظهار قدر من التماسك، ما يعزز من صورة سوق عقارية أكثر نضجاً وقدرة على الاستقرار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية. ويؤكد مختصون في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، أهمية هذا التراجع في رفع نسبة تملك المسكن الأول للمواطن، مع إتاحة العقارات بأسعار متوازنة في السوق المحلية، موضحين أن العرض يستمر في الارتفاع أمام الطلب، متوقعين في الوقت ذاته أن تشهد المنظومة تراجعاً خلال الفترة المقبلة.

تأثيرات قرارات ولي العهد

وأوضح المختص في الشأن العقاري رئيس «مجموعة أماكن الدولية» خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع، وأسهمت في هذا الانخفاض، ما يعكس مرحلة تصحيح وتنظيم.

وكشف عن أبرز تأثيرات قرارات ولي العهد في ضبط أسعار الأراضي البيضاء والحد من الاحتكار، ورفع كفاءة السوق وتقليل المضاربات، والتوجيه نحو التملك الحقيقي بدلاً من الاستثمار العشوائي، بالإضافة إلى تشديد بعض السياسات التمويلية للحد من التضخم العقاري، وأشار إلى أهمية مشاريع الإسكان الحكومية والخاصة، التي أسهمت في رفع عدد الوحدات المتاحة، وفرض رسوم الأراضي البيضاء، ما أسهم في تقليل تخزينها دون تطوير، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل العقاري، ما يقلل من الطلب. وبيّن الجاسر أن التوجه الحكومي في الانخفاض كان «مقصوداً جزئياً» لدعم المواطن، ومن أهم تلك المحفزات: برامج مثل «سكني» التي تقدم دعماً مباشراً، وتسهيلات التمويل المدعوم من الدولة، وزيادة الخيارات بأسعار تنافسية، وأيضاً ضبط السوق لمنع تضخم الأسعار غير المبرر.

نمو متوازن

ويرى أن الأسعار أصبحت أقرب للقيمة الحقيقية، وأقساط أقل نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، وأن هناك فرصاً أكبر لامتلاك أول مسكن مع تقليل المخاطر المالية طويلة المدى.

وتوقع رئيس «مجموعة أماكن الدولية» أن تميل الأسعار إلى الاستقرار في الفترة المقبلة مع نمو متوازن وليس ارتفاعات حادة، وكذلك استمرار المشاريع الكبرى (مثل مشروع نيوم وغيره)، ما يدعم الطلب، وأن السوق ستتجه نحو الجودة بدل الكمية. وأكد الجاسر أن هذا الانخفاض في المؤشر العقاري سينعكس على معدل التضخم في السعودية.

الحد من ارتفاع الأسعار

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي يعد إشارة إلى دخول السوق مرحلة أكثر توازناً، خصوصاً في القطاع السكني الذي قاد التراجع بنسبة 3.6 في المائة. وواصل المبيض أن هذه المؤشرات لا تعني ضعفاً عاماً في السوق، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأسعار بعد موجات ارتفاع سابقة، بينما يظل القطاع التجاري والزراعي في مسار مختلف وأكثر تماسكاً.

الأراضي السكنية

وشهد القطاع السكني انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.6 في المائة في الربع الأول. وتعود أسباب هذا التراجع إلى انخفاض أسعار مكونات رئيسية في هذه المنظومة، وهي:

- الأراضي السكنية: سجَّلت انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة.

- الفلل: شهدت التراجع الأكبر في هذا القطاع بنسبة 6.1 في المائة.

- الشقق: انخفضت أسعارها بنسبة 1.1 في المائة.

الأدوار السكنية: خالفت الاتجاه العام للقطاع وسجَّلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة.

العقارات التجارية والزراعية

في المقابل، أظهرت العقارات التجارية والزراعية صموداً ونمواً خلال الفترة نفسها. وسجَّل القطاع التجاري ارتفاعاً إيجابياً بنسبة 3.4 في المائة، مدعوماً بارتفاع أسعار قطع الأراضي التجارية 3.6 في المائة، والعمائر 2.6 في المائة، في حين تراجعت أسعار المعارض والمحلات 3.5 في المائة. أما القطاع الزراعي، فحافظ على وتيرة نمو قوية بلغت 11.8 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع أسعار الأراضي الزراعية بنفس النسبة.

المناطق الإدارية

أظهرت المناطق الإدارية تبايناً كبيراً في مستويات الأسعار، حيث حقَّقت المنطقة الشرقية أعلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 6.9 في المائة، تلتها نجران 3.5 في المائة، ثم تبوك وعسير.

وبالنسبة إلى المناطق المنخفضة، سجَّلت الباحة أكبر تراجع بنسبة 9.2 في المائة، تلتها حائل 8.0 في المائة، والحدود الشمالية 6.6 في المائة. وفي المدن الكبرى، سجلت منطقة الرياض انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما كان التراجع في مكة المكرمة طفيفاً بنسبة 0.7 في المائة. وعلى أساس ربع سنوي مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، سجَّل المؤشر العام انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.


مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
TT

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، حيث تستقبل دول من بينها ماليزيا وأستراليا، الإمدادات حتى بعد أن مددت بكين القيود المفروضة الشهر الماضي إلى أبريل (نيسان)، وذلك وفقاً لبيانات الشحن والتجار.

كان خفض الصادرات في أبريل أعمق مما كان عليه في مارس (آذار)، وفقاً لشركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، حيث بلغ إجمالي شحنات الديزل ووقود الطائرات والبنزين إلى وجهات أخرى غير هونغ كونغ 320 ألف طن متري في الأسبوعين الأولين من هذا الشهر؛ أي سدس مستويات العام الماضي فقط.

ولطالما فرضت الصين، رابع أكبر مُصدّر للوقود النظيف في آسيا، قيوداً على صادراتها من الوقود عبر نظام الحصص. وجاءت هذه القيود عقب اندلاع الحرب مع إيران، في وقتٍ خفّضت فيه مصافي التكرير في آسيا والشرق الأوسط إنتاجها بسبب صعوبة تأمين النفط الخام، مما زاد من شحّ الإمدادات في أسواق الوقود.

ووفقاً لبيانات شركة «فورتيكسا»، شملت شحنات الصين في أبريل 234 ألف طن مُجمّعة إلى فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأستراليا والفلبين، بالإضافة إلى 82 ألف طن إلى جنوب آسيا عبر سنغافورة.

في الوقت نفسه، حافظت مصافي التكرير على مستويات شحن عالية إلى هونغ كونغ، مستفيدةً من هوامش الربح التي ارتفعت نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفقاً لتجار وبيانات الشحن.

وفي منتصف مارس، أصدرت بكين قراراً بحظر صادرات الوقود لإعطاء الأولوية لإمداداتها المحلية، حسبما أفادت به مصادر في ذلك الوقت. وتستثني القيود، التي لم تعلنها الصين رسمياً، هونغ كونغ وماكاو، بالإضافة إلى تزويد الطائرات بالوقود للرحلات الدولية وبيع وقود السفن للشاحنين في الرحلات الدولية.

صادرات مارس

وأفادت مصادر بأن الصين مدَّدت قيودها إلى أبريل لتعويض خفض الإنتاج في مصافي التكرير المملوكة للدولة بشكل رئيسي، مع استثناءات لكميات صغيرة للمشترين الإقليميين الذين طلبوا المساعدة لتخفيف نقص الوقود. وبينما سارعت مصافي التكرير في شحن بعض البضائع قبل صدور أمر مارس، تخضع صادرات أبريل لتدقيق أشد، وفقاً لتجار ومحللين.

وقال مدير تجارة الوقود في شركة مملوكة للدولة لوكالة «رويترز»، رافضاً الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن بكين ستتولى «ترتيب جميع الشحنات» في أبريل باستثناء تلك المتجهة إلى هونغ كونغ، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في الصادرات مقارنةً بشهر مارس.

وفي مارس، بلغت صادرات أنواع الوقود الثلاثة إلى أسواق تشمل سنغافورة وماليزيا والفلبين وأستراليا وفيتنام وبنغلاديش 436 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 20 في المائة عن 551 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط)، وفقاً لشركة «فورتيكسا».

وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» انخفاض الصادرات من خارج هونغ كونغ بمقدار الثلث لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس، مقارنةً بـ375 ألف برميل يومياً في فبراير. ولا تتطابق بيانات جهات التتبع دائماً بسبب اختلافات محتملة في التصنيف.

وقال المحلل زمير يوسف، من شركة «كيبلر»: «ظلت التدفقات إلى ماليزيا وفيتنام قريبة من مستويات ما قبل الحظر، مما يشير إلى أن بكين تتخذ قرارات تخصيص مدروسة بدلاً من فرض قيود شاملة». ويتسق هذا مع استعداد وزارة الخارجية المعلن للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة في مجال أمن الطاقة.

وأظهرت حساباتٌ مبنيةٌ على بياناتٍ جمركيةٍ نُشرت يوم السبت، أن صادرات شهر مارس من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعةً -بما في ذلك إلى هونغ كونغ- كانت ثابتةً مقارنةً بشهر فبراير، لكنها انخفضت بنسبة الربع عن العام السابق لتصل إلى 2.58 مليون طن، حيث تراجع البنزين بنسبة 68 في المائة خلال الشهر، وانخفض وقود الطائرات بنسبة 13.1 في المائة. بينما حافظ الديزل على استقراره. وتشمل الأرقام الجمركية شحنات البضائع والمبيعات من المستودعات الجمركية لتزويد الطائرات بالوقود وتزويد السفن بالوقود.

تدفقات هونغ كونغ مستقرة

وأظهرت بياناتٌ من مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وشركة «فورتيكسا» أن الشحنات الصينية من كيروسين الطائرات والديزل إلى هونغ كونغ لم تشهد تغييراً يُذكر، حيث بلغت 166 ألف برميل يومياً في مارس.

وقال تجارٌ إن مصافي التكرير التي حافظت على تدفقات هونغ كونغ مرتفعةً، حققت هوامش ربحٍ تصديريةً قوية.

