سعت موسكو إلى تطويق الأزمة المتصاعدة مع عدد من البلدان الغربية، على خلفية توجيه اتهامات لروسيا بشن هجمات إلكترونية على نظم إدارة ومعلومات تابعة لمنظمات دولية، بينها منظمة حظر السلاح الكيماوي. وبالرغم من الإعلان أمس عن استدعاء السفيرة الهولندية في موسكو إلى الخارجية الروسية، وتقديم مذكرة احتجاج ضد «التصرفات غير المقبولة وغير المبررة»، وفقاً لمصدر دبلوماسي روسي، إلا أن وزير الخارجية سيرغي لافروف تعمد استخدام لغة هادئة، وقال إن بلاده منفتحة لتطوير العلاقات، وفتح قنوات اتصال من البلدان الأوروبية، رغم العقوبات والملفات الخلافية القائمة.
وجاء استدعاء السفيرة الهولندية رينيه جونس بوس، بعد قيام هولندا باتهام جهاز الاستخبارات التابع لوزارة الدفاع الروسية بشن هجمات على مواقع منظمة «حظر الكيماوي» في لاهاي. وأفادت وزارة الدفاع الهولندية، الأسبوع الماضي، بأن المخابرات الهولندية تمكنت من منع وقوع «هجوم إلكتروني» على المنظمة؛ خطط له 4 مواطنين روس مرتبطون بجهاز الاستخبارات.
وقال دبلوماسي روسي إن روسيا تتعرض لـ«حملة تضليل تقوم بها هولندا»، مكرراً الموقف الروسي، الذي أبدى استغراباً لأن هولندا «انتظرت أربعة شهور قبل أن تتحدث عن هذا الهجوم»، مشيراً إلى أن «الهجوم المزعوم خطط له في أبريل (نيسان) الماضي، وقامت هولندا بطرد الروس المشتبه بهم من هولندا في الشهر ذاته، ما يفتح على أسئلة بشأن أسباب إعادة إثارة هذا الملف حالياً، وقبل أيام من انعقاد اجتماعات منظمة (حظر الكيماوي)».
وكانت الخارجية الروسية نفت أي صلة لموسكو بالهجمات الإلكترونية، وحملت ما وصفته بـ«هوس التجسس»، الذي أصبح يسيطر على الغرب، مسؤولية التصعيد الراهن.
ورأت الخارجية، في بيان، أن توقيت تأجيج هذه الأزمة قبل اجتماع «حظر الكيماوي» المقرر اليوم، هدفه «توفير خلفية سياسية ضرورية لتقديم مبادرات غير شرعية تتجاهل المواقف الروسية في الاجتماعات»، وفي إشارة إلى مناقشة قضايا تمويل آلية جديدة في إطار الأمانة الفنية للمنظمة، لتوجيه اتهامات لأطراف بالمسؤولية عن شن هجمات كيماوية، وهو أمر تعارضه موسكو بقوة.
ولفتت الخارجية الروسية إلى أن «عدداً من الدول الغربية تسعى بدأب لتشكيل مثل هذه الآلية، خلافاً لمبادئ القانون الدولي، وانتهاكاً لصلاحيات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وأكّدت أنه «من الواضح أن الحملة الدعائية الجديدة ليست إلا مرحلة متطورة لخلق الأجواء السياسية اللازمة لدفع هذه المبادرة».
في السياق ذاته، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن بلاده «لا ترى في المعلومات الصادرة من لاهاي بشأن تدخل روسيا في عمل منظمة (حظر الكيماوي) أدلة يمكن التعامل معها أو الرد عليها». وزاد أن الاتهامات «وجهت إلى روسيا عبر وسائل الإعلام، وليس عبر قنوات عمل على مستوى الجهات المعنية، سواء في إطار آلية تقديم المساعدة القانونية المتبادلة أو غيرها. وعبر هذه القنوات، يجب تقديم الوثائق والأدلة والمعلومات الرسمية، ونحن مستعدون للنظر فيها، لكننا لا نعتزم مواصلة الحديث حول هذه المواضيع عبر وسائل الإعلام». وأشار إلى أن المعطيات الهولندية «عامة بما فيه الكفاية، ولا نرى أي حجج… أو أدلة ملموسة، ولذلك نفضل عدم التعليق على ذلك في هذه الحالة».
