المحبَّة... شعراً

يوسف إدوارد وهيب في «احتفلي بي أيتها المكيدة»

المحبَّة... شعراً
TT

المحبَّة... شعراً

المحبَّة... شعراً

يحتفي الشاعر يوسف إدوارد وهيب بالمكيدة شعريا ويبتهل لها إلى حد التسامح، ومن أجلها يقدم الشعر كتضحية وقربان لكل شيء ولا شيء معا. وذلك في ديوانه «احتفلي بي أيتها المكيدة»، الصادر حديثا عن هيئة قصور الثقافة بالقاهرة.
تحت ظلال المكيدة يقلب الشاعر التاريخ، الماضي والحاضر ويبدو أنه لا شيء عنده أسمى من فكرة الأخوة، وأن يصبح العالم بقعة ضوء تتسع للجميع بمحبة وصفاء. فهو مدين لجسد «الزير»، بصداقة، ليس لأنه مجرد وعاء للماء، وإنما باعتباره أحد الرموز القارة في ذاكرة الماضي وروح الوجدان الشعبي، على متانة العائلة، وأن الأخوة إحدى ركائز الحياة تماما كالماء، كما أنه حين يطيل حرف أناه (الأنا)، يحس أنه وحيد، وحين يسقطه يحس أنه يمتلك الكون. (ص20). ثم إنه شاعر يعتز بمصريته حتى النخاع، لا يرى في غلالته القبطية أي تناقض على مستوى العقيدة والوجدان والحلم، بل يراها أحد المفاتيح السحرية لهذا الاعتزاز.
يتناثر غبار تاريخ هذه الغلالة القبطية في الكثير من نصوص الديوان، بما واجهته من عنت وتعسف في الكثير من الفترات، لكنه يحيل كل هذا التعسف إلى المكيدة، بؤرة التواطؤ ضد الوطن وناسه وأحلامه... فيخاطب المكيدة بضمير الجمع، تاركا ضمير الأنا المفرد على العتبات قائلا:
«أيتها المكيدة
اعترفي مرة بجمائلنا عليك
ألم نطربك كثيرا بموسيقى التأوهات؟!
اصرخي أنتِ مرة
من محاولاتك الفاشلة
للوقيعة بيننا وبين أجسادنا».
لكن هذه الرجاءات المثقلة بغبار التاريخ، سرعان ما تنفك من أسر المجموع، لتخلص إلى ذاتها المفردة في مواجهة أخرى، تعلو نبرتها بشكل أكثر حدة، حيث الذات في مواجهة مباشرة مع المكيدة، بلا مسافة بينية، وكأنها مرثية، تومض من بعيد وبشكل خفيت على ما أصاب الغلالة السالفة الذكر من اضطرابات واقعها المصري الراهن... يقول الشاعر في نص تالٍ للنص السابق، وكأنه حركة أخرى تنفتح عليه:
«احتفلي بي أيتها المكيدة
بما يليق بفريسة عصيّة
وأنصتي جيدا لتفاهاتٍ
أنجح كثيرا في طمرها
لا تتصيدي سقطتي على الأرض
بل اسألي الظلَّ الذي صدمتِهِ
هل لا يزال على قيد البكاء؟!».
يقلب الشاعر المعنى الدارج في «الموتيف» الشعبي «على قيد الحياة» إلى «على قيد البكاء»، في إشارة لافتة إلى أن رجاءه الذي جاء في صيغة الطلب، في صورة «احتفلي بي أيتها المكيدة» والذي وسم عنوان الكتاب، هو رجاء مخاتل، لا يمكن الركون إليه أو الوثوق به. فالمكيدة من صنع البشر، ولن تنتهي الحياة إلا بنهايتهم. في النصف الأول من الديوان، وعلى مدار نحو 30 صفحة، تراوح الذات الشاعر المكيدة، تقلب أوجهها، ودلالاتها ورموزها، وتنكش في ظلالها، في خطى البشر وحماقاتهم، وفي مكيدة السلطة، والاختيار صراحة «ما بين الإرهاب والإرهاب»، أو في مشهد جثة «لم تجرح الهواءَ في مرورها -وهي تراقص أحزانها- في مكيدة لفرح لم يأت» (ص24).
هكذا تصلح المكيدة لتكون معادلا رمزيا للخطيئة، والجروح والطعنات الغادرة، بينما فضاء اللغة مشدود لعباءة الكتاب المقدس بأيقوناته الصورية الشهيرة، من قبيل «حنونة حبيبتي- مثل بركان» و«رقيقة حبيبتي- كشفرة نسمة الخريف» أو «اشكري صوت حبيبتي- حين تضحك فقط»... وغيرها مما يتناثر في الديوان.
هذه الملامسة لسطح الموروث التراثي، رغم أنها ترقق من خشونة اللغة المسكونة بالابتهال للمكيدة، إلا أن الديوان في نصفه الأول، لم ينجُ من الوقوع في الذهنية، واللجوء إلى المفارقة الفنية، بثنائياتها الضدية المباشرة وتمثيلها لمفارقات الواقع الساذجة، سعيا لاصطياد لطشة الختام في النص بصورة مباغتة، مثل «فتلطمني الزوجة بفاتورة الكهرباء» أو «لذلك لم يغضب مثلنا من الحكومة- واعتبر ارتفاع الحرارة مجرد شائعة».
لكن أخطر ما تصنعه الذهنية هنا، أنها تقلص مساحة الحسية في النص، ينعكس هذا على اللغة وطرائق تشكيل الصور الشعرية، فيتقلص ما توحي به من رموز ودلالات، كما تحد من طاقة الخيال، وتجعله مسكونا برسالة ما، تريد الذات الشاعرة أن تسربها في طوايا النص، رسالة تنطوي على أيديولوجيا محددة سياسيا واجتماعيا وتاريخيا، تأتي من عباءة الماضي أو اللحظة الراهنة، لكنْ هناك فرق بين أن يصبح النص الشعري مجرد حامل لموقف ما، مقحمٍ عليه من الخارج، وبين أن يصنع هو بقوته الفكرية، وجمالياته الخاصة هذا الموقف... وهو ما يطالعنا في نص «سلام على إبراهيم» في مفتتح الديوان على سبيل المثال.
في النصف الثاني من الديوان، تنفتح الكثير من النصوص على فضاء إنساني رحب، وتترك الذات الشاعرة المكيدة في الخلفية، مراهنة على المحبة كنشدان إنساني مفتوح على الجمال والحلم والحرية، وعلى صبوات الذات، في مدها وجذرها عاطفيا بالآخر، والأنثى على نحو خاص. هنا تتخلص اللغة كثيرا من غبار الذهنية، وتنفتح بسلاسة على إيقاع المشهد وتوتراته في الداخل والخارج، وتتحول المحبة إلى أنشودة، تخترق حواجز الزمان والمكان، الروح والجسد... بهذه المحبة يفتتح الشاعر النصف الثاني من ديوانه، موجها خطابه إلى الطبيعة والمرأة، إلى الجمال، بكل ظلاله القصية والقريبة، الحاضرة والغائبة قائلا في نص (31):
«أيتها الزوجة الجميلة
أيتها الزوجة
أيتها المرأة العجوز
أيتها الطفلة البريئة
أيتها الحبيبة الافتراضية
أيتها الوردة في غصنها
أرجوكن احتمالَ نظرتي المدققة أو التائهة
أقسم بجمالكنَّ
أنا فقط أبحث عن ملامحَ
أو محضِ ظلالٍ من ابتسامة أمي».
نعم المحبة صنو الصدق الخالص، أما دون ذلك، فهذا ملعب الآيديولوجيا، فلا هي صدقٌ خالص، ولا هي كذبٌ كذلك أيضا. وشتان أن يلتقي النقيضان، ليصنعا تصالحا زائفا، يوهمنا أن للحقيقة ألفَ وجه. لكنْ للشعر وجه وحيد، مهما تعددت طرائقه وأشكاله، إنه الحقيقة، في أبسط صورها وأعقدها، إنه الأمل في أن يخلص العالم إلى حقيقته في سلة الزمن والوجود، أن يصبح قصيدة محبة... تخفف من قسوة الرعب والعنف والقتل... «لستم شهداء بل قتلى محبة»... بهذه النظرة تنفذ الذات الشاعرة إلى لب المشهد، في نص بعنوان «حافلة» (ص50)، حيث تصبح القصيدة أشبه بحافلة، تسير بقوة المحبة والشعر في طريق لن تنتهي، تكاد تلخص برمزية الترحال، جدلية الحياة والموت وهو ما يعكسه النص ببساطة مغوية قائلا:
«حافلتي التي أقلعتُ عن قيادتها
تستيقظ كلَّ صباح
على ركاب يتشاجرون
دوما على السلّم
وحين يزاحمون قلبها
يتبادلون سجائرهم الرديئة
حافلتي التي أكلها صدأٌ لا لونَ لهُ
خلفته كوابيسُ من أراحوا رؤوسهم لبرهة
على نوافذها
لا تزال تحتفظ في مخبأ أسفلَ سطحها
بصورة قديمة لها
وهي تزف عروسين ماتا منذ زمان بعيد».
تفتح هذه الدلالة الدرامية لمشهد العروسين رمزية المكيدة على الماضي والحاضر معا، وتمنحها حيوية التجوال في الديوان كدال أساسي على مستوى الزمنين معا، بينما يومض زمن الذات بينهما، يأخذ منهما، يفترق ويوحد بين تناقضاتهما، ولأنه زمن حميم وخاص واستثنائي فإنه يلوح كجوهرة كامنة في رحم الشعر... «لم يدرجها تاجر الخردة في قائمته أبدا- ولم ترد على ألسنة الآلهة- ولا مقابل لها، في السلم الموسيقي، أو فاتورة الألوان». إنها إذن مكيدة الشعر، يكابدها الشاعر نفسيا وجماليا على شتى الأزمنة والأمكنة، جاعلا من ديوانه الشيق طقسا شعريا للاحتفاء بها.



«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.


«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.