كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

الدين العالمي سجل أرقاماً قياسية... وحرب الرسوم قد تدمر 17.5 % من حجم التجارة

جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
TT

كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)

حذر رؤساء منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أمس، من تأثير سياسات الحماية التجارية على الاقتصاد العالمي، ودعوا لوقف تصعيد الخلافات التجارية الحالية، داعين قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها.
ويشغل احتمال تصعيد أكبر للخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، بال وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية والاقتصاديين الذين يتوافدون علي منتجع بالي لحضور الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد، التي تبدأ اليوم الخميس.
وخفّض صندوق النقد توقعات النمو العالمية للعامين الحالي والمقبل، وقال في تقرير أول من أمس، إن الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين يؤثر على الاقتصاد العالمي، وإن الأسواق الناشئة تعاني من نقص السيولة والتدفقات الرأسمالية. وقال الصندوق إن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود مخاطر للنظام المالي العالمي زادت على مدى الأشهر الستة الماضية، وستسجل زيادة حادة إذا تصاعد الضغط في الأسواق الناشئة، وتدهورت العلاقات التجارية أكثر.
ومن جانبها، دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد الأربعاء، قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها، في تصريح هو بمثابة توبيخ للسياسيين الذين يعززون الرسوم الجمركية والحمائية.
ويأتي تصريحها في وقت يهدد الخلاف التجاري بين الصين والولايات المتحدة النمو الاقتصادي العالمي؛ حيث حذر خبراء صندوق النقد الدولي من «نقاط ضعف جديدة» في النظام العالمي.
وقالت لاغارد خلال اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بالي في إندونيسيا: «نحتاج إلى العمل معا من أجل تخفيف التوتر وحل النزاعات التجارية الراهنة. نحتاج إلى أن نتكاتف لإصلاح النظام التجاري الحالي وليس تدميره».
وردد الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أنخيل غوريا الرسالة ذاتها، محذرا من تبعات اقتصادية للتوتر بدأت تظهر. وقال إن «النمو هذه السنة لا يبدو جيدا» كما كان في العام الماضي، موضحا أن «الفرق هو التجارة والتوتر والحمائية وتدابير الرد». وتابع أنه «بعد فترة من الانتعاش الاقتصادي، بدأنا نقوم بهذه الأمور، وسجلنا تباطؤا».

التجارة العالمية مهددة

من جانبها، قالت منظمة التجارة العالمية أمس، إن حربا تجارية واسعة بين الولايات المتحدة والصين، يمكن أن تخفض حجم التجارة العالمية، بنسبة 17.5 في المائة.
وفي حديثه على هامش المؤتمر، قال رئيس المنظمة، روبرتو أزيفيدو، إن الخلاف يمكن أن يقلص الاقتصاد العالمي بنسبة 1.9 في المائة.
وتظهر عملية حسابية أجراها صندوق النقد، أن الصين وأميركا يعانيان من النزاع التجاري؛ حيث تم الإعلان بالفعل عن رسوم جمركية على ما قيمته 360 مليار دولار أميركي من السلع، بالإضافة إلى ذلك ستخفض الرسوم الجمركية على السيارات وقطع غيار السيارات الاقتصاد الأميركي بنسبة 0.9 في المائة، والاقتصاد الصيني بنسبة 0.6 في المائة.
وقال رئيس منظمة التجارة العالمية، إنه منفتح بشأن مطالب من الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترمب لإصلاح النظام التجاري العالمي، مضيفا أن هناك آراء مختلفة حول القضية من أعضاء المنظمة.

