وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي... تنافس أم تكامل؟

صحافي لدى «رويترز»: «السوشيال ميديا» مفتاح للمصادر... وآخر بـ«شينخوا»: زادت الضغوط علينا

وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي... تنافس أم تكامل؟
TT

وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي... تنافس أم تكامل؟

وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي... تنافس أم تكامل؟

صنع وجود شبكات التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في صناعة المحتوى الإعلامي في حين فتح الفضاء الأزرق باباً واسعاً ومجالاً أكثر لانتشار الأخبار ومساحة تأثيرها والتفاعل معها جماهيرياً. وفي ظل هيمنة «السوشيال ميديا» على صناعة الأخبار وبثها واستقطابها للجماهير، انسحب البساط تدرجياً من وكالات الأنباء العالمية في سرعة نقل الخبر وإتاحة تداوله عالمياً لحظة وقوعه؛ ما تسبب في «خلخلة» أسلوب عمل هذه الوكالات التي كانت قبل عقود هي المصدر الرئيسي للأخبار.

التواصل يعيد التشكيل
أشارت دراسة موسعة لمركز أبحاث «بيو» الأميركي بعنوان «كيف تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل الأخبار»، إلى أن أكثر من نصف مستخدمي «السوشيال ميديا» يشاركون في نشر أخبار ومحتوى إعلامي يتضمن نصوصاً وصوراً ومقاطع فيديو. بينما أظهرت نتائج استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة «آي إن جي» مع عدد من الصحافيين الدوليين، أن 50 في المائة من الصحافيين يعتبرون «السوشيال ميديا» مصدراً حياً للأخبار رغم عدم مصداقيتها في كثير من الأحيان، في حين أن 73 في المائة منهم أكدوا أنهم يستعينون بالمواد والمحتوى الأكثر قيمة ومصداقية بالنسبة لهم مثل مقاطع الفيديو والتغريدات، ولا سيما التي تخص الزعماء والرؤساء وقادة الدول. بل ويعتقد أكثر من 60 في المائة من الصحافيين، أنه لا يمكن لأي وسيلة إعلامية أو وكالة أنباء الاستمرارية من دون شبكات التواصل الاجتماعي.
يرى مصطفى آيت ميهوب، نائب مدير الإعلام بوكالة الأنباء الجزائرية، أنه من الصعب تحديد العلاقة بين «السوشيال ميديا» ووكالات الأنباء باعتبارها سلبية أو إيجابية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، «فتحت مواقع التواصل الاجتماعي المجال للمواطن العادي للتعبير عن وجهة نظره، ونشر الأحداث الكبرى في نفس لحظة وقوعها، ورغم أن الغالبية العظمى ممن يطلق عليهم (الصحافي المواطن) غير مهنيين ومصادر غير موثقة؛ إلا أن (السوشيال ميديا) خلقت تنافسية مع كبرى وكالات الأنباء العالمية».
ويفسر ميهوب جانباً من سطوة «السوشيال ميديا» في أن «شبكات التواصل الاجتماعي هي الأقرب للجمهور، وأصبحت أداة لتشكيل الرأي العام، وهي أقل احترافية وغير مقيدة بأخلاقيات الصحافة، ولا تخضع للكثير من الضوابط قبل بث خبر ما». ويعتبرها بمثابة «إنذار» بوجود قصة خبرية يعمل عليها الصحافي بمزيد من الاحترافية ويغذيها بالتفاصيل. وذكر مثالاً: حينما نشرت مواقع «السوشيال ميديا» مقاطع فيديو لفيضانات «قسنطينة» بالجزائر، كان المواطن هو الأقرب للحدث، وتحرك الصحافيون لتغطية الحدث بالأرقام والإحصائيات وتمت الاستعانة بهذه المقاطع.
ميهوب أكد أن وكالات الأنباء في «مفترق الطرق» فيما يتعلق بصناعة الرأي العام والمحتوى الإعلامي، وعليها التأقلم مع تلك المواقع والشبكات؛ لأن «السوشيال ميديا» لا يمكن تجاوزها. مضيفاً، أن وكالات الأنباء تستخدم «السوشيال ميديا» لنقل الأخبار التي تصنعها لتصل للجمهور.
وحول الضغوط التي يمثلها «الزخم الإخباري» على «السوشيال ميديا» بالنسبة للصحافيين وأسلوب عملهم، أكد ميهوب، أن الصحافي لا بد أن يكون متابعاً جيداً للأحداث من حوله والأحداث الدولية، ووجود هذه المواقع شكل ضغطاً كبيراً، وبالطبع فإن بث خبر ما عبر «السوشيال ميديا» لا يمكن محاسبة الصحافي عليه؛ لكن تجاهل الصحافي وتأخره في تغطية هذا الحدث، هو ما يعتبر تقصيراً في تغطية الحدث.