واستقرت هوامش معالجة الديزل ووقود الطائرات في آسيا عند مستويات تزيد على ضعف وثلاثة أضعاف مستويات ما قبل النزاع، حيث بلغت نحو 45 دولار و56.50 دولار للبرميل على التوالي، في 20 أبريل، بعد أن سجلت مستويات قياسية في نهاية مارس.


إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من هذا العام. وتتجاوب هذه الخطوة مع الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب بُعيد بدء رئاسته الثانية وبموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية بغية «جعل أميركا غنيّة مجدداً». ويتوقع أن تُتاح استردادات بقيمة 127 مليار دولار في المرحلة الأولى، علماً بأن الاستردادات يمكن أن تصل إلى أكثر من 166 مليار دولار في وقت لاحق.

وعلى الرغم من أن المستهلكين لن يتلقوا شيكات استرداد مباشرة، فإن البعض قد يسترد أمواله من خلال شركات التوصيل مثل «فيديكس»، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية الجماعية الجارية التي تستهدف كبرى متاجر التجزئة، مثل «كوستكو» و«راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز». وأمرت المحكمة العليا بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في 20 فبراير (شباط) الماضي بأن الرئيس ترمب قد تجاوز صلاحيات الكونغرس في تحديد الضرائب عندما فرض معدلات ضريبية جديدة على واردات المنتجات من كل دول العالم تقريباً، مُشيرة إلى العجز التجاري الأميركي بصفته حالة طوارئ وطنية. وقرر قاضٍ في محكمة التجارة الدولية الأميركية لاحقاً أن الشركات الخاضعة لهذه الرسوم الجمركية يحق لها استردادها. وخلص تقرير صادر عن مؤسسة الضرائب في فبراير أيضاً إلى أن الرسوم هذه تُعادل زيادة ضريبية قدرها ألف دولار لكل أسرة. وتقتصر أهلية المرحلة الأولى على المستوردين الذين دفعوا هذا النوع من الرسوم الجمركية، على أن يكون المتقدم هو المستورد المسجل أو وسيط الجمارك المرخص الذي قدم البيان الجمركي.

• 330 ألف مستورد

وأفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في ملفات المحكمة بأن أكثر من 330 ألف مستورد دفعوا زهاء 166 مليار دولار أميركي رسوماً على 53 مليون شحنة. مع ذلك، لا تستوفي كل هذه المدفوعات شروط استرداد المرحلة الأولى. ومن 330 ألف مستورد دفعوا الرسوم، لم يُكمل سوى 56497 مستورداً التسجيل في نظام الدفع الإلكتروني التابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود حتى 14 أبريل (نيسان) الماضي، مما يجعلهم مؤهلين لاسترداد رسوم جمركية بقيمة إجمالية قدرها 127 مليار دولار، شاملة الفوائد. وسيتم التعامل مع باقي المستوردين والشحنات في مراحل لاحقة. وتعهدت «فيديكس»، التي كانت تجمع الرسوم مباشرة من المستهلكين، بإعادة المبالغ المستردة إلى العملاء الذين دفعوها. وأفادت في بيان بأن «هدفنا واضح: إذا تم إصدار أي مبالغ مستردة لـ(فيديكس)، فسنرد رسوم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية المدفوعة إلى الشاحنين والمستهلكين الذين تحملوا هذه الرسوم».

وكانت الشركة توقفت عن تحصيل الرسوم بعد يومين من قرار المحكمة العليا. وكانت شركة «كوستكو» رفعت دعوى قضائية فيدرالية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طعنت فيها بكل رسوم قانون سلطات الطوارئ بوصفها غير قانونية، مطالبة بإصدار أمر برد كامل المبالغ المدفوعة، بما فيها الفوائد. والتزمت الشركة بتحويل أي مبالغ مستردة تتلقاها مباشرة إلى أصحابها.

ونقلت صحيفة «بيوجت ساوند بيزنس جورنال» عن الرئيس التنفيذي لـ«كوستكو» رون فاكريس قوله: «كما فعلنا في السابق، عندما نجحت الطعون القانونية في استرداد الرسوم التي تم تمريرها بشكل أو بآخر إلى أعضائنا، فإن التزامنا هو إيجاد أفضل طريقة لإعادة هذه القيمة من خلال خفض الأسعار». ورفعت شركات كبرى أخرى دعاوى قضائية مماثلة، بما في ذلك شركات تصنيع النظارات «راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز».

وتُقدر إدارة الجمارك وحماية الحدود أن تستمر عمليات استرداد الرسوم من 60 إلى 90 يوماً من تاريخ قبول الإقرار. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الشريكة في شركة «آيس ميلر» ميغان سوبينو توقعها «حدوث بعض المشاكل» على غرار «أي برنامج إلكتروني». وقالت: «تُعدّ الدقة بالغة الأهمية أيضاً، إذ يمكن رفض الطلبات في حال وجود خطأ في التنسيق أو البيانات، كما أن معلومات الحساب المصرفي غير الصحيحة ستؤدي إلى تأخير أو منع الدفع».