النمو العالمي في خطر

وحضر نحو 32 ألفاً من النخبة المالية العالمية إلى هذا المنتجع الإندونيسي، للمشاركة في أسبوع من المناقشات التي خيمت عليها سياسة «أميركا أولاً» التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي فرض أو هدد بفرض تعريفات جمركية أعلى على السلع المستوردة، لا سيما الصين، وكذلك من حلفاء تقليديين مثل الاتحاد الأوروبي.
وأدى كذلك رفع أسعار الفائدة الأميركية إلى خلق حالة من البلبلة في عملات الأسواق الناشئة؛ حيث تجهد الدول التي اقترضت بكثافة بالدولار لتسديد ديونها بسرعة.
وأفاد التقرير الصادر الأربعاء عن صندوق النقد الدولي حول الاستقرار المالي العالمي، بأن النمو العالمي قد يكون في خطر إذا شهدت الأسواق الناشئة مزيداً من التدهور، أو تصاعدت حدة التوترات التجارية.
وقال الصندوق في تقريره نصف السنوي: «ظهرت نقاط ضعف جديدة، ولم يتم بعد اختبار مرونة النظام المالي العالمي». ويبدو المشاركون في السوق «مرتاحين» إزاء المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن «زيادة مفاجئة في حدة الظروف»؛ مثل ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض إمكانية الحصول على الرساميل. وحذر الصندوق من أن فرض مزيد من التعريفات الجمركية والتدابير المضادة لها يمكن أن يؤدي إلى تشديد أكبر للظروف المالية، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي.
وقالت لاغارد خلال الاجتماع، إن الظروف العالمية لا تبعث على الشعور التام بالاكتئاب. وتابعت: «يدفع الوضع للشعور ببعض الإحباط؛ لكنني في الواقع متفائلة لأن هناك رغبة فعلية في تحسين وتطوير العلاقات التجارية العالمية».
ولكن الباحث الأميركي جيفري ساكس تحدث بلهجة أقل دبلوماسية، في تقييمه لإدارة ترمب للعلاقات التجارية الأميركية، منتقداً مزاعم الرئيس المتكررة بأن العجز مع الصين ودول أخرى يعني أن الأميركيين يتعرضون للاستغلال.
وقال ساكس، مدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، خلال ندوة في بالي: «إن العجز التجاري لا يعني بالضرورة وجود غش من قبل الطرف الآخر... هذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول وقف نمو الصين. إنها فكرة رهيبة». وأضاف أن «كل الاتهامات الموجهة ضد الصين... مبالغ فيها إلى حد كبير».
ومع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، وإغراء المستثمرين بتحويل أموالهم بحثاً عن عوائد أعلى، قال صندوق النقد إن الاقتصادات الناشئة يجب أن تتخذ خطوات لحماية نفسها من هجرة الأموال. واقترح على سبيل المثال تعزيز احتياطيات العملات الأجنبية التي يمكن استخدامها في الأزمات، وكذلك العمل مع أسواق السندات المحلية لبناء قاعدة مستثمرين محلية، بدلاً من الاعتماد على التمويل من الخارج.

ضغوط متزايدة

وقال الصندوق أمس، إن المخاطر التي واجهها النظام المالي العالمي في الأشهر الستة الأخيرة زادت، وقد تشهد تناميا حادا إذا تصاعدت الضغوط في الأسواق الناشئة، أو تعرضت علاقات التجارة العالمية لمزيد من التدهور.
وأشار الصندوق إلى أنه رغم تدعيم الجهات التنظيمية للنظام المصرفي في العشر سنوات الأخيرة، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008، فإن أوضاع التيسير المالي ساهمت في تراكم عوامل الضعف، مثل مستويات الدين المرتفعة و«زيادة مفرطة» في تقييمات الأصول.
وأوضح الصندوق في تقريره نصف السنوي للاستقرار المالي العالمي، أن اللوائح المصرفية الجديدة التي تهدف لتفادي خطط الإنقاذ المالي مستقبلا، لم تخضع للاختبار بدرجة كافية. وقال الصندوق: «زادت مخاطر المدى القريب التي تهدد الاستقرار المالي العالمي قليلا، وبشكل عام تبدو أطراف السوق متساهلة إزاء خطر حدوث تشديد حاد في الأوضاع المالية».
وقال توبياس أدريان، مدير أسواق المال في صندوق النقد، إن الصدمات المحتملة للنظام قد تأتي في كثير من الأشكال، مثل زيادة أعلى من المتوقع في التضخم، تؤدي لقفزة حادة في أسعار الفائدة، أو خروج «فوضوي» لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لكن حدة تأثير مثل هذه الصدمات ستتحدد وفقا لنقاط الضعف، التي تشمل نمو مستويات الدين غير المالي الذي تجاوز الآن 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض في معايير تغطية القروض خارج القطاع المصرفي التقليدي، وأسعار الأصول المرتفعة التي قد تشهد تدهورا حادا.
وقال توبياس في مؤتمر صحافي: «إن هذا التفاعل بين تراكم عوامل الضعف وتراجع أسعار الأصول، هو ما قد يؤدي لتداعيات معاكسة على نشاط الاقتصاد الكلي».

مخاطر الديون

وأشار الصندوق أيضا إلى المخاطر الآتية من ارتفاع ديون الشركات، وكثرة الاقتراض الحكومي، وتبعات إجراءات التحفيز المالي، وخطط الإنقاذ الحكومي في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. ومنذ تقرير الاستقرار الأخير في أبريل (نيسان) الماضي، أصبحت الظروف الاقتصادية العالمية أقل توازناً، مع زيادة الفروق بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
وعلى الرغم من زيادة الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) سعر الفائدة، فإن الظروف المالية «شهدت مزيداً من التيسير» في الولايات المتحدة؛ حيث بقيت قيمة الأسهم مرتفعة. وقال التقرير إن الظروف في أوروبا وغيرها من الاقتصادات المتقدمة الرئيسية بقيت «سهلة نسبيا»، على الرغم من أن المستثمرين قللوا توقعاتهم بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي بزيادة أسعار الفائدة.وفي الصين، لا يزال الوضع «مستقراً في الإجمال» على الرغم من أن ديون الشركات باتت أعلى من المستويات التاريخية، والاقتراض الأسري من بين الأعلى على مستوى البلدان الناشئة. وقال فيتور غاسبار، مدير إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد، إن «الصين تدرك ذلك جيدا وتتخذ خطوات لإبطاء تراكم الديون».

الدين العالمي ينمو... وكذلك الأصول العامة

وفي هذا السياق، قال الصندوق أمس، إن مستويات الدين العالمي سجلت رقما قياسيا بلغ 182 تريليون دولار في 2017؛ حيث نمت 50 في المائة في الأعوام العشرة السابقة؛ لكن الصورة تبدو أقل قتامة عند أخذ قيمة الأصول العامة في الحسبان.
وقال الصندوق إن قاعدة بيانات جديدة في تقريره نصف السنوي للمراقبة المالية أظهرت صافي قيمة ضخما للأصول في 31 دولة، يسهم بنسبة 61 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي. وبلغت قيمة الأصول في هذه الدول نحو 101 تريليون دولار بما يعادل مثلي ناتجها المحلي الإجمالي، وشكلت أصول الشركات العامة أكثر من نصف هذه الأصول بقليل، بينما شكلت الموارد الطبيعية مثل النفط أو الثروة المعدنية أقل من النصف بقليل.
وقال تقرير الصندوق: «ما إن تفهم الحكومات حجم وطبيعة الأصول العامة، يمكنها البدء في إدارتها بمزيد من الكفاءة. المكاسب المحتملة من تحسين إدارة الأصول ضخمة».
وقال الصندوق إن مكاسب الإيرادات من الشركات العامة غير المالية والأصول المالية الحكومية، يمكن أن تصل نسبتها إلى ثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وهو ما يعادل حصيلة ضريبة الشركات السنوية في الاقتصادات المتقدمة.
وذكر التقرير أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، كدول تأخذ خطوات إيجابية لتحسين إدارة الأصول تحسبا لنمو الالتزامات المالية مستقبلا. وقال الصندوق إن الاستخدام الأكثر كفاءة للمباني التي تملكها الحكومات على سبيل المثال، يمكن أن يساعد في تقليص تكاليف الاستئجار، بينما تحولت بريطانيا عن السندات المرتبطة بالتضخم، للحد من مخاطر سعر الفائدة في محفظة سندات بنك إنجلترا المركزي.



