تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

خلافات المحافظين ترجّح سيناريو «الخروج دون اتفاق» وسط تحذيرات أوروبية ودولية

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي
TT

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

إنه الأول من شهر أبريل (نيسان) 2019، الساعة تشير إلى الثانية فجراً، يتلقى قائد طائرة تجارية بريطانية متجهة إلى باريس اتصالاً من أحد موظفي برج المراقبة الفرنسي يدعوه إلى العودة من حيث أتى، ذلك «إنكم لا تتوفرون على رخصة صالحة للهبوط في هذا المدرج». وعلى بعد نحو ألف كلم من الأجواء الفرنسية، استيقظ بعض سكان مدينة دانموري بإقليم آيرلندا الشمالية ليكتشفوا أن شركات الكهرباء المتمركزة في آيرلندا المجاورة علّقت خدماتها؛ ما أدى إلى انقطاع عام للكهرباء في جزء كبير من شوارع مدن الإقليم التابع للندن.
سيناريو هو «الأسوأ والأبعد»، وفق وصف الحكومة البريطانية. لكنه قد يتحول إلى حقيقة تصدم البريطانيين بعد 29 مارس (آذار) المقبل الذي هو موعد خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، إذا فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق يؤطّر العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية والاجتماعية بينهما.
تجديد تراخيص الطيران المدني لدى وكالة سلامة الطيران الأوروبية وضمان بقاء آيرلندا الشمالية طرفاً في «سوق الكهرباء الموحّدة» سيكونان بين مئات الإجراءات التي يتحتّم على القطاعين الحكومي والخاص في بريطانيا حسمها قبل انتهاء مهلة «بريكست». فما هي تداعيات هذا السيناريو على بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن تفاديه خلال الأشهر الستة المقبلة؟

تنخرط الحكومة البريطانية وسلطات الاتحاد الأوروبي في بروكسل في مفاوضات مستمرة منذ الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» يوم 23 يونيو (حزيران) 2016. وبينما توحي معظم التقارير الإعلامية من الجانبين بأنهما لم يحرزا أي تقدّم يُذكر، فإنهما اتفقا على ثلاث قضايا عالقة على الأقل:
الأولى «فاتورة الطلاق»، أي الالتزامات المالية البريطانية التي وافقت لندن مسبقاً على تسديدها، سواءً تعلّقت بمساهمتها في الميزانية الأوروبية لعام 2019، أو بالمشروعات التي التزمت بالمساهمة في تمويلها. وبعد شهور من الجدال حول قيمة هذه الفاتورة، وتداول مبالغ تصل إلى 90 مليار جنيه إسترليني، اتفق الطرفان على 39 مليار جنيه (52 مليار دولار). والثانية، تتعلق بضمان حقوق المواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي (1.22 مليون في 2017)، والأوروبيين المقيمين في بريطانيا (3.8 مليون). والثالثة، فتتّصل بفترة انتقالية تتيح لبريطانيا البقاء في السوق الموحّدة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020.
في المقابل، ما زال المفاوضون، من الجهتين، يحاولون التوصل إلى صيغة مُرضية حول العلاقة التجارية التي ستجمع لندن بالاتحاد بعد تخلّيها عن عضويته، فضلاً عن دور محكمة العدل الأوروبية. ولعلّ القضية التي تطرح التحدّي الأكبر في هذا الإطار هي تلك المتعلّقة بمصير الحدود الفاصلة بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. ذلك أن الجانبين يريدان حدوداً مفتوحة، لكنهما يختلفان على كيفية تنفيذ ذلك.
الوثيقة السرية التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية تسببت في إحياء المخاوف حول مستقبل آيرلندا الشمالية في فترة ما بعد «بريكست». إذ ذكرت، أن الإقليم قد يعاني من انقطاع في الكهرباء وارتفاع كبير في أسعارها إذا فشلت لندن وبروكسل في التوصل إلى اتفاق قبل 29 مارس المقبل. وتوضح الوثيقة، التي تداولها مسؤولون في الحكومة البريطانية، أن آيرلندا الشمالية ستفقد قدرتها على استخدام إمدادات الكهرباء من جمهورية آيرلندا. ويعود ذلك، وفق «الغارديان»، إلى أن آيرلندا الشمالية قد تفقد عضويتها في «سوق الكهرباء الموحّدة» التي تجمعها بآيرلندا منذ عقد من الزمن.
أما دور محكمة العدل الأوروبية، فإنه يطرح جدلاً من نوع آخر؛ إذ إن أساس الحملة البريطانية للخروج من الاتحاد قام على شعار «استعادة السيطرة» ورفض أي «تدخّل أوروبي في الشؤون البريطانية». لكن بقاء لندن جزءاً من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران أو الاتفاق الأوروبي على مذكرات التوقيف، أو حتى وكالة الأدوية الأوروبية، يحتّم عليها قبول سلطة المحكمة الموجودة في لوكسمبورغ.

تداعيات «الخروج دون اتفاق»

إذا فشلت المفاوضات الأوروبية - البريطانية خلال الأشهر المقبلة، فإن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق في مارس 2019. أي أنها ستغادر السوق المشتركة وتوقف الاعتراف والعمل بالقوانين الأوروبية، بينما ستعامل الهيئات الأوروبية في بروكسل بريطانيا كأي دولة ثالثة لا تجمعها بها أي اتفاقيات من أي نوع. بمعنى آخر، فإن الاتحاد الأوروبي سيفرض رسوماً وإجراءات جمركية على السلع والخدمات البريطانية، فضلاً عن معاييره الصحية المعقدة. وستتسبب الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة في ازدحام وساعات انتظار طويلة في المطارات والموانئ، وقد تؤدي إلى تراكم السلع التي تصدّرها بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي بانتظار مراقبتها؛ ما سيضاعف كلفة التصدير والاستيراد لدى الجانبين.
أيضاً، في غياب اتفاق تجاري بعد «بريكست»، ستحل قواعد منظمة التجارة الدولية محل القواعد الأوروبية. وبالتالي، فإن المصدّرين البريطانيين سيتحمّلون رسوماً جمركية منخفضة في مجملها، لا تتجاوز 5 في المائة في معظم المجالات، باستثناء صناعة السيارات (10 في المائة) وفق تقرير لمركز الدراسات الجيوسياسية «ستراتفور» الأميركي. لكن، الأهم من هذه الصناعات هو قطاع الزراعة البريطاني، الذي سيواجه رسوماً مرتفعة تصل إلى 11 في المائة. في المقابل، قد تفرض بريطانيا بدورها رسوما على المصدّرين الأوروبيين، ما سيرفع سعر المنتجات المستوردة.
وفي حين يبحث رجال الأعمال والشركات الناشطة في مجال التصدير والاستيراد على سبل تخفيف الخسائر، تتّجه أعين الاقتصاديين إلى قطاع الخدمات البريطاني الذي يمثّل 80 في المائة من الاقتصاد وفق مكتب الإحصاءات الوطنية. ففي إطار الاتحاد الأوروبي، تستفيد بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة للوصول إلى ملايين المستهلكين في 27 دولة، من دون طلب ترخيص من كل دولة على حدة. كما أن أبرز المستفيدين مما يسمى في عالم المال بـ«حقوق جواز السفر» Passporting Rights هو القطاع المصرفي الذي يمثّل نحو 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلّي، وسيكون من بين أكثر القطاعات التي ستتأثر سلباً من «بريكست دون اتفاق».
ولا يقتصر اقتصاد الخدمات على القطاع المالي والمصرفي، بل يشمل الخدمات القانونية، والمحاسبة، والصناعات الإعلانية، والإعلام، والهندسة، والطيران، غيرها. كل هذه القطاعات قد تفقد قدرتها على الوصول إلى السوق الأوروبية، في غياب اتفاق بريطاني - أوروبي يسمح لها بالحفاظ عليه.
من جهة أخرى، ناقضت دراسة نشرت أول من أمس الخطاب السياسي الذي يدفع به داعمو «بريكست»، والمعتمد على أن لندن ستصبح مركزاً عالمياً للخدمات، وبالتالي، ستستطيع الانفتاح على الخارج من دون قيود بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. إذ يقول الاقتصاديان جوناثان إيتون وسامويل كورتن من جامعتي بنسلفانيا الحكومية وييل الأميركيتين، الحائزان جوائز في علم الاقتصاد، إن بريطانيا ستخفق في مساعيها للتحول إلى مركز عالمي للخدمات بعد «بريكست»؛ لأن «عامل القرب الجغرافي يؤثّر في تجارة الخدمات وتجارة البضائع بالقدر نفسه تقريباً». وأضافا، أن بريطانيا تتاجر في الخدمات مع إسبانيا 3 مرات أكثر من أستراليا على سبيل المثال، كما أشارا إلى أنه في الوقت الذي لا تؤثّر فيه أسعار النقل على الخدمات، إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال يعتمد على التعامل وجهاً لوجه. واستنتج إيتون وكورتن، بناءً على دراسة شاملة حول تأثير المسافة على التجارة في البضائع والخدمات عبر العالم، أن «(بريكست) سيخلق عوائق إضافية أمام قطاع الخدمات البريطاني ويحرمه من فرص كثيرة». غير أن اقتصاديين مؤيدين لـ«بريكست» رفضوا هذه النتائج، معتبرين - وفقاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز» - أن الدراسة المذكورة تعتمد على معايير دولية لا بريطانية.
جدير بالذكر، أن بريطانيا لن تكون الخاسر الوحيد من «بريكست دون اتفاق». ذلك أن خروج لندن يهدد فرص تسديدها مستحقاتها المالية المتبقية، التي تُقدّر بـ39 مليار جنيه. سيتسبب ذلك في نقص حاد في الميزانية الأوروبية، بينما ستستخدم بريطانيا هذا المبلغ لدعم نظام الصحة (أحد وعود حملة الخروج)، أو لدعم أكثر المتضررين من «بريكست»، مثل المزارعين. وفي هذه الأجواء، يُستبعد أن تصل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجاري حتى على المدى الطويل؛ ما سيضاعف العواقب الاقتصادية على الجانبين، وبالتالي، قد يشجع الاتحاد الأوروبي على التنازل عن جزء من «فاتورة الطلاق»، وبريطانيا على الموافقة على تسديد مستحقاتها.

تحذير دولي وإجراءات بريطانية

لقد لخّص صندوق النقد الدولي، في تقريره السنوي حول الاقتصاد البريطاني، التداعيات الاقتصادية التي يتوقع أن تترتّب عن «بريكست»، التي قد يعاني منها كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي في حال الخروج بلا اتفاق. ويتوقع التقرير أن الدول الأوروبية ذات الاقتصادات القريبة من بريطانيا ستعاني من تباطؤ نموها الاقتصادي، مثل آيرلندا وبلجيكا والدنمارك وهولندا. ويتوقع الصندوق أن يتراجع النمو الاقتصادي في الدول الـ27 بنحو 1.5 في المائة بحلول 2030 في المتوسط. وفي المقابل، ستعاني بريطانيا من تباطؤ اقتصادي حاد قد يصل إلى 4 في المائة خلال السنوات العشر التي ستعقب «بريكست». واعتبر الصندوق في تقريره، الذي اتسم بلهجة تحذيرية واضحة، أن التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي «جوهري» لتخفيف أثر الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة، وبالتالي، حماية نمو الاقتصاد والرواتب في بريطانيا ودول الاتحاد على حد السواء.
أيضاً، كشف تقرير حكومي بريطاني مسرّب في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن توقع انكماش الاقتصاد بنحو 8 في المائة في السنوات الـ15 بعد الخروج، في حال فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق. لكن في «سيناريو» توصّل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجارة حرة، توقّع التقرير أن يتراجع الاقتصاد بـ5 في المائة، مقارنة مع 2 في المائة فقط إذا بقيت بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة.
في أي حال، لتفادي «سيناريو» قلق الأسواق وانهيار العملة البريطانية غداة «بريكست»، عيّنت الحكومة البريطانية آلاف الموظفين للمساعدة في التخطيط لانتقال سلس بعد انتهاء عضوية لندن في الاتحاد الأوروبي، كما خصصت مبلغ 3 مليارات دولار لتمويل تكاليف الخروج. وبدأ البرلمان البريطاني في نقل الإطار التشريعي الأوروبي إلى القانون البريطاني، بينما تبحث الحكومة عن سبل الحفاظ على التمويل الأوروبي لبعض المشروعات البريطانية، أو الاستعاضة عنه بتمويل بريطاني قبل انتهاء الفترة الانتقالية. إلا أن الأهم من ذلك هي الجهود التي تبذلها لندن لطمأنة قطاع الأعمال؛ إذ نشرت سلسلة مذكرات تفسيرية وتوجيهات للمؤسسات والشركات والأفراد لمواكبة التغييرات التي قد تطرأ بعد خروج دون اتفاق. لكن، رغم تحضيرات الحكومة البريطانية، فإن الأزمة السياسية التي تعاني منها النخبة السياسية الحاكمة تحول دون طمأنينة الأسواق.

رفض أوروبي «خطة تشيكرز»

من ناحية أخرى، في 6 يوليو (تموز) الماضي، خرجت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بخطّة أعلنت أنها ستؤطر «علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي». واعتبرت أن الخطة التي صاغتها مع أعضاء من حكومتها في المقر الريفي لرئاسة الوزراء ببلدة تشيكرز، تحمي الوظائف البريطانية وتحترم نتيجة الاستفتاء. لكن سرعان ما تبيّن أن الخطة لم تلقَ قبولاً لدى أبرز المؤيدين والداعين لـ«بريكست» داخل حكومتها، ولدى قادة الدول الأوروبية الذين اعتبروها «انتقائية لصالح لندن». ودفعت الخطة التي حملت اسم «تشيكرز»، وزيري الخارجية بوريس جونسون وشؤون الخروج ديفيد ديفيس إلى الاستقالة من منصبيهما، وإطلاق حملة ضغوط قد تؤدّي إلى عزل ماي قبل «بريكست». أما قادة الاتحاد الأوروبي، فقد عبّروا عن رفضهم «خطة تشيكرز» خلال اجتماعهم في سالزبورغ بالنمسا الأسبوع الماضي، وطالبوا بإعداد اقتراح بديل في قمة بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).
تنص خطة ماي على أن تطبق بريطانيا قوانين الاتحاد الأوروبي على السلع، لكن ليس على الخدمات، مع الاحتفاظ بحرية إبرام اتفاقياتها التجارية مع دول من خارج الاتحاد. لكنها ترفض حرية التنقل بين بلادها ودول الاتحاد الأوروبي. وأكدت ماي، أن «ما من خطة أخرى» تحمي الوظائف وتحقق وعود انتخابات 2016 لـ«بريكست»، وتتجنب حدوداً فعلية بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. وقالت ماي أيضاً، إنه بينما تضع بريطانيا حداً لحرية تنقل العمال من الاتحاد الأوروبي بعد الخروج، ستواصل السماح للشركات والجامعات «بأن تجذب من هم الأذكى والأفضل».
في المقابل، لم يُخف السياسيون الأوروبيون في سالزبورغ استياءهم من «الانتقائية البريطانية». وعبّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، بأوضح العبارات عن الرفض الأوروبي لـ«خطة تشيكرز». وقال - وفق موقع «بلومبيرغ» الإخباري، إن خطة ماي تهدد بـ«نهاية أوروبا» إذا اعتُمدت. وأوضح أن «ما يهمّنا أكثر من مستقبل المملكة المتحدة هو مستقبل الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإننا لن نتخذ أي قرار قد يُضعف مستقبل الاتحاد». وأضاف لومير، أن مقترح تشيكرز ينتهك خطوطا حمراء كثيرة. نطالب باتفاق متكامل، وليس (خطة) حول البضائع فحسب». وبدأ أن لومير يتحدث من منطلق أن الموافقة على «خطة تشيكرز» قد تشكل سابقة مفادها أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تستطيع الخروج من الاتحاد والتخلي عن التزاماتها، دون فقدان أي من مميزات السوق الاقتصادية الموحدة.
بدورها، اعتبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذا الأسبوع أن لندن لم تعبّر بعد عن موقف واضح يتعلق بمستقبل علاقاتها بالاتحاد الأوروبي بعد «بريكست». وأشارت إلى أن الفترة المتبقية ليست سوى «ستة إلى ثمانية أسابيع» للتوصل إلى اتفاق. وتابعت الزعيمة الألمانية في برلين «أمامنا ستة إلى ثمانية أسابيع من العمل الشاق جدا، وبعدها يتعين اتخاذ قرارات سياسية. وهذا رهن إلى حد كبير بما تريده بريطانيا فعلاً، وهذه النقطة ليست واضحة كثيراً». ثم أضافت «يتعين عليّ أيضاً أن أقولها: لا يمكننا الانتماء إلى جزء من السوق الموحدة وليس إلى ثلاثة أجزاء أخرى»، في تلميح لعرض ماي في خطتها إقامة منطقة للتبادل الحر للسلع الصناعية والمنتجات الزراعية، لكن ليس للخدمات والأشخاص.

«فراشة دبلوماسية»

في الأيام القليلة التي أعقبت قمّة سالزبورغ، أكّدت ماي ووزراؤها تمسّكهم بـ«خطة تشيكرز». وقالت في بيان متلفز من مقر الحكومة بـ«داوننغ ستريت»، إن المباحثات وصلت إلى «طريق مسدود» قبل ستة أشهر من موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأسابيع فقط من الموعد الأقصى لإبرام اتفاق ينظم عملية الخروج، محملة بروكسل المسؤولية. وأردفت «طوال هذه العملية، تعاملت مع الاتحاد الأوروبي بكل احترام. لكن المملكة المتحدة تتوقع معاملة بالمثل. والتوصل إلى علاقات جيدة بنهاية هذه العملية يتوقف على ذلك». ومن جانبه، قال دومينيك راب، وزير الدولة لشؤون الخروج، إن بلاده لن «تنتقل من خطة إلى أخرى كفراشة دبلوماسية. سنتمسّك بخطتنا، ونضغط على الاتحاد الأوروبي لمعاملتنا باحترام».
في هذه الأثناء، اعتبرت الصحافة البريطانية أن ماي تعرضت «للإذلال» من قبل القادة الأوروبيين، قبل أيام من اجتماع لحزب المحافظين الحاكم، حيث يقود المشككون بالاتحاد الأوروبي حملة من أجل دفع ماي للتشدد في مفاوضات الخروج أو إسقاطها. وقالت ماي، إنه «ليس مقبولاً أن يتم ببساطة رفض مقترح الطرف الآخر من دون شرح مفصل ومقترحات مقابلة. نحتاج الآن إلى أن نسمع من الاتحاد الأوروبي ما هي المسائل الحقيقية، وما هي البدائل التي يقترحونها، حتى نتمكن من مناقشتها». وأضافت رئيسة الوزراء البريطانية «في انتظار ذلك، علينا أن نواصل العمل من أجل إعداد أنفسنا (لاحتمال) عدم التوصل إلى اتفاق».

بلد مفتوح للأعمال

هذا، وبينما ترسل التطورات السياسية مؤشرات ملتبسة إلى الأسواق، تعمل ماي على طمأنة مسؤولي قطاع الأعمال إلى أن بريطانيا ستكون «مراعية للشركات»، وسيكون لديها أدنى ضريبة على الشركات بين دول مجموعة العشرين. وقالت في تصريحات قبل أيام، إن «بريطانيا في مرحلة ما بعد (بريكست) ستكون بريطانيا مراعية للأعمال من دون شك»، مضيفة، أن على الشركات أن «تتطلع إلى عالم ما بعد (بريكست) بثقة». وأضافت «مهما كان نوع أعمالكم، فإن الاستثمار في بريطانيا ما بعد (بريكست) سيعطيكم أدنى نسبة ضرائب على الشركات بين مجموعة العشرين»، التي تضم 20 من أكبر الاقتصادات في العالم.

«الخيار الكندي المحسّن»

في غضون ذلك، برزت خطة موازية لـ«خطة تشيكرز»، يدعمها وزير الخروج السابق ديفيد ديفيس، والنائب المحافظ المثير للجدل جاكوب ريس موغ. وأصبحت الخطة البديلة تُعرف باسم «الخيار الكندي المحسن». وتنص الخطة، التي روّج لها النائبان البارزان هذا الأسبوع في لندن، على «اتفاق تجارة حرة محسّن» مع الاتحاد الأوروبي بعد «بريكست»، شبيه باتفاق كندا، وفق ما نقلته شبكة «سكاي نيوز». ويقوم اتفاق التجارة الحرة، المعروف بـ«الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة»، الذي تفاوضت عليه أوتاوا مع بروكسل لمدة سبع سنوات، على إزاحة معظم الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع، وبعض المفروضة على الخدمات. ويستثني الاتفاق بعض المواد الغذائية «الحساسة»، على غرار البيض والدواجن. كما تطالب بروكسل كندا بالامتثال لمعاييرها دون المساهمة في صياغتها أو التصويت عليها، فضلاً عن توضيح مصدر تصنيع البضائع المصدرة؛ ما يعيق أو يؤخر عملية التصدير.
لكن تحت هذا الخيار، قد تواجه المصارف البريطانية عوائق للوصول إلى السوق الأوروبية. وسبق أن رفضت رئيسة الوزراء، في خطاب ألقته بفلورنسا في إيطاليا قبل أشهر هذا الخيار، معتبرة أن «بريطانيا قادرة على التوصل لاتفاق أحسن من ذلك». كذلك انتقدت ماي تداعيات هذه الخطة المحتملة على الحدود بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية.

«بريكست» في أرقام

> 51.9%: نسبة البريطانيين الذين صوتوا لصالح «بريكست»
> 39 مليار جنيه (52 مليار دولار): القيمة المتوقعة لفاتورة الطلاق
> ديسمبر 2020: تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية
> 2.9 مليون: عدد المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا
> 1.2 مليون: عدد البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي
> 45%: حجم الصادرات البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي


مقالات ذات صلة

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)

تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لم تنتظر الأسواق الآسيوية طويلاً لتستوعب أبعاد ما جرى في الخليج، فبعد ساعات قليلة من اندلاع حرب إيران أواخر فبراير (شباط)، هوى مؤشر «نيكاي» الياباني أكثر من

أنيسة مخالدي ( باريس)
حصاد الأسبوع الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)

إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي

> تتجاوز تداعيات الحرب أبعادها الثنائية مع إيران لتطول بنية النظام الدولي برمته. فالانتشار العسكري الأميركي الهائل في الشرق الأوسط يُفرغ الالتزامات المُعلنة


الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.