وعكست تصريحات بيسكوف رغبة روسية في عدم التصعيد، وتوجّهاً إلى محاولة إعادة النقاش حول الملفات المطروحة إلى «قنوات العمل الدبلوماسية»، وفقاً لتعليق دبلوماسي روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»؛ قال إنه برغم ذلك «ليس متفائلاً بأن الغرب سوف يستمع لهذه اللغة». وزاد أن موسكو تتوقع «الأسوأ» من خلال التلويح الغربي بفرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا على خلفية هذه الاتهامات، لكنه شدد على «استعداد موسكو للتعامل مع أي رزم عقوبات جديدة»، وزاد: «لن تؤثر علينا كثيراً». في الإطار ذاته، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، أن الحوار بين روسيا والاتحاد الأوروبي «بات يحتاج إلى تصليح وتنشيط». وقال لافروف، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي إينسي ميلانيزي في موسكو، «تناولنا أثناء مناقشة المواضيع الدولية مسألة العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. إن موسكو تهتم بالاتحاد الأوروبي القوي الذي سيكون شريكاً براغماتياً يمارس سياسته الخارجية على أساس المصالح الأوروبية ومصالح الدول التي تدخل الاتحاد الأوروبي. ونرى نحن وزملاؤنا الإيطاليون أيضاً، كما فهمت، أن الحوار بين موسكو وبروكسل يحتاج إلى تصليح وتنشيط». وأكد أنه برغم كل الأزمات والملفات الخلافية، فإن «موسكو منفتحة أمام كل الاقتراحات البناءة» من جانب الاتحاد الأوروبي لتعزيز الحوار وتنشيط التعاون في المجالات المختلفة.
وأضاف لافروف أن روسيا والاتحاد الأوروبي يدركان جيداً أنه لا بديل عن تعزيز الحوار ودفع التعاون التجاري الاقتصادي»، مضيفاً: «نتصرف بشكل براغماتي... بدليل أن التبادل التجاري بين روسيا والاتحاد الأوروبي ينمو خلال العامين الأخيرين تقريباً، ولا يزال يزداد بشكل ثابت. وسنرحب بذلك وسنكون منفتحين أمام الاقتراحات البناءة الهادفة لاستعادة علاقاتنا لصالح روسيا وشركائنا الأوروبيين».
وشدد على أن «العديد من الحكومات (الأوروبية) تفهم الطابع غير الطبيعي وغير الصالح للوضع القائم، وتدعم تحديد جوهر المسألة والاسترشاد ليس بالاعتقادات الآيديولوجية وأفكار التضامن الأوروأطلسي، بل بالمصالح الحقيقية والعميقة للبلدان الأوروبية، وكذلك مصالح الاتحاد الروسي، التي نسترشد بها».
وأكد مشاركته في اللقاء الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، الذي سيجري في ميلانو ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
في المقابل، انتقد بعض البلدان الأوروبية التي وصفها بأنها «تضع عقبات مصطنعة» أمام تطوير الحوار الروسي الأوروبي، وزاد أن «اتهامات هولندا لروسيا بتورط مزعوم بالهجوم الإلكتروني يدل على أننا نشهد حالياً مثالاً جديداً، لتجاهل الآليات القانونية التي تم إنشاؤها لبحث القضايا التي تبرز في العلاقات بين البلدين». وأضاف لافروف أن زيارة الخبراء الروس إلى هولندا في أبريل الماضي كان عملاً روتينياً وغير سري، معرباً عن دهشته بسبب اتهام الخبراء بأنهم «جواسيس». وزاد أنه «لم يكن هناك أي شيء سري في زيارة الخبراء الروس إلى لاهاي في أبريل الماضي. إنها روتينية، لم يختفوا لا في الفندق، ولا بعد وصولهم إلى المطار، ولا أثناء ارتيادهم السفارة الروسية... وتم احتجازهم دون تقديم أي توضيحات، ولم يسمح لهم بالاتصال بممثلي السفارة الروسية في هولندا، وطالبوهم بمغادرة البلاد. وكان يبدو أن الحديث يدور عن سوء فهم. لا سيما أن لاهاي لم تعلن في أبريل الماضي أي احتجاج على ذلك لروسيا».
موسكو تستدعي سفيرة هولندا وتستعد لموجة عقوبات جديدة
رفضت اتهامات بشن هجمات إلكترونية... وربطتها باجتماع «منظمة حظر الكيماوي»
السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)
موسكو تستدعي سفيرة هولندا وتستعد لموجة عقوبات جديدة
السفيرة الهولندية في موسكو تصل إلى مقر وزارة الخارجية الروسية أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