عوائد السندات البريطانية تبلغ ذروة 18 عاماً مع ترقب الأسواق لرفع الفائدة

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

عوائد السندات البريطانية تبلغ ذروة 18 عاماً مع ترقب الأسواق لرفع الفائدة

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات يوم الاثنين إلى أعلى مستوى لها منذ يوليو (تموز) 2008، مسجلة 5.068 في المائة، بزيادة 7 نقاط أساس خلال الجلسة، في ظل توقعات الأسواق بأربع زيادات محتملة في أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا هذا العام.

ومن المتوقع أن يعقد رئيس الوزراء كير ستارمر اجتماعاً طارئاً مع كبار الوزراء ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي لمناقشة سبل مواجهة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وفق «رويترز».

وسجَّلت عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، متجاوزة حاجز 5 في المائة لأول مرة منذ يوم الجمعة الماضي، وامتدت الزيادة إلى سندات الحكومة الأميركية والألمانية التي شهدت ارتفاعاً طفيفاً بين 2 و3 نقاط أساس.

وقال جيل مويك، كبير الاقتصاديين في شركة «أكسا» الفرنسية: «الضحايا الرئيسيون في سوق السندات هم الدول التي كانت أكثر ضعفاً قبل صدمة النفط، وتعد المملكة المتحدة أبرزها». وأضاف أن بريطانيا بحاجة لمعالجة التضخم المستعصي، الذي تفاقمه صدمة النفط، وتعتمد بشكل متزايد على المستثمرين الأجانب لشراء سنداتها.

ويوم الخميس، توقع بنك إنجلترا أن يرتفع التضخم إلى 3 - 3.5 في المائة منتصف العام الحالي، بدلاً من الانخفاض إلى 2 في المائة كما كان متوقعاً الشهر الماضي، مشيراً إلى أن المزيد من خفض أسعار الفائدة لم يعد مناسباً على المدى القريب.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل عامين بنحو 11 نقطة أساس لتصل إلى 4.685 في المائة، مسجلة أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، في حين صعدت عوائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.637 في المائة قبل أن تتراجع إلى 5.605 في المائة، مع استمرار المخاوف حول التضخم طويل الأجل والأسواق المالية.


حرب إيران تلتهم 2.5 تريليون دولار من السندات العالمية

مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)
مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)
TT

حرب إيران تلتهم 2.5 تريليون دولار من السندات العالمية

مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)
مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

تسبب شبح الركود التضخمي الناجم عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط في محو أكثر من 2.5 تريليون دولار من قيمة السندات العالمية خلال شهر مارس (آذار) الجاري، لتسجل الأسواق أكبر خسارة شهرية لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، في مشهد يعيد للأذهان ذكريات «لعنة 2022"، وفق «بلومبرغ».

وتأتي هذه الانهيارات في سوق السندات مدفوعة بالقفزة الحادة في أسعار النفط، التي تسرع من وتيرة التضخم وتؤدي إلى تآكل قيمة المدفوعات الثابتة للديون. ورغم أن خسائر السندات بدت أقل حِدّة من النزيف الذي ضرب الأسهم العالمية والتي فقدت نحو 11.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية، إلا أنها كانت غير متوقعة؛ نظراً لأن أدوات الدين عادة ما تكتسب قيمة في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية كملاذ آمن، وهو ما لم يحدث في الأزمة الراهنة.

ضغوط تضخمية

وفي هذا السياق، تراجعت القيمة السوقية الإجمالية للديون السيادية ودين الشركات من نحو 77 تريليون دولار في نهاية فبراير (شباط) إلى 74.4 تريليون دولار حالياً، وفقاً لمؤشرات «بلومبرغ». ويمثل هذا الانخفاض بنسبة 3.1 في المائة في شهر واحد أسوأ أداء للسوق منذ سبتمبر (أيلول) 2022، حين كان بنك الاحتياطي الفيدرالي في خضم دورة تشديد نقدي عنيفة.

وأدت التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران بشأن إغلاق مضيق هرمز إلى زيادة التكهنات بأن البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، قد تضطر إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعات أبريل المقبل لمكافحة التضخم الجامح، حتى لو أدى ذلك إلى خنق النمو الاقتصادي.

