موسكو تستدعي سفيرة هولندا وتستعد لموجة عقوبات جديدة

رفضت اتهامات بشن هجمات إلكترونية... وربطتها باجتماع «منظمة حظر الكيماوي»

السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)
السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تستدعي سفيرة هولندا وتستعد لموجة عقوبات جديدة

السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)
السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)

سعت موسكو إلى تطويق الأزمة المتصاعدة مع عدد من البلدان الغربية، على خلفية توجيه اتهامات لروسيا بشن هجمات إلكترونية على نظم إدارة ومعلومات تابعة لمنظمات دولية، بينها منظمة حظر السلاح الكيماوي. وبالرغم من الإعلان أمس عن استدعاء السفيرة الهولندية في موسكو إلى الخارجية الروسية، وتقديم مذكرة احتجاج ضد «التصرفات غير المقبولة وغير المبررة»، وفقاً لمصدر دبلوماسي روسي، إلا أن وزير الخارجية سيرغي لافروف تعمد استخدام لغة هادئة، وقال إن بلاده منفتحة لتطوير العلاقات، وفتح قنوات اتصال من البلدان الأوروبية، رغم العقوبات والملفات الخلافية القائمة.
وجاء استدعاء السفيرة الهولندية رينيه جونس بوس، بعد قيام هولندا باتهام جهاز الاستخبارات التابع لوزارة الدفاع الروسية بشن هجمات على مواقع منظمة «حظر الكيماوي» في لاهاي. وأفادت وزارة الدفاع الهولندية، الأسبوع الماضي، بأن المخابرات الهولندية تمكنت من منع وقوع «هجوم إلكتروني» على المنظمة؛ خطط له 4 مواطنين روس مرتبطون بجهاز الاستخبارات.
وقال دبلوماسي روسي إن روسيا تتعرض لـ«حملة تضليل تقوم بها هولندا»، مكرراً الموقف الروسي، الذي أبدى استغراباً لأن هولندا «انتظرت أربعة شهور قبل أن تتحدث عن هذا الهجوم»، مشيراً إلى أن «الهجوم المزعوم خطط له في أبريل (نيسان) الماضي، وقامت هولندا بطرد الروس المشتبه بهم من هولندا في الشهر ذاته، ما يفتح على أسئلة بشأن أسباب إعادة إثارة هذا الملف حالياً، وقبل أيام من انعقاد اجتماعات منظمة (حظر الكيماوي)».
وكانت الخارجية الروسية نفت أي صلة لموسكو بالهجمات الإلكترونية، وحملت ما وصفته بـ«هوس التجسس»، الذي أصبح يسيطر على الغرب، مسؤولية التصعيد الراهن.
ورأت الخارجية، في بيان، أن توقيت تأجيج هذه الأزمة قبل اجتماع «حظر الكيماوي» المقرر اليوم، هدفه «توفير خلفية سياسية ضرورية لتقديم مبادرات غير شرعية تتجاهل المواقف الروسية في الاجتماعات»، وفي إشارة إلى مناقشة قضايا تمويل آلية جديدة في إطار الأمانة الفنية للمنظمة، لتوجيه اتهامات لأطراف بالمسؤولية عن شن هجمات كيماوية، وهو أمر تعارضه موسكو بقوة.
ولفتت الخارجية الروسية إلى أن «عدداً من الدول الغربية تسعى بدأب لتشكيل مثل هذه الآلية، خلافاً لمبادئ القانون الدولي، وانتهاكاً لصلاحيات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وأكّدت أنه «من الواضح أن الحملة الدعائية الجديدة ليست إلا مرحلة متطورة لخلق الأجواء السياسية اللازمة لدفع هذه المبادرة».
في السياق ذاته، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن بلاده «لا ترى في المعلومات الصادرة من لاهاي بشأن تدخل روسيا في عمل منظمة (حظر الكيماوي) أدلة يمكن التعامل معها أو الرد عليها». وزاد أن الاتهامات «وجهت إلى روسيا عبر وسائل الإعلام، وليس عبر قنوات عمل على مستوى الجهات المعنية، سواء في إطار آلية تقديم المساعدة القانونية المتبادلة أو غيرها. وعبر هذه القنوات، يجب تقديم الوثائق والأدلة والمعلومات الرسمية، ونحن مستعدون للنظر فيها، لكننا لا نعتزم مواصلة الحديث حول هذه المواضيع عبر وسائل الإعلام». وأشار إلى أن المعطيات الهولندية «عامة بما فيه الكفاية، ولا نرى أي حجج… أو أدلة ملموسة، ولذلك نفضل عدم التعليق على ذلك في هذه الحالة».
