باحث سعودي: نحتاج لنشر ثقافة احترام حقوق الإنسان

اعتمد على التشريعات الإسلامية في مقاربته

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

باحث سعودي: نحتاج لنشر ثقافة احترام حقوق الإنسان

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في دراسته التي حملت عنوان: «حقوق الإنسان في الإسلام: المجتمع السعودي نموذجا» يشير الباحث السعودي سلمان العمري، إلى أن حقوق الإنسان تعرضت على مرّ التاريخ البشري إلى جملة من التحديات، وأن إهدار هذه الحقوق ظلّ متواصلا حتى اليوم، على الرغم من تطور الحضارات الإنسانية.
الباحث العمري يحاول أن يجعل الشريعة الإسلامية ميزانا لعمل منظومة الحقوق المدنية والاجتماعية للأفراد والجماعات، وانطلاقا من ذلك، يرى أن كرامة الإنسان وحقوقه مطلبٌ لا يقبل المساومة، فهي حقٌ أصيل قد كفله الله سبحانه للبشرية، ولا يمكن التنازل عنه.
يرى الكتاب كذلك أن «الإسلام جاء مرسِّخا لتلك الكرامة والحقوق لكافة البشرية حاملا شعارا عظيما وهو إعلانٌ إلهي لتكريم الإنسان الذي سُخِّرتْ له القوى كافة، لتنصاع لأمره»، كما يلاحظ أن «قضية حقوق الإنسان، تظفر بأهمية كبرى في العصر الحديث، على مستوى الشعوب والدول والمنظمات الدولية».
المؤلف الذي اعتمد على التشريعات الإسلامية في بحثه، دعا إلى إصدار قوانين صارمة، لحفظ حقوق النساء، وخاصة الأرامل والمطلقات، كما طالب بفرض العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد بأنواعه، ومحاربة الظلم، مؤكدا أن من أسباب تفشي الفساد غياب التشريعات والأنظمة التي تكافحه.
في هذا الكتاب يشدد الباحث على ضرورة استصدار قوانين صارمة لوقف العنف الجسدي والمعنوي ضد النساء والقصر، سواء كان مصدر العنف قريبا؛ كالأب والزوج، أو بعيدا، واستصدار قوانين صارمة ضد التحرش الجنسي.
وفي سياق المجتمع السعودي الذي اتخذه الباحث نموذجا، يؤكد الكتاب أهمية ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان في هذا المجتمع على مستوى الأفراد والمؤسسات التربوية والاجتماعية والتأكيد على حرمة الحياة الإنسانية عامة، سواء كانت لمسلمين أو غير مسلمين، «وذلك بتعظيم الحياة الإنسانية وحفظها وحرمة القتل، وحفظ حياة وحقوق غير المسلمين، والتأكيد على منع العنف والاعتداء الجسدي والمعنوي».
كذلك دعا الكتاب إلى إصدار قوانين تحفظ التعايش السلمي مع المختلفين في المذاهب والأديان، وسنّ القوانين الصارمة التي تمنع التجسس على عورات الناس وبيوتهم، وقوانين صارمة تكافح العنصرية، وأخرى لحفظ حقوق العمل والعمال. في هذا السياق تقول إحدى توصيات الدراسة «حرمة الحياة الخاصة للإنسان في محيط مسكنه وأسراره، فلا يحق لأحد كائنا من كان أن يتجسس ويتتبع سقطاته، إلا إذا ظهر أنه أخلَّ بالنظام العام، وأن الطعن في الأفراد بأشكالهم أو ألوانهم أو أنسابهم أو ألقابهم مرضٌ عضال لا يكون إلا في المجتمعات المتخلفة، فهذه العصبيات لا تأتي بخير لأحد، تجلب الإثم، وتوغر الصدور، وتسبب الفرقة بين الإخوة، وتفتت الوحدة الوطنية».
ويفرد الكتاب أيضا قسطا لعرض تقرير عن الحقوق الاقتصادية، كحق الملكية وفق مصلحة الفرد والجماعة، وحق العمل والعمال، والحق في الحصول على أجرٍ عادلٍ ومنصف، والحق في الراحة والحصول على إجازة، وأهمية رعاية الحقوق في حفظ الأمن والاستقرار وتدعيم المواطنة الصالحة، وقال: «لقد بات واضحا من خلال التجارب التاريخية أن النظم السياسية تفشل حين تهمش فيها الحقوق ذات المضمون الاجتماعي مثل العدالة الاجتماعية والعدالة بين البشر، والحرية المنظمة».
الاهتمام بالتثقيف هو صلب ما يسعى إليه الكتاب، حيث يؤكد على «أهمية تعزيز ثقافة الحقوق في مجتمعنا السعودي خاصة، وفي المجتمعات الإسلامية عامة، وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية»، وهو يسعى، «لتشجيع ثقافة احترام حقوق الغير بين أفراد المجتمع ومؤسساته التربوية والاجتماعية، فالسلوك التربوي الحميد ينطلق حينما نؤمنُ جميعا بحقوق الآخرين، وهذا لا يتأتَّى إلا بنشر مثل تلك الثقافات التي يجب أن تكون هاجسا لنا وللمؤسسة التربوية التي تنطلق من المدرسة، ومن المؤسسة الاجتماعية».
المؤلف العمري يرى أن «تعزيز الثقافة الحقوقية في مجتمعنا لا يتم إلا بترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، ليعلمَ كلُّ واحدٍ منا ماله وما عليه سواءٌ كان والدا أو ابنا أو زوجا أو زوجة، فهذا من شأنه أن يشكل مناخا صحيا، لاحترام حقوق الإنسان، كما أن تعليم حقوق الإنسان يتطلب أولا تهيئة مناخ وبيئة تعزز هذه الثقافة وتحترمها». كما يرى أن «تأسيس بيئة تحترم حقوق الإنسان يتطلب مناخا تحترم فيه هذه الحقوق وتعزز فيه قيم الحوار والاختلاف والتسامح واحترام الغير، - وأن ذلك يجري - عبر تعزيز شبكة العلاقات بين الأطراف المعنية في هذه البيئة على أساس التشارك والاحترام المتبادل وتقبل الآخر، فلا يمكن أن نعلم حقوق الإنسان في بيئة يسودها العنف والإذلال أو التحيز والتمييز».
ما يؤخذ على الدراسة أنها تركز كثيرا على الجوانب الاجتماعية ولا ترقى بالتفصيل للحقوق الفردية والسياسية، وهي رغم كونها تتخذ المجتمع السعودي نموذجا فإنها تهتم بنحو خاص بالبيئة التعليمية التي تدور العلاقة فيها بين التلاميذ ومعلميهم، يقول على سبيل المثال إن «البيئة التي يسودها الخوف والضعف والتي يحجم فيها المدرسون أو الطلاب من الشكوى أو الجهر بالسلبيات تثبط مراعاة حقوق الإنسان ولا تشجع عليها».
الكتاب يحاول تقديم توصيات، لكن يحمل على واضعي القوانين الدولية الناظمة لحقوق الإنسان «فواضعو بنود الحقوق في القانون تجاهلوا الخيارات الدينية، وهو تجاهل غير مستغرب، نظرا لصدوره من أناس لا دينيين، أو على أقل تقدير ليسوا بمسلمين»، لكنه يقول «إن هناك الكثير من القواسم المشتركة المتفق عليها بين الدين الإسلامي والقانون الدولي، كمحاربة الرق، وقضايا العدالة الاجتماعية، ومحاربة العنصرية، وبعض القوانين الحقوقية؛ نظرا للطبيعة البشرية الفطرية التي ترفض التمييز العنصري والظلم، والاعتداء بكل أشكاله، كما تبين من خلال استعراض التاريخ الإنساني أن أول من عني بقضايا حقوق الإنسان هو الدين الإسلامي قبل ظهور المنظمات الدولية الحقوقية».
يذكر أن هذا الكتاب هو العشرون في قائمة مؤلفات سلمان العُمري، والتي تنوعت مواضيعها بين قضايا اجتماعية، وإسلامية متعددة.



بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.


«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال
TT

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد. و«اللّاروب» هي تحريف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيءٍ غير مكتمل، شيءٍ مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في 320 صفحة، وتعبر عن قلب الثقافة المغربية محتوًى ولغةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والواقع بالخيال في سرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعاً محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلى استخدام السورياليّة برهافة شديدة، لينفذ من خلالها إلى قضايا معقّدةٍ ومسكوتٍ عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكانٍ، حيث يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء.

تدور أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله؛ إذ يحكي السارد قصة بنيس، الذي يعمل واشياً لدى سلطات الاستعمار الفرنسي. ويُكلف مراقبة «كباريه سنترا»، وهو أحد الملاهي الترفيهية التي تتمتع بحضور خاص، حيث يجتمع على طاولاته مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضي والمستقبل، والواقع والخيال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الدار البيضاء في زمنٍ لاحق، وفي جغرافيا جديدة، يبدأ في استكشافها، واستيعاب تضاريسها. وهكذا أيضاً، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزاً، بعد أن قالوا له إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلاً وطفلة.

يذكر أن المؤلف حسن أوريد، كاتب وروائي مغربي حصل في عام 2015 على جائزة «بوشكين» للآداب عن مجمل رصيده الأدبي، ومن ضمنه: «رَواء مكّة»، «رباط المتنبي»، «ربيع قرطبة»، «الموريسكي»، «سيرة حمار». كما حقّقت كتبه الفكرية انتشاراً واسعاً، ومن ضمنها «عالم بلا معالم» و«أفول الغرب»، و«إغراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخّ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل».

من أجواء الرواية نقرأ: «رفع بنيس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير متوقّفاً على الرقم 9. اللاّروب. إلاّ رُبعا. لم تعد تقويماً زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يوميّات بوعيّاد. حكمة اليوم: في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمنٍ متوقّف، ولا التأنّي في وضعٍ بلا علامات ولا معايير. المفاهيم زئبقيّةٌ في زمنٍ متوقّف، أو في وضعٍ تتداخل فيه الأزمنة».