مصادر غير موثوقة
أكد سامح صلاح، الصحافي بوكالة «رويترز»، أن «السوشيال ميديا» لا تعتبر مصادر موثوقة للأخبار، لكنها بمثابة «مفتاح» لمصادر وخيوط لقصص خبرية، وبخاصة في حالة الكوارث الطبيعة والأحداث الإرهابية، وتوفر للصحافي عيناً أخرى لعمل تغطيات حية لأحداث خارج نطاقه الجغرافي، وتجعله في قلب الحدث، ويمكنه بعدها التواصل مع المصادر وأخذ تصريحات عبر طرق عدة، ومثال على ذلك تغطيات جوائز دولية مثل «البوكر» و«نوبل» وغيرهما، حيث يتم بث هذه الفعاليات مباشرة في حين يقوم الصحافيون عبر العالم بتغطيتها عن بعد.
ويعتبر صلاح، أن طبيعة العلاقة بين «السوشيال ميديا» ووكالات الأنباء ذات بعد تكاملي؛ لكنها تضع على الصحافي الذي يعمل في وكالة أنباء دولية مهمة التحري بدقة، وتدعيم قصته الخبرية بمزيد من المصادر وتغطية كافة الزوايا المتعلقة بها، وأيضاً تمد الصحافي بالمواعيد والفعاليات القريبة منه، أو التي تقع في دائرة اهتماماته. مشيراً إلى أنها «تمد الصحافي بالحدث ورد الفعل حوله من دون الحاجة إلى فريق عمل كبير وتحركات واتصالات؛ مما يساعد الصحافي على تغطية الحدث بسرعة ومواكبته، وهو ما يحدث مثلاً عند تغطية أحداث متعلقة باختيار فيلم ما للترشح للأوسكار أو إطلاق عمل فني أو أدبي، وهكذا».
وحول طبيعة العمل الصحافي لوكالات الأنباء في ظل هيمنة «السوشيال ميديا»، يقول الصحافي عماد الأزرق، بوكالة الأنباء الصينية «شينخوا» لـ«الشرق الأوسط»، «بالتأكيد وجودها خلق قدراً كبيراً ومتزايداً من المنافسة والضغوط على الصحافي؛ إذ لم تعد المنافسة ما بين وكالات أنباء عدة فقط، وإنما دخل فيها ملايين المتنافسين، ومع ذلك يبقى صحافي الوكالة مقيداً بالتوثق من المعلومة من مصادرها، وحريصاً على ألا ينجر في سباق السرعة على حساب الدقة، وبخاصة في الوكالات الرسمية الناطقة باسم دول لما يمكن أن يسببه ذلك من مشكلات للدولة وليس للوكالة فقط.
ويشير الأزرق إلى أن «هناك الكثير من القصص الخبرية التي تكون مواقع التواصل الاجتماعي هي مفتاحها، وبخاصة فيما يتعلق القصص الخبرية للتجارب الشخصية أو العمل الأهلي البعيد عن الأضواء»، مؤكداً «لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت بشكل كبير على الإعلام بشكل عام، وعلى عمل صحافيي وكالات الأنباء والمؤسسات الإخبارية الدولية بشكل خاص، ومن هذه التأثيرات ما هو إيجابي، وإن كان أكثرها سلبياً من وجهة نظري».

تطور التقنية والمنبر
يفند الأزرق التأثيرات الإيجابية لوسائل التواصل الاجتماعي على طبيعة عمل الوكالات، قائلاً «سهلت من التواصل مع الكثير من المصادر، والحصول على بعض المعلومات موثقة من مصادرها»... أما عن التأثيرات السلبية لها، فيقول «لم تعد وكالات الأنباء العالمية هي مصدر المعلومة كما كان من قبل، ولم يعد صحافيو وكالات الأنباء دائماً الأسبق في الحصول على المعلومة؛ بل أصبح كل مستخدم لوسائل الاتصال الحديثة من (جوال وحاسب آلي) بمختلف أنواعها ومسمياتها، أسبق في الحصول على المعلومة ونشرها كل في مكانه. ونظراً لتحول المواطنين العاديين لمصادر للمعلومات كلٌ في موقعه ومكانه، فقد صارت وسائل التواصل الاجتماعي التي يبلغ مستخدميها بالملايين أكثر انتشاراً وقدرة في الحصول على المعلومة قبل غيرها من وسائل الإعلام التقليدية، ومنها وكالات الأنباء».
ويؤكد الأزرق، أن «لجوء كل الأجهزة الرسمية وغير الرسمية والأشخاص البارزين إلى إنشاء صفحات لهم على وسائل التواصل الاجتماعي، جعل من الصعب انفراد وكالات الأنباء بالمعلومات، وأصبحت مساحة السبق الصحافي للوكالة محدوداً، وفي مجالات محدودة». وصارعت كل وكالات الأنباء تقريباً إلى إيجاد مكان لها على وسائل التواصل الاجتماعي وإنشاء صفحات لها عليها، ووكالة أنباء «شينخوا» الصينية من بين تلك الوكالات التي أنشأت صفحات لها على «فيسبوك» و«تويتر» وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي وبمختلف اللغات.