نزيف العوائد عالمياً

ولم تتوقف الخسائر عند حدود الولايات المتحدة، بل امتدت لتشمل الأسواق الآسيوية؛ حيث قفزت عوائد السندات الحكومية في الهند واليابان وكوريا الجنوبية، بينما سجلت السندات الأسترالية لأجل 10 سنوات أعلى مستوياتها منذ عام 2011.

ويرى خبراء استراتيجيون أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة سيحد من قدرة البنوك المركزية على التدخل لإنقاذ الأسواق، مما قد يجبرها على رفع الفائدة في ظل دورة نمو منخفضة، وهو ما يعرف اقتصادياً بالركود التضخمي، الذي يهدد استقرار النظام المالي العالمي.


المركزي الأوروبي يرهن تدخلاته بمخاطر «استدامة التضخم» لا بارتفاع أسعار الطاقة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

المركزي الأوروبي يرهن تدخلاته بمخاطر «استدامة التضخم» لا بارتفاع أسعار الطاقة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

أكد نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي غيندوس، أن البنك لا يستطيع منع ارتفاع التضخم الناجم عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، ولكنه ملزم بالتحرك إذا ظهرت مخاطر استمرار تسارع نمو الأسعار.

وقال دي غيندوس لصحيفة «إل موندو» الإسبانية يوم الاثنين: «لا يمكن للسياسة النقدية منع الحرب من إحداث تأثير أولي على كل من التضخم والنمو، ولكن بإمكان البنك المركزي الأوروبي مراقبة الوضع والتأهب لأي تأثيرات محتملة من الجولة الثانية (مرحلة انتشار التضخم من صدمة محددة إلى الاقتصاد الأوسع)».

وأوضح أن على الشركات والنقابات التعامل مع هذه الصدمة التضخمية المؤقتة، وإلا ستكون هناك آثار جانبية تستدعي تدخل البنك المركزي لاحتوائها.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي؛ مشيراً إلى استعداده لتشديد السياسة النقدية إذا انتقلت الضغوط المرتفعة للأسعار إلى الاقتصاد كله، مما يؤثر على أسعار السلع والخدمات الأخرى من خلال ما يُعرف بتأثيرات الجولة الثانية.

وأشار دي غيندوس إلى أن البنك سيراقب التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار، بالإضافة إلى بنود محددة، مثل أسعار الأسمدة والمواد الغذائية، مؤكداً أن ارتفاع تكاليف الطاقة من غير المرجح أن يؤدي إلى ركود في منطقة اليورو؛ حيث تتوقع جميع السيناريوهات استمرار النمو الإيجابي.

وأضاف أن البنك الذي كان من بين أوائل البنوك المركزية التي رفعت أسعار الفائدة خلال موجة التضخم في 2021- 2022، نجح في كبح جماح نمو الأسعار قبل نظرائه الرئيسيين، وحافظ على التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة خلال العام الماضي، رغم أن أحدث التوقعات تشير إلى ارتفاعه إلى 2.6 في المائة في السيناريو الأكثر تفاؤلاً مع ميل المخاطر نحو قراءات أعلى.

«غولدمان ساكس» تتوقع رفع الفائدة في أبريل ويونيو

في سياق متصل، توقعت «غولدمان ساكس» يوم الاثنين أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين بمقدار 25 نقطة أساس في أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) ، لينضم بذلك إلى توقعات نظرائه في «جي بي مورغان» و«باركليز»، في ظل إشارات صانعي السياسات إلى مخاطر التضخم الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وكانت شركة الوساطة قد توقعت سابقاً أن يحافظ البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير طوال هذا العام. وفي اجتماع السياسة النقدية الذي عُقد في مارس (آذار)، أبقى البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة دون تعديل، ولكنه أكد أنه يراقب من كثب مخاطر النمو والتضخم المرتبطة بارتفاع أسعار النفط، وأنه مستعد للتحرك إذا استدعت الضرورة ذلك.