روسيا لا تستبعد وصول النفط إلى 100 دولار... والسعودية تواصل جهودها لمقابلة الطلب

المملكة تعتزم استثمار 20 مليار دولار في طاقة الإنتاج الفائضة

زادت أسعار النفط إلى أكثر من 85 دولاراً للبرميل تزامناً مع مخاوف بشأن التجارة العالمية (أ.ف.ب)
زادت أسعار النفط إلى أكثر من 85 دولاراً للبرميل تزامناً مع مخاوف بشأن التجارة العالمية (أ.ف.ب)
TT

روسيا لا تستبعد وصول النفط إلى 100 دولار... والسعودية تواصل جهودها لمقابلة الطلب

زادت أسعار النفط إلى أكثر من 85 دولاراً للبرميل تزامناً مع مخاوف بشأن التجارة العالمية (أ.ف.ب)
زادت أسعار النفط إلى أكثر من 85 دولاراً للبرميل تزامناً مع مخاوف بشأن التجارة العالمية (أ.ف.ب)

صرح وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك بالأمس لمحطة إذاعية روسية، بأنه لا يستبعد وصول أسعار النفط في الربع الأخير إلى 100 دولار. وجاءت هذه التصريحات في الوقت الذي شدد فيه وزير الطاقة السعودي خالد الفالح خلال وجوده في روسيا على أن المملكة تبذل كل ما في وسعها لتلبية الطلب من زبائنها، مشيرا إلى أن السعودية ستستثمر 20 مليار دولار في الأعوام القليلة المقبلة للمحافظة على طاقتها الإنتاجية الفائضة من النفط، وربما زيادتها.
وأوضح الفالح أن المملكة ستضخ 10.7 مليون برميل يوميا في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وستصدر 7.7 مليون برميل يوميا للزبائن. أما عن إنتاج شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فقد أوضح الفالح أنه «قد يزيد»، ولكن ذلك يتوقف على الاجتماع الذي ستعقده شركة أرامكو السعودية مع زبائنها خلال هذه الأيام.
وقال الفالح أيضا في مؤتمر للطاقة في موسكو، أمس، إن السعودية ستستثمر 20 مليار دولار في الأعوام القليلة المقبلة للمحافظة على طاقتها الإنتاجية الفائضة من النفط، وربما زيادتها. والمملكة هي منتج النفط الوحيد الذي يملك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة لإمداد السوق إذا اقتضت الضرورة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة للمملكة 12 مليون برميل يوميا.
وقال الفالح إن بلاده لم تقرر بعد ما إذا كانت تريد أن ترفع الطاقة الفائضة إلى 13 مليون برميل يوميا، أو تُبقيها عند المستويات الحالية. ودعا الفالح كثيرا منتجي النفط الآخرين للاستثمار في بناء الطاقة الإنتاجية لتفادي حدوث صدمة في المعروض وقفزة في أسعار الخام.
وقال وزير الطاقة السعودي إن «هذه الطاقة الإنتاجية الفائضة ليست فقط مستودعا طبيعيا لدينا؛ إنها استثمارات باهظة التكلفة للمملكة، وبعض شركائنا داخل أوبك وأوبك+ آثروا الاستثمار للحفاظ على جاهزية (الطاقة النفطية) بما يتيح استخدامها سريعا». وتابع: «ستكلفنا المليون برميل يوميا التالية من الطاقة الإنتاجية السعودية ما يزيد على 20 مليار دولار. سنتكلف ملياري دولار سنويا من نفقات التشغيل من أجل العاملين والحفاظ على تلك المنشآت».
وتنتج السعودية النفط شهريا بناء على الترشيحات التي تحصل عليها من الزبائن التي على أساسها يتم تحديد الكميات المنتجة. وواصلت أسعار النفط ارتفاعها وتخطت 86 دولارا في ظل المخاوف من شح الإمدادات في الفترة القادمة مع دخول الحظر الإيراني حيز التنفيذ في 4 نوفمبر المقبل.
وقال نوفاك أمس، إنه لا يستبعد بلوغ أسعار النفط العالمية إلى مائة دولار للبرميل. وأضاف أن روسيا وإيران ما زالتا تدرسان كيفية تقديم مدفوعات لبعضهما بالعملات الوطنية في مواجهة العقوبات الأميركية القادمة على طهران.
وفي سياق متصل، قال فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية لـ«رويترز» أمس، إنه يجب على كبار منتجي النفط اتخاذ «الخطوات الصحيحة» لتهدئة المخاوف بشأن الإمدادات، التي دفعت أسعار الخام لأعلى مستوى في أربع سنوات.
وقال بالهاتف: «الوقت الحالي هو المناسب لجميع اللاعبين، خاصة كبار منتجي ومصدري النفط، لدراسة الوضع واتخاذ الخطوات الصحيحة لتهدئة السوق، وإلا فلا أتوقع استفادة أي طرف».
وأضاف أن زيادة أسعار النفط إلى أكثر من 85 دولارا للبرميل تزامنا مع مخاوف بشأن التجارة العالمية، تفرض ضغوطا كثيفة على الاقتصادات الناشئة. وقال بيرول إن «الطاقة باهظة الثمن تعود في وقت سيئ للاقتصاد العالمي».