مخاوف من سحب البساط
من الناحية الأكاديمية، أكد الدكتور محمد سعد إبراهيم، عميد المعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق، لـ«الشرق الأوسط»، أن أغلب الدراسات واستطلاعات الرأي لكبرى المراكز البحثية في مجال الإعلام، تؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت دون منازع المصدر الأول للخبر، في حين كانت وكالات الأنباء هي المصدر الرئيسي قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، التي خلق وجودها زعزعة لهذه الوكالات من الناحية المهنية في ظل تراجع الصحافة المطبوعة والوسائل التقليدية للإعلام التي كانت تستند على الأخبار التي تبثها الوكالات في حين أصبحت «السوشيال ميديا» مصادر للأخبار.
ويشير إبراهيم إلى أن وكالات الأنباء العالمية الكبرى لا تزال أداة دعائية ومهمة لدى الدول الكبرى؛ لكن هذا لا ينفي الحالة التكاملية وتلاشي الحواجز بين شبكات التواصل ووكالات الأنباء واستخدامهما معاً في تشكيل الرأي العام الدولي.
كما يعتبر الدكتور باديس لونيس، الأستاذ بقسم الإعلام والاتصال بجامعة باتنة بالجزائر، أن العلاقة بين وسائل الإعلام المختلفة هي علاقة تكاملية، ورغم أن الطرح الذي يقول بالتنافس بينها، يستند إلى حقائق تاريخية أيضاً «منها: تناقص جمهور وسيلة معينة بظهور أخرى»، فإن الحقيقة التاريخية البارزة التي لا تناقش هي أن لا وسيلة جديدة استطاعت أن تلغي تماماً الوسيلة التي سبقتها. بل ربما تكون دافعاً لها للتجدد «لا التبدد». ‏هذه العلاقة صارت أكثر مدعاة للطرح مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي وصعود ما سُمي بصحافة المواطن التي حظيت بحفاوة بالغة، إلى الحد الذي وضع الإعلام أمام مساءلات جدية وحاسمة جعلت القائمين عليه يعيدون حساباتهم للتعامل والتأقلم مع الوضع غير المسبوق والاستفادة بقدر الإمكان من المزايا التي تقدمها صحافة لا تحتاج إلى كثير من التعقيدات المادية والتنظيمية.
ويلفت إلى أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على عمل صحافيي وكالات الأنباء والمؤسسات الإخبارية الدولية ومختلف الوسائل الإعلامية الأخرى هو استمرارية لفكرة التكامل الأولى. ‏فهذه الشبكات قدمت خدمة كبيرة للصحافيين في إيجاد موضوعات وقضايا وأحداث لتغطيتها ومتابعتها حتى أن كثيراً من الفضائيات الدولية لم تكتف بتخصيص أركان ضمن برامج حول هذه الموضوعات، بل إنها خصصت برامج بأكملها: مهمتها فقط متابعة جديد تلك الشبكات.
ويؤكد أستاذ الإعلام بجامعة باتنة الجزائرية، أنها «حالة من تبادل للأدوار بشكل تلقائي، لكنه يساهم في تحقيق إشباعات معينة لدى جميع الإطراف»، ‏أما فيما يخص الضغوط التي تقع على عاتق الصحافي وهو يتابع جديد تلك الشبكات، فلا يخفى على أحد أن جل إن لم نقل جميع وسائل الإعلام ووكالات الإنباء صارت تشكل متخصصين وفرقاً من الصحافيين، مهمتهم الجلوس أمام حواسيبهم وهواتفهم النقالة فقط لمتابعة كل كلمة أو «هاشتاغ» أو صورة أو فيديو مثير للانتباه (الاشتباه). ‏وصار من اليسير متابعة ما يشغل الرأي العام العالمي أو المحلي أكثر من ذي قبل من خلال هذه الشبكات وصار تردد الوسومات والتراندينغ مفتاحاً موجهاً للصحافي، الذي عليه أيضاً، أن يتحلى بالذكاء والفطنة لـ«شم» وتوقع تطورات معينة لاقتناصها والحصول على السبق الذي يبحث عنه.


مقالات ذات صلة

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

يوميات الشرق الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

رعى سلمان الدوسري، وزير الإعلام السعودي، حفل توقيع اتفاقيات شراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج تطوير المؤسسات الصحافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.