وعكست تصريحات بيسكوف رغبة روسية في عدم التصعيد، وتوجّهاً إلى محاولة إعادة النقاش حول الملفات المطروحة إلى «قنوات العمل الدبلوماسية»، وفقاً لتعليق دبلوماسي روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»؛ قال إنه برغم ذلك «ليس متفائلاً بأن الغرب سوف يستمع لهذه اللغة». وزاد أن موسكو تتوقع «الأسوأ» من خلال التلويح الغربي بفرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا على خلفية هذه الاتهامات، لكنه شدد على «استعداد موسكو للتعامل مع أي رزم عقوبات جديدة»، وزاد: «لن تؤثر علينا كثيراً». في الإطار ذاته، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، أن الحوار بين روسيا والاتحاد الأوروبي «بات يحتاج إلى تصليح وتنشيط». وقال لافروف، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي إينسي ميلانيزي في موسكو، «تناولنا أثناء مناقشة المواضيع الدولية مسألة العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. إن موسكو تهتم بالاتحاد الأوروبي القوي الذي سيكون شريكاً براغماتياً يمارس سياسته الخارجية على أساس المصالح الأوروبية ومصالح الدول التي تدخل الاتحاد الأوروبي. ونرى نحن وزملاؤنا الإيطاليون أيضاً، كما فهمت، أن الحوار بين موسكو وبروكسل يحتاج إلى تصليح وتنشيط». وأكد أنه برغم كل الأزمات والملفات الخلافية، فإن «موسكو منفتحة أمام كل الاقتراحات البناءة» من جانب الاتحاد الأوروبي لتعزيز الحوار وتنشيط التعاون في المجالات المختلفة.
وأضاف لافروف أن روسيا والاتحاد الأوروبي يدركان جيداً أنه لا بديل عن تعزيز الحوار ودفع التعاون التجاري الاقتصادي»، مضيفاً: «نتصرف بشكل براغماتي... بدليل أن التبادل التجاري بين روسيا والاتحاد الأوروبي ينمو خلال العامين الأخيرين تقريباً، ولا يزال يزداد بشكل ثابت. وسنرحب بذلك وسنكون منفتحين أمام الاقتراحات البناءة الهادفة لاستعادة علاقاتنا لصالح روسيا وشركائنا الأوروبيين».
وشدد على أن «العديد من الحكومات (الأوروبية) تفهم الطابع غير الطبيعي وغير الصالح للوضع القائم، وتدعم تحديد جوهر المسألة والاسترشاد ليس بالاعتقادات الآيديولوجية وأفكار التضامن الأوروأطلسي، بل بالمصالح الحقيقية والعميقة للبلدان الأوروبية، وكذلك مصالح الاتحاد الروسي، التي نسترشد بها».
وأكد مشاركته في اللقاء الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، الذي سيجري في ميلانو ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
في المقابل، انتقد بعض البلدان الأوروبية التي وصفها بأنها «تضع عقبات مصطنعة» أمام تطوير الحوار الروسي الأوروبي، وزاد أن «اتهامات هولندا لروسيا بتورط مزعوم بالهجوم الإلكتروني يدل على أننا نشهد حالياً مثالاً جديداً، لتجاهل الآليات القانونية التي تم إنشاؤها لبحث القضايا التي تبرز في العلاقات بين البلدين». وأضاف لافروف أن زيارة الخبراء الروس إلى هولندا في أبريل الماضي كان عملاً روتينياً وغير سري، معرباً عن دهشته بسبب اتهام الخبراء بأنهم «جواسيس». وزاد أنه «لم يكن هناك أي شيء سري في زيارة الخبراء الروس إلى لاهاي في أبريل الماضي. إنها روتينية، لم يختفوا لا في الفندق، ولا بعد وصولهم إلى المطار، ولا أثناء ارتيادهم السفارة الروسية... وتم احتجازهم دون تقديم أي توضيحات، ولم يسمح لهم بالاتصال بممثلي السفارة الروسية في هولندا، وطالبوهم بمغادرة البلاد. وكان يبدو أن الحديث يدور عن سوء فهم. لا سيما أن لاهاي لم تعلن في أبريل الماضي أي احتجاج على ذلك لروسيا».



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended