دفن جماعي لمئات ضحايا تسونامي إندونيسيا

دول ومنظمات غير حكومية استجابت لدعوات المساعدة في عمليات الإنقاذ

عمال إنقاذ ينتشلون جثث الضحايا في منطقة دونغالا الجمعة (إ.ب.أ)
عمال إنقاذ ينتشلون جثث الضحايا في منطقة دونغالا الجمعة (إ.ب.أ)
TT

دفن جماعي لمئات ضحايا تسونامي إندونيسيا

عمال إنقاذ ينتشلون جثث الضحايا في منطقة دونغالا الجمعة (إ.ب.أ)
عمال إنقاذ ينتشلون جثث الضحايا في منطقة دونغالا الجمعة (إ.ب.أ)

بدأ متطوعون بدفن مئات من ضحايا الزلزال الذي أعقبه تسونامي في جزيرة سولاويسي الإندونيسية في قبر جماعي لمنع انتشار الأوبئة، بينما يسابق رجال الإنقاذ الزمن للعثور على أحياء تحت الأنقاض.
وفي مواجهة حجم هذه الكارثة التي أودت بحياة 832 شخصا على الأقل، طلبت الحكومة الإندونيسية مساعدة دولية. وتجاوزت الحصيلة عدد ضحايا الزلزال الذي ضرب جزيرة لومبوك في أغسطس (آب)، متسببا بمقتل 500 شخص. وتتوقع السلطات ارتفاع حصيلة الضحايا، بينما ما زال الوصول إلى أجزاء واسعة من المنطقة المتضررة متعذرا، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وأبدت عشرات المنظمات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية استعدادها لتقديم مساعدة عاجلة، لكنها تواجه صعوبات في إيصال المساعدات إلى المناطق بسبب قطع الطرق وتضرر المطارات.
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 191 ألف شخص في إندونيسيا بحاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة بعد الزلزال. وأضاف المكتب في تقييمه، أن بين الذين يحتاجون إلى مساعدة عاجلة نحو 45 ألف طفل و14 ألف مسن، وهما الشريحتان الأكثر ضعفا بين السكان وغالبا ما يقيمون بعيدا عن المدن حيث تتركز جهود الحكومة.
وقالت سامسينار زيد موغا (46 عاما)، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ليس لدينا الكثير من الغذاء. تمكنا من جلب ما كان لدينا في المنزل فقط، ونحتاج إلى مياه للشرب». وأكدت شقيقتها سيتي دامرا أن «الأهم من ذلك هو الخيام، لأن الأمطار هطلت وثمة هنا الكثير من الأطفال».
وقال توم ليمبونغ، المسؤول الحكومي في تغريدة على «تويتر»، إن الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو «سمح لنا بقبول مساعدة دولية عاجلة لمواجهة الكارثة». ودعا الراغبين في تقديم المساعدة إلى الاتصال به مباشرة عبر حسابه أو بالبريد الإلكتروني.
وقالت مسؤولة في «أوكسفام» في إندونيسيا إن المنظمة «تنوي تقديم مساعدة لعدد يمكن أن يصل إلى مائة ألف شخص»، من مواد غذائية وأدوات لتنقية المياه وملاجئ.
لكن منظمة «سيف ذي تشيلدرن» أكدت صعوبة إيصال المساعدات، وأضافت أن «المنظمات غير الحكومية والسلطات المحلية تواجه صعوبة كبيرة في الوصول إلى قرى حول دونغالا حيث يحتمل أن تكون الأضرار كبيرة جدا، حيث سقط عدد كبير من الضحايا».
بدورها، أعلنت بريطانيا عن إرسال فريق لمساعدة عمليات الإنقاذ، فضلا عن مليوني جنيه إسترليني.
وسُجل العدد الأكبر من الضحايا في بالو المنطقة التي تضم 350 ألف نسمة على الساحل الغربي لجزيرة سولاويسي التي ضربها الجمعة زلزال بلغت شدته 7.5 درجات، أعقبه تسونامي. وبدأت المعلومات تصل مؤخرا من منطقة دونغالا شمالا.
على الأرض، تُسابق فرق الإنقاذ الزمن لإخراج ناجين من تحت الأنقاض. ويحاول المنقذون العثور على أحياء في أنقاض فندق «روا روا»، الذي قد يكون بين خمسين وستين شخصا عالقين فيها. وقال مصدر رسمي إنه تم إنقاذ شخصين في الموقع حاليا. ويبحث عدد كبير من السكان عن أقرباء لهم مفقودين في المستشفيات أو أماكن حفظ الجثث.
وفي الباحة الخلفية لأحد المستشفيات، تمت تغطية عشرات الجثث بأكياس أو أغطية بانتظار أن يتم التعرف عليها وتسميتها، بينما ينتظر الجرحى في الجانب الآخر من المبنى الحصول على العلاج.
وتغطي شوارع بالو هياكل سيارات وأنقاض مبان وأشجار مكسرة وخطوط كهرباء مقطوعة، تدل كلها على عنف الهزات الأرضية التي شعر بها سكان مناطق تبعد مئات الكيلومترات، والموجة التي ضربت الشاطئ وبلغ ارتفاعها 1.5 متر.
وقال آدي أحد الناجين من التسونامي: «جرفتني موجة لخمسين مترا تقريبا، لم يكن هناك أي شيء أستطيع التمسك به». وأضاف: «تسلقت إلى سطح محل تجاري تحيط به قضبان حديد واسترحت قليلا. ثم وصلت موجة أخرى أعلى، ووجدت نفسي على سطح منزل».
وعند وقوع الزلزال كان 71 أجنبيا موجودين في بالو وتجري إعادة معظمهم إلى بلدانهم، حسبما ذكر الناطق باسم وكالة إدارة الكوارث سوتوبو بورو نوغروهو. وأوضح أن السلطات الفرنسية ما زالت تسعى إلى تحديد مكان ثلاثة من رعاياها. وفي ضاحية بتوبو في جنوب بالو، أظهرت صور جوية دمارا هائلا مروعا.
وبحسب تقديرات حكومية يمكن أن يكون 700 شخص قتلوا في هذه المنطقة وحدها، حيث دمر أكثر من 1740 منزلا.
وأعلنت السلطات الإندونيسية، أمس، أن نحو 1200 سجين فروا من ثلاثة سجون في إندونيسيا، مستغلين وقوع الزلزال، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وأوضح مسؤول في وزارة العدل، سري بوغوه أوتامي، أن هؤلاء السجناء وجدوا وسيلة للفرار من السجون التي تضم عددا من المعتقلين يفوق طاقتها في بالو ودونغالا. وقال: «إنني واثق من أنهم هربوا لأنهم كانوا يخشون أن يتضرروا بالزلزال. إنها بالتأكيد مسألة حياة أو موت بالنسبة للسجناء».
وتابع أن سجن دونغبالا خصوصا أحرق وفر السجناء الـ343 المحتجزين فيه، مشيرا إلى أن معظم هؤلاء كانوا مسجونين بتهم فساد وجنح مرتبطة بالمخدرات. وكان خمسة أشخاص مسجونين لجرائم ذات طابع إرهابي نقلوا من هذا السجن قبل أيام فقط.
وشهدت إندونيسيا سلسلة من الزلازل المدمرة خلال السنين الأخيرة ففي 2004 أسفر تسونامي أعقب زلزالا تحت البحر بقوة 9.3 درجات قبالة سومطرة غرب إندونيسيا عن 220 ألف قتيل في البلدان المطلة على المحيط الهندي، بينهم 168 ألفا في إندونيسيا. وفي 2010 قُتل نحو 430 شخصا عندما تسبب زلزال بقوة 7.8 درجات بمد بحري ضرب منطقة مينتاوي المعزولة قبالة ساحل سومطرة.
وفي 2006 ضرب زلزال قوته 6.3 درجات إقليم جاوا المكتظ بالسكان ما تسبب في مقتل 6 آلاف شخص وإصابة 38 ألفا آخرين. ودمر الزلزال 157 ألف منزل ما تسبب في تشريد 420 ألف شخص.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended