روسيا تفتح شرايين «سوريا المفيدة» ونوافذها لفك العزلة

قوات الحكومة باتت تسيطر على نصف معابر الحدود وقسم من الطرق الرئيسية

روسيا تفتح شرايين «سوريا المفيدة» ونوافذها لفك العزلة
TT

روسيا تفتح شرايين «سوريا المفيدة» ونوافذها لفك العزلة

روسيا تفتح شرايين «سوريا المفيدة» ونوافذها لفك العزلة

في منتصف عام 2015، كانت الحكومة السورية تسيطر فقط على نحو 15 في المائة من مساحة البلاد، وعلى البوابات الحدودية مع لبنان، مقابل سيطرة «داعش» وفصائل المعارضة وقوات كردية على باقي البلاد، ومعظم بوابات الحدود الـ19 مع العراق وتركيا والأردن، وخط الفصل مع إسرائيل.
التدخل العسكري الروسي المباشر، في سبتمبر (أيلول) 2015، قلب ميزان السيطرة؛ باتت قوات الحكومة حالياً تسيطر على نحو 65 في المائة من مساحة البلاد، البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، فيما تتقاسم «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدعم أميركي، من جهة، وفصائل عربية تدعمها أنقرة، السيطرة على باقي الأرض.
وإذا كانت لاستعادة السيطرة على درعا (مهد الثورة في عام 2011) أهمية رمزية، فإن لفتح معبر نصيب أهميته الاستراتيجية أيضاً، إذ تجري حالياً محادثات بين عمان ودمشق لإعادة فتح هذا المعبر بين سوريا والأردن، بعدما سيطرت قوات الحكومة على الجنوب، وعلى الجانب السوري من نصيب، بعد نحو 3 سنوات من خسارته في أبريل (نيسان) 2015.

وفي حال جرى فتح نصيب أمام البضائع في العاشر من الشهر المقبل، سيتزامن ذلك مع بدء تنفيذ الاتفاق الروسي - التركي الخاص بإدلب، وإزالة السلاح الثقيل من «المنطقة العازلة» في الشمال، قبل «التخلص من المتطرفين» في 15 الشهر، و«استعادة» الطريق الرئيسية بين حمص وحلب، ليحل بدل «طريق الموت» الخفي عبر خناصر - أثريا، إضافة إلى السيطرة على طريق حلب - اللاذقية قبل نهاية العام، بموجب الاتفاق الروسي - التركي الخاص بإدلب.

والواضح لمتابع سير المعارك أن لروسيا أولوية بفتح شرايين «سوريا المفيدة»، وربط بواباتها الحدودية بالعالم، لفك العزلة الغربية عن دمشق:

- المعابر الحدودية
بين المعابر الـ19، تسيطر دمشق على 5 مع لبنان، ومعبر مع الأردن، وآخر مع العراق، ومعبرين مع تركيا التي أقفلتهما. وبحسب تقرير سابق لوكالة الصحافة الفرنسية، ومعلومات من المعارضة ودبلوماسيين، هنا توزيع السيطرة:
- نصيب، يقع بين دمشق - درعا: سيطرت الفصائل المعارضة عليه في أبريل 2015، لكن قوات الحكومة استعادته في يوليو (تموز) الماضي.
- الرمثا الأردني: استعادته دمشق قبل أسابيع، بعدما فقدت السيطرة عليه منذ عام 2013.
- كسب، في ريف اللاذقية: مقفل من الجانب التركي بعد معارك في 2014، وإن كان لا يزال تحت سيطرة دمشق.
- باب الهوى، شمال إدلب: وهو تحت سيطرة إدارة مدنية تابعة لفصائل معارضة.
- باب السلامة، في منطقة أعزاز بمحافظة حلب (شمال): تحت سيطرة فصائل سورية معارضة موالية لتركيا.
- جرابلس، في حلب (شمال): تحت سيطرة فصائل «درع الفرات» المدعومة من الجيش التركي.
- تل أبيض، في الرقة (شمال شرقي البلاد): تحت سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية، ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أميركياً، بعد طرد «داعش» في 2015، لكنه لا يزال مغلقاً، وتشترط أنقرة إبعاد «الوحدات» عنه.
- عين العرب (كوباني)، شمال حلب: تحت سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية، وهو مغلق رسمياً، وتريد أنقرة إبعاد الأكراد عنه، وتقع قربه قاعدة عسكرية أميركية.
- رأس العين، في الحسكة: شهد معارك عنيفة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، في صيف عام 2013، بين «داعش» والمقاتلين الأكراد الذين تمكنوا من طرده من المعبر، ومن مدينة رأس العين.
- القامشلي - نصيبين: هو المعبر الوحيد في محافظة الحسكة الذي لا يزال تحت سيطرة قوات الحكومة، لكنه مقفل من السلطات التركية.
- عين ديوار، في الحسكة: وهو تحت سيطرة المقاتلين الأكراد، ويتم الإفادة من معبر زاخو للعبور من الخابور بين شمال شرقي سوريا وكردستان العراق.
- اليعربية - الربيعة: يقع في محافظة الحسكة، ويربطها مع العراق، وهو تحت سيطرة المقاتلين الأكراد.
- البوكمال - القائم، بين ريف دير الزور والعراق، وهو تحت سيطرة قوات الحكومة والميليشيات الإيرانية، وقد أرسلت دمشق رسائل إلى بغداد لإعادة فتحه، بديلاً عن معبر التنف.
- التنف، أو الوليد من الجهة العراقية: يقع جنوب دير الزور، وتسيطر عليه قوات التحالف الدولي، بقيادة أميركية، مع فصائل معارضة تدعمها، منذ طرد تنظيم داعش منه. وتقع قربه قاعدة التنف، وتقول أميركا إنها لن تنسحب منه أو من مناطق شرق سوريا، ما بقيت ميليشيات إيران وقواتها في سوريا.
- المعابر الحدودية بين لبنان وسوريا، وهي خمسة: جديدة يابوس والمصنع من الجانب اللبناني، والدبوسية والعبودية من الجانب اللبناني، وجوسية والقاع من الجانب اللبناني، وتلكلخ (البقيعة من جانب لبنان)، وطرطوس (العريضة من الجانب اللبناني). وتوجد على طول الحدود معابر كثيرة غير شرعية، معظمها في مناطق جبلية وعرة، بحسب الوكالة الفرنسية.
إسرائيل وسوريا في حالة حرب رسمية، ولا توجد معابر بين البلدين، لكن فصائل كانت تسيطر على القنيطرة، غير أن قوات الحكومة عادت إليها بدعم روسي. وأعاد الجيش الروسي العمل باتفاق فك الاشتباك في الجولان، ونشرت الشرطة الروسية «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف). وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، قال أول من أمس إنه يدعم فتح معبر القنيطرة أمام تنقل أهالي الجولان المحتل، ونقل البضائع، خصوصاً بيع التفاح «الجولاني» في سوريا، كما كان الأمر قبل 2011.
الجزء المتبقي من الحدود مفتوح على البحر المتوسط، والمرافئ البحرية كلها تحت سيطرة الحكومة، وتقيم روسيا قاعدة بحرية في ميناء طرطوس، وقاعدة جوية في قاعدة حميميم في ريف اللاذقية. وتسيطر الحكومة على مطارات دمشق وحلب واللاذقية، إضافة إلى مطار القامشلي في مناطق الأكراد، لكن عدداً من الشركات الدولية لا تزال تقاطع السفر إلى المطارات السورية.

- الطرق الرئيسية
الطريق بين نصيب على حدود الأردن وباب الهوى على حدود تركيا يعرف بـ«إم - 5» أو «شريان الحياة» للاقتصاد السوري، ويمتد نحو 450 كيلومتراً، ويربط أوروبا عبر تركيا بالخليج عبر الأردن. وإذا ضم إليه طريق اللاذقية - حلب، المعروف بـ«إم - 4»، وتم ربطه بطريق ممتد من حلب إلى دير الزور والعراق، وإذا تم تشغيل طريق بيروت أو طرابلس بنصيب، يكون الربط بين المتوسط والعراق والخليج قد تم عبر البوابة السورية.
ولم يكن «شريان الحياة» بشكل كامل تحت سيطرة دمشق خلال السنوات السبع الماضية، إذ بدأ التحول في نهاية 2016، عندما سيطرت قوات الحكومة على شرق حلب.
وبعد التدخل العسكري الروسي، بات واضحاً إعطاء موسكو أولوية لاستعادة الطرق الرئيسية، لتنشيط الاقتصاد واستعادة السيادة.
وكانت الفصائل المعارضة قد ركزت منذ عام 2011 على قطع أجزاء من الطريق في محافظتي دمشق وحمص، قبل أن تسيطر على أجزاء رئيسية منه في العام التالي. ويمر نحو 30 كيلومتراً من هذا الطريق في مناطق في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق، وقسم مشابه في ريف حمص.
وتمكنت قوات الحكومة في الأشهر الثلاثة الأخيرة، بدعم روسي، من استعادة كل الأحياء الخارجة عن سيطرتها في جنوب العاصمة، وطرد الفصائل المعارضة من الغوطة الشرقية، قرب دمشق، ومن مدن عدة في محافظة حمص (وسط)، تقع جميعها على الطريق الرئيسي بين نصيب والشمال والشمال الغربي.
وتم الاحتفال رسمياً في مايو (أيار) بتشغيل القسم الواقع في ريف حمص، ثم ترميم القسم الآخر في حرستا، شرق دمشق.
وتأمل دمشق وموسكو، مع استعادة السيطرة على نصيب، في إعادة تفعيل هذا الممر الاستراتيجي، وإعادة تنشيط الحركة التجارية مع الأردن ودول أخرى، ومع لبنان، إضافة إلى إعادة تشغيل الطريق بين تركيا والجنوب السوري، وبين الساحل وشرق البلاد، وتحريك التجارة، وفك العزلة السياسية، إضافة إلى فتح شقوق في موقف الدول الأخرى التي تضع شروطاً للمساهمة في إعمار سوريا، التي تقدر كلفة الحرب فيها بـ400 مليار دولار أميركي.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.