وارتفاع الأسعار في الآونة الأخيرة مدفوع بمخاوف من شح الإمدادات في ظل انخفاض حاد لصادرات إيران من الخام قبل تجديد عقوبات أميركية على طهران بدءا من الشهر المقبل.
وتعهدت منظمة البلدان المصدرة للبترول، بقيادة السعودية أكبر منتج في المنظمة، وروسيا غير العضو فيها بتعزيز الإنتاج. وقال بيرول إن وكالة الطاقة الدولية، التي مقرها باريس وأسستها دول غربية في 1974 للتعامل مع صدمات الإمدادات، لا تدرس الإفراج عن أي مخزونات طارئة لكنها تراقب الوضع في الأسواق من كثب.
وفي غضون ذلك، يراهن المتعاملون في النفط بكثافة على أن الخام الأميركي قد يرتفع إلى 100 دولار للبرميل بحلول العام القادم، وهو مستوى مهم كان الكثيرون حتى وقت قريب يعتبرونه غير وارد، نظرا للنمو القياسي للإنتاج الأميركي والاستقرار النسبي للطلب العالمي.
لكن العودة الوشيكة للعقوبات الأميركية على إيران، والاختناقات التي تمنع الخام الأميركي من الوصول إلى السوق، غذتا موجة ارتفاع دفعت أسعار خام النفط القياسي لأعلى مستوى في أربع سنوات.
وتوقعات الارتفاع واضحة في سوق الخيارات الأميركية. وزاد عدد المراكز المفتوحة لخيار شراء خام غرب تكساس الأميركي عند 100 دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وهي رهانات على أن العقود الآجلة ستبلغ ذلك السعر بنهاية 2019، بنسبة 30 في المائة الأسبوع الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 31 ألف مركز، وفقا لبيانات «سي. إم. إي».
وقال جون ساسر نائب رئيس الأبحاث والتحليلات لدى مجموعة موبيوس لإدارة المخاطر: «على مدى الأسبوعين الأخيرين، بات هناك مزيد من الدلائل على أنه حتى بعض الزبائن الكبار مثل الهند والصين، لن يشتروا النفط الإيراني ابتداء من نوفمبر». ويضيف أنه نتيجة لهذا «فمن المرجح أن تكون تلك العقوبات أكثر فعالية عما اعتقده الناس».
وقال معهد التمويل الدولي إن إجمالي صادرات إيران انخفض إلى مليوني برميل يوميا في سبتمبر (أيلول) الماضي، من 2.8 مليون برميل يوميا في أبريل (نيسان). وتدور التقديرات بشأن حجم الصادرات الإيرانية التي قد تتأثر بالعقوبات بين 500 ألف برميل يوميا ومليوني برميل يوميا، وقد تعزز الضبابية بشأن الأثر النهائي للعقوبات من تقلبات الأسعار في كلا الاتجاهين.
وزاد خام برنت فوق 86 دولارا للبرميل يوم الأربعاء، وبلغ خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 76 دولارا للبرميل، والخامان كلاهما عند أعلى مستوى في أربع سنوات.
وحفز قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتجديد العقوبات على إيران تحولا كبيرا من جانب منظمة البلدان المصدرة للبترول. وتتطلع أسواق النفط إلى أن تعوض أوبك وروسيا نقص الإمدادات.
ولا يمكن أن يحل الإنتاج الأميركي، الذي بلغ مستوى قياسيا عند 11.1 مليون برميل يوميا، محل خامات الشرق الأوسط، مثل النفط الإيراني، في المصافي الآسيوية. وبالإضافة إلى هذا، تعوق اختناقات سلاسل النقل الإنتاج الأميركي. وقال جيوفاني ستانوفو المحلل لدى «يو. بي. إس»: «مازلنا نتوقع أن تميل المخاطر المرتبطة بالأسعار إلى الاتجاه الصعودي، ولا نستبعد قفزة في أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل».
ويزيد عدد المراكز المفتوحة لخيارات شراء برنت عند 100 دولار في ديسمبر (كانون الأول)، التي يحل أجلها في أواخر أكتوبر، على 50 ألف دفعة، وهو ما يفوق أي سعر تنفيذ آخر لذلك الشهر، وفقا لبيانات بورصة إنتركونتننتال.
وزاد عدد المراكز المفتوحة لخيارات شراء خام غرب تكساس الوسيط عند 100 دولار في ديسمبر (كانون الأول)، التي يحل أجلها في منتصف نوفمبر، لأعلى مستوى في أكثر من أربعة أشهر عند نحو 15 ألف دفعة.
ويقول كثير من المتعاملين إن تلك الرهانات على بلوغ النفط 100 دولار تواجه فرصا ضئيلة للربح. وتميل عقود الخيارات المستخدمة في التكهن بنتائج غير مرجحة لأن تكون رخيصة، وإذا توقف ارتفاع الخام، فإن تلك المراكز ستتبخر بلا قيمة. لكن من المحتمل أن تسبب قفزة للنفط في الأجل القصير في زيادة قيمة تلك الخيارات، ليصبح بإمكان حامليها بيعها لتحقيق أرباح.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.