ألمانيا تشغل 1.5 مليون وظيفة... بقانون هجرة جديد

يعطي فرصة لمن رفضت طلبات لجوئهم خصوصاً من بلدان شرق أوسطية

ميركل مع مجموعة من المهاجرين خلال حملة الانتخابات التشريعية الماضية (رويترز)
ميركل مع مجموعة من المهاجرين خلال حملة الانتخابات التشريعية الماضية (رويترز)
TT

ألمانيا تشغل 1.5 مليون وظيفة... بقانون هجرة جديد

ميركل مع مجموعة من المهاجرين خلال حملة الانتخابات التشريعية الماضية (رويترز)
ميركل مع مجموعة من المهاجرين خلال حملة الانتخابات التشريعية الماضية (رويترز)

تفتح ألمانيا اليوم أبوابها أمام المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن فتحتها للاجئين قبل 3 سنوات، إذ وافقت الحكومة على قانون جديد يهدف لسد ثغرة أكثر من مليون ونصف مليون وظيفة شاغرة في البلاد. وبعد مشاورات استمرت نحو 6 ساعات، اتفقت الأحزاب الألمانية في الائتلاف الحاكم على النقاط الأساسية في قانون الهجرة الجديد، الذي سيطرح أمام البرلمان للموافقة عليه.
ومن أبرز ما تضمنه القانون الذي كتب استنادا لقانون الهجرة الكندي، منح تأشيرات لمدة ستة أشهر لذوي كفاءات محددة من خارج الاتحاد الأوروبي، من دون الحاجة لعقد عمل مسبق. وتكون التأشيرة مؤقتة ومرتبطة بالبحث عن عمل، وشرطها المسبق تحدث الألمانية. وكانت تأشيرة «البحث عن عمل» متوفرة في السابق فقط للأكاديميين، أما الآن فقد تم توسيعها لتطال الحرفيين الذين يتمتعون بمهارة والعمال المتخصصين.
وتمدد التأشيرة إذا تمكن الحاصل على هذه التأشيرة من الحصول على وظيفة خلال هذه الفترة. وتخفف هذه الشروط للأشخاص المتخصصين في مجالات تحتاج إليها ألمانيا أكثر من غيرها، مثل تكنولوجيا المعلومات. كما يسهل ويسرع القانون الجديد تعديل الشهادات من الخارج، وهي مسيرة تستغرق أحيانا سنوات في الوقت الحالي.
ورغم إصرار الحكومة على فصل مسار اللجوء عن الهجرة، فإن القانون الذي تم التوصل إليه يبقي الباب مفتوحا أمام طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم، ولكن نجحوا في الحصول على وظيفة والاندماج في المجتمع. والأهم أنه يعطي الفرصة لذوي الاختصاصات من دول الشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق، للتقدم للحصول على تأشيرة هجرة، عوضا عن تأشيرة اللجوء التي بات الحصول عليها صعبا جدا.
ورفض وزير الداخلية هورست زيهوفر الذي وضع القانون الجديد، الرضوخ لمطالب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك في الحكومة، بتضمين القانون إمكانية «تغيير المسار» أي منح فرصة للاجئين المرفوضة طلباتهم الذين دخلوا سوق العمل، بالتقدم للحصول على تأشيرة عمل تمكنهم من البقاء في البلاد، رغم دعم النقابات العمالية وأصحاب الأعمال هنا لهذا الاقتراح.
ولكن مع ذلك، فقد توصل أطراف الحكومة لحل وسط عبر تضمين القانون فقرة تقول: «نبقى ملتزمين بمبدأ فصل اللجوء عن الهجرة الاقتصادية. وفيما يتعلق بحق الإقامة، سنحدد معايير واضحة للذين يعانون من تهديد في بلادهم، وتمكنوا من الحصول على وظيفة (في ألمانيا) واندمجوا في المجتمع». وتشدد ورقة الاتفاق على أن ألمانيا لا تريد «هجرة لغير الكفاءات من بلدان ثالثة».
ووصف زيهوفر القانون الجديد بأنه «أساس جيد لهجرة مدروسة من الدول الثالثة»، أي خارج ألمانيا والاتحاد الأوروبي. وأضاف وهو يعلن عن القانون إلى جانب وزيري العمل والاقتصاد، أنه «راض تماما» عن النتيجة، ويأمل أن يساعد القانون في التخفيف من نقص العمال والسيطرة على الهجرة غير الشرعية.
