كابل تريد تقارباً سياسياً وعسكرياً مع نيودلهي

الهند نأت بنفسها عن أي مغامرة عسكرية تثير شكوك باكستان

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغانيأشرف غني في العاصمة الهندية نيودلهي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغانيأشرف غني في العاصمة الهندية نيودلهي (أ.ب)
TT

كابل تريد تقارباً سياسياً وعسكرياً مع نيودلهي

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغانيأشرف غني في العاصمة الهندية نيودلهي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغانيأشرف غني في العاصمة الهندية نيودلهي (أ.ب)

شهدت الفترة الأخيرة زيارات متبادلة بين كبار القادة السياسيين في الهند وأفغانستان، كان أحدثها لقاء رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بالرئيس الأفغاني أشرف غني في العاصمة الهندية نيودلهي بناء دعوة من الجانب الأفغاني الذي طلب دعم الهند لإحلال السلام في البلاد، وناقش الجانبان عملية المصالحة مع جماعة طالبان. وفي غضون ذلك، ذكرت وزارة الشؤون الخارجية الهندية أن رئيس الوزراء الهندي أكد في دلهي «دعم الهند لعملية المصالحة لتجعل من أفغانستان دولة متحدة، سلمية، وحاضنة للجميع، وديمقراطية، لتصبح قوة اقتصادية نابضة بالحياة».
ثلاثة من القادة الأفغان، وتحديدا السياسي البارز زعيم طائفة الطاجيك عبد الله عبد الله، والرئيس السابق حميد كرزاي، والرئيس الحالي أشرف غني، يتمتعون بعلاقات وطيدة مع نيودلهي. وقالت المحللة الهندية نينا غوبال إن معركة الانتخابات التشريعية في أفغانستان الشهر الحالي والانتخابات الرئاسية المقررة بداية العام القادم: «ستكون مسألة حياة أو موت، خصوصا بين اللاعبين السياسيين المخضرمين الموجودين في المشهد السياسي الحالي وبين جماعتين ظهرتا للتو وهما حزب أمير الحرب قلب الدين حكمتيار الذي عاد إلى كابل مجددا وطالبان»، التي وصفها الرئيس غني بالجماعة الأفغانية، وليست الباكستانية كما تؤكد الهند دائما. وفي ضوء تمهيد الولايات المتحدة الطريق أمام طالبان بقيادة أفغانية: «فقد جرى نقل المناصب الجيوسياسية إلى دلهي التي لا ترغب في أن تنقطع نهائيا عن المشهد الأفغاني».

الهند تراقب من بعيد
مؤخرا حاولت عدة القوى الكبرى ضمان مكان لأنفسهم في مستقبل أفغانستان في إطار التسوية السياسية. على سبيل المثال، أخذت روسيا زمام المبادرة السياسية لتكوين إجماع إقليمي من خلال تنظيم المؤتمرات الإقليمية في روسيا وفي الدول الحليفة في وسط آسيا الكبرى المناقشة الشأن الأفغاني. ويعد مؤتمر السلام، الذي كان مقررا في 4 سبتمبر (أيلول) لكنه تأجل بطلب شخصي من الرئيس الأفغاني أشرف غني، مؤشرا على نفوذ روسيا المتنامي والقادر على رسم ملامح مستقبل أفغانستان. حتى طالبان وافقت على مبادرة موسكو وأشارت إلى رغبتها في حضور المؤتمر. موسكو تجاهلت في البداية دعوة الهند لمؤتمر السلام، إلا أنها عدلت عن رأيها ودعتها للمشاركة في المؤتمر.
وأفادت مصادر رسمية هندية بأنه خلال الزيارة التي قامت بها وزيرة خارجية الهند سوشما سوراج إلى موسكو، أوضحت نيودلهي أنها لا تعترف بطالبان بوصفها قوة شرعية. ولطالما طالب الروس والإيرانيين بإحضار طالبان للجلوس على طاولة المفاوضات لإبعاد تهديد تنظيم داعش لأفغانستان. لكن نيودلهي تشعر بقلق من أن أي تركيز على «داعش»، ربما يشتت الانتباه بعيدا عن «التهديد الوجودي» وذلك بإبعاد التركيز عن طالبان. إن «موقف الحكومة الهندية هو أن التهديد الوجودي لأفغانستان يتمثل في طالبان، ولذلك ليس مطلوبا تحويل الانتباه إلى (داعش)»، قالت المصادر.
وبحسب وكالة «ذا واير» الهندية للأنباء، فقد وافقت الهند منذ البداية على المشاركة في العملية السياسية برعاية موسكو في وجود طالبان فقط، لأن الحكومة الأفغانية كانت أيضا مسجلة بوصفها أحد رؤساء المؤتمر. وبمجرد انسحاب كابل، وجدت الهند نفسها في معضلة حقيقية بشأن الانسحاب من المبادرة التي تقودها روسيا، وكان من حسن حظ الهند أن روسيا أجلت المحادثات.
وعندما التقت سواراج مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف، أخبرت الهند الروس بأن نيودلهي لن تتمكن من حضور المحادثات القادمة لو أن طالبان وجدت على الطاولة، فيما استمر غياب الحكومة الأفغانية عن المحادثات.
موسكو تهدف إلى تعزيز العلاقات مع طالبان
وفي السياق نفسه، قال هاراش بانت، الخبير الاستراتيجي الهندي، إن «نيودلهي مطلعة على المتغيرات على الأرض وتأمل ألا تتنحى مصالحها جانبا في بلاد لها فيها استثمارات دبلوماسية واقتصادية كبيرة. لكن آمال الهند ليست سياسية، فالهند تحتاج إلى تواصل أكبر مع مزيد من المساهمين في أفغانستان». وقد اتهمت كل من واشنطن وكابل موسكو بتقديم الدعم لطالبان بهدف مواجهة خطر تنظيم داعش، فيما ترى الدولتان أن مباحثات السلام الروسية تهدف إلى تعزيز العلاقات مع طالبان، وهو الاتجاه المعاكس لإقناع المتمردين بتسوية الصراع. وقد أكد السفير الأفغاني لدى روسيا، عبد القيوم كوشاي أن «روسيا تريد استخدام طالبان في مواجهة (داعش)».
ولخوفها من فقدان المبادرة، التقت أليس ويلز، مسؤولة رفيعة في الخارجية الأميركية مختصة بالشأن الأفغاني، مع ممثلي طالبان في الدوحة نهاية يوليو (تموز) الماضي. وكان اللقاء إشارة إلى أن إدارة دونالد ترمب تعيد التفكير في استراتيجية أفغانستان. وقد نظر لذلك باعتباره نصرا كبيرا لطالبان التي طالما أصرت على ضرورة التحدث مع الولايات المتحدة بصورة مباشرة، وليس مع الحكومة الأفغانية التي تراها غير شرعية.
وقد بدأ السفير الأفغاني السابق لدى الهند، الدكتور شايدا عبدلي، جهدا لإجراء مباحثات مع طالبان، وشرعت روسيا في السير في الاتجاه نفسه شأن كابل التي تسعى هي الأخرى إلى إحضار طالبان إلى طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق، صرح السفير عبدلي، قائلا: «لقد سعت أفغانستان إلى دعم الهند للوصول إلى استقرار سلمي برعاية وقيادة أفغانستان على أمل ألا تستقطب العملية من قبل لاعبين آخرين في المنطقة».

دبلوماسية الهند وأفغانستان وإيران
في غضون ذلك، تحاول الهند التجول دبلوماسيا وسط المصالح المتعارضة بين مختلف الدول ذات الخصومة الثنائية، مثل حالة إيران والولايات المتحدة، لضمان مصالحها الخاصة في أفغانستان. وبعد خمسة أيام من إعلان وزيرة خارجية الهند، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس، أن «الهند تدعم سياسة الرئيس ترمب في أفغانستان»، التقى نائب وزير الخارجية الهندي فيجاي جوغيل نظيريه الإيراني والأفغاني، عباس أرغاشي وحكمت كرزاي، في كابل، في أول لقاء ثلاثي هندي إيراني أفغاني على مستوى نواب وزير الخارجية. وتمنوا جميعا أن تتضاعف التجارة مع الهند ومن خلال أفغانستان عدة مرات بمجرد عمل ميناء «تشابهار» الإيراني بكامل طاقته. وفي غضون ذلك، أفادت أليس ويلز بأن الولايات المتحدة ستأخذ في الاعتبار تأثير العقوبات الأميركية على طهران على مشروع ميناء «تشابهار» الإيراني الذي تنفذه الهند وأنه سيكون بمثابة همزة الوصل بين الهند وأفغانستان، بحسب مسؤول رفيع بوزارة الخارجية الأميركية. وفي هذا الصدد، قالت ويلز: «عندما يتعلق الأمر بميناء تشابهار، فسوف ننظر إلى العقوبات وما تمثله من عبء على بعض الدول».

توقعات كابل من الهند
تتوقع أفغانستان دعما عسكريا كبيرا من الهند، والطلبات العاجلة ستكون، بحسب تقارير، على الأقل أربع مروحيات إضافية. ففي عام 2015 أهدت الهند أربعة مروحيات إلى كابل. حاليا بدأت تنتقل أفغانستان من مرحلة تسليح العهد السوفياتي إلى نظام حلف شمال الأطلسي «ناتو»، فهي بصدد تسلم 200 مروحية أميركية منها طائرات أباتشي، ستحصل عليها بحلول عام 2022. وإلى أن تصل إلى هذا التاريخ تريد كابل من الهند أن تملأ تلك الفجوة. وقال الوزير عبدلي إن فرقنا الفنية والأمنية تعقد لقاءات مع بعضها، «وأنا متفائل من أن المستقبل سيحمل المزيد لنا طالما أن الفرق الأمنية الهندية تقدر احتياجات أفغانستان».
وفي الوقت نفسه، فقد حصرت نيودلهي نفسها في تطوير البنية التحتية في الدولة التي مزقتها الحرب. وبصفة عامة، فقد نأت الهند بنفسها عن التورط في أي مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب ربما تثير الشك في باكستان. ورغم ذلك، تقوم الهند بتدريب فرق عسكرية وأمنية. وفي إجراء نادر، ستتولى الهند والصين التدريب المشترك للدبلوماسيين الأفغان بدءا من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وقد صرح مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الهندية بأن الرئيس الأفغاني أشرف غني كان مدركا خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أهمية التعاون الصيني الهندي في بلد مزقتها الحرب.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.