وكان وزير العمل هوبرتوس هايل المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، قد طالب بمنح اللاجئين المندمجين حق البقاء، وقال: «من يتحدث الألمانية واندمج في سوق العمل يجب أن يسمح له بالبقاء. كثيرون يسمون ذلك تغيير مسار، ولكن بالنسبة لي التسمية غير مهمة… ما يهمني هو القيام بما هو صحيح». ووصف وزير العمل القانون الجديد بأنه «حل عملي يعكس الواقع، وسيمنع ترحيل الأشخاص الخطأ».
وكانت حالات ترحيل لاجئين أفغان رفضت طلباتهم، ويعملون في شركات ألمانية، قد تسببت في غضب لدى أصحاب العمل الذين يشكون عدم قدرتهم على العثور على عمال لسد الثغرة.
من جهته، قال وزير الاقتصاد بيتر ألتماير، من الحزب الديمقراطي المسيحي، إن القانون الجديد سيساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة «التي تعاني منذ سنوات من منافسة الشركات الكبرى التي وظفت ذوي الاختصاصات».
وحرص الوزراء على التشديد على أن القانون الجديد لا يهدف لمنح اللاجئين المرفوضة طلباتهم فرصة للبقاء؛ بل يقدم «حلولا عملية» للاجئين الذين مكثوا فترة في ألمانيا، ولا يمكن ترحيلهم لمخاوف من استمرار الحرب في بلادهم، أو إمكانية تعرضهم للتعذيب مثلا.
ورحبت غرفة التجارة والصناعة الألمانية بالقانون الجديد، حتى قبل التوصل إلى النقاط النهائية فيه، وقال رئيس الغرفة إريك شفايتزر: «اليوم هناك مليون و600 ألف عامل غير موجودين، لذلك نحن بحاجة ليس فقط إلى التزام أكبر بالتوظيف الداخلي، ولكن أيضا إلى قوانين هجرة أفضل».
ويعتبر المجتمع الألماني مجتمعا هرما، لا يتوازى فيه عدد الشباب مع عدد المسنين، كما أن أعداد المتخرجين والمتخصصين أقل من أعداد المتقاعدين، ما يحدث ثغرة كبيرة في التوظيف.
وفي ألمانيا نحو 166 ألف طالب لجوء مرفوضة طلباتهم دخلوا سوق العمل، ومنحت لهم إقامات مؤقتة لعدم القدرة على ترحيلهم؛ لأن بلادهم تشهد حروبا. ويطالب سياسيون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الليبرالي، بمنح هؤلاء فرصة البقاء، والاستفادة منهم في سوق العمل عوضا عن ترحيلهم والبحث عن بدائل. ومنذ مطلع العام، دخل 300 ألف لاجئ إضافي سوق العمل، أي بزيادة نحو 88 ألف شخص عن العام الماضي، بحسب أرقام رسمية.
وتدنت نسبة البطالة في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، إلى مستويات قياسية منذ الوحدة قبل 28 عاما. ولكن يشكو أصحاب الشركات من أن الغياب المزمن للعمالة يهدد هذا النمو. وقبل أسابيع نشرت صحيفة «هادلسبلات» عن معهد الاقتصاد الألماني في كولون إحصاءات تتحدث عن نقص نحو 340 ألف وظيفة، في مجالات الرياضيات وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا.
وتبحث ألمانيا في خطة هجرة جديدة منذ سنوات، ولكن تدفق أكثر من مليون لاجئ عام 2015 عقد الأمور بالنسبة للحكومة. وفقدت الأحزاب الحاكمة كثيرا من شعبيتها بسبب السماح بدخول أعداد كبيرة من اللاجئين، ما تسبب في دخول حزب البديل لألمانيا اليميني المتطرف البرلمان للمرة الأولى، في الانتخابات العامة الصيف الماضي. واليوم تحول هذا الحزب بحسب استطلاعات الرأي، إلى ثاني أكبر حزب بعد حزب ميركل، متقدما بذلك على الحزب الاشتراكي الديمقراطي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended