مصر تودع جلال أمين بعد نفاد «رحيق العمر»

مثقفون وأدباء: رحيله خسارة كبيرة للأمة العربية

المفكر الراحل جلال أمين
المفكر الراحل جلال أمين
TT

مصر تودع جلال أمين بعد نفاد «رحيق العمر»

المفكر الراحل جلال أمين
المفكر الراحل جلال أمين

شيع مثقفون مصريون، الكاتب والمفكر الكبير الراحل جلال أمين، أول من أمس، بعدما غيبه الموت عن عمر يناهز 83 سنة، بعد صراع طويل مع المرض، وشيعت جنازته من مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة، بحضور أسرته وأصدقائه وتلاميذه.
وأثرى أمين، المكتبة المصرية والعربية، بمؤلفات وإبداعات متنوعة على مدار تاريخه الثقافي، في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية والسياسية والنقد الأدبي، من بينها كتب «وصف مصر في القرن العشرين»، و«عولمة القهر»، و«خرافة التقدم والتأخر»، و«مصر والمصريون في عهد مبارك»، و«ماذا حدث للمصريين»، و«عصر الجماهير الغفيرة»، و«عصر التشهير بالعرب والمسلمين»، كما أبرز سيرته الذاتية في كتابَي «ماذا علمتني الحياة»، و«رحيق العمر».
تخرج المفكر الراحل جلال أمين، في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، عام 1955، وحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة لندن، وشغل منصب أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة عين شمس من 1965، كما عمل مستشاراً اقتصادياً للصندوق الكويتي للتنمية عام 1974، ثم أستاذاً زائراً للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا عام 1978، وأستاذاً للاقتصاد بالجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1979.
ونعى حبيب الصايغ، أمين الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، المفكر الراحل، وقال إن «الثقافة العربية خسرت واحداً من أهم المفكرين الذين سخَّروا علمهم وأفكارهم لفهم الواقع وتحليله واستخلاص النتائج منه لقراءة المستقبل».
بدورها، نعت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، المفكر الراحل جلال أمين، قائلة «إن مصر فقدت إحدى العلامات البارزة في عالم الفكر والاقتصاد»، كما قال المجلس الأعلى للثقافة، في بيان له «إن الراحل الدكتور جلال أمين، يُعد أحد أبرز علماء الاقتصاد المصريين، بالإضافة لكونه مفكِّرا ًمن الطراز الرفيع».
من جهته، قال الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث في العلوم السياسية، لـ««الشرق الأوسط»، «جلال أمين كان رجلاً موسوعياً، انطلق من الاقتصاد، لرحاب المجتمع ثم الأدب، وأعماله النقدية عن بعض الأعمال الأدبية تشهد بذلك، حيث تربى في بيت مهتم بالعلم والمعرفة، فدمج بين الرؤية الوطنية المرتبطة بالتراث بثرائه اللغوي وخياله الخصب، وبين ثقافته الحديثة التي اكتسبها من إنجلترا، وظل طيلة حياته يعرف كثيراً عن أوروبا من زاوية المفكر الوطني الملتزم».
وأضاف «المفكر الراحل شق طريقاً لم يسبقه إليها أحد من قبل في العالم العربي بهذه البراعة، وهي صناعة متحف علمي في علم الاقتصاد الاجتماعي، فلم يكن يطرح النظريات الاقتصادية بطريقة جافة، إنما بطريقة سلسة، وبسّط أعقدها بأسلوب ساحر بديع دون أن يفقد علميته، وهو في هذه الناحية كان أشبه بجمال حمدان حين كتب الجغرافيا بطريقة مختلفة». وأوضح أن «جلال أمين أيضاً قرب الاقتصاد لقاعدة عريضة من الناس، وسجل لنا اقتصاداً لا يعيش في أروقة البنوك ولا دهاليز البورصة أو خزائن الدولة، إنما اقتصاد يمشي بين الناس وكتابا (عصر الجماهير الغفيرة)، و(ماذا حدث للمصريين)، خير شاهد على هذا الأمر».
وتميز فكر الدكتور جلال آمين برؤية متكاملة لقضايا مصر والأمة العربية، فلم يفصل السياسي عن الاقتصادي، والاقتصادي عن الاجتماعي، كما حرص على ربط التفاؤل بالنهضة، فالتفاؤل من وجهة نظره يسهم في النهضة والنهضة تعزز التفاؤل.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق لـ«الشرق الأوسط»، «جلال أمين لم يتأخر على تلاميذه بعلمه وخبرته وتقديم المساعدة والنصائح لهم، وكان أقرب لعلم الاجتماع منه لعلم الاقتصاد، فإنتاجه المتخصص في تحليل الشخصية المصرية أكثر عمقاً، وقد شرفت بمراجعته لكتبي وأبحاثي وأخذت بها، وطورت بعض مؤلفاتي ودراساتي، وحضوره قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وبعدها كان مؤثراً». ولفت إلى أن «الراحل أضاف للمكتبة الاقتصادية ولمكتبة علم الاجتماع الاقتصادي، الكثير والكثير».
إلى ذلك، نعى عدد كبير من الكتاب والمثقفين والباحثين وتلاميذ المفكر الراحل على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال عنه الكاتب الصحافي، يحيي قلاش، نقيب الصحافيين السابق، إن «جلال أمين عاشق من عشاق الوطن، وعقل متقد سبر أغوار الشخصية المصرية، انحاز للأغلبية من البسطاء بالموقف والمعرفة والعلم».
ونعاه المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الشروق»، بقوله «رحل عنا بعد حياة حافلة الأستاذ الجامعي المرموق الذي علم باقتدار وأثرى وأثر في أجيال من الطلاب بالجامعة الأميركية، الدكتور جلال واحد من الخريجين الأوائل المتفوقين المحبوبين من مدرستي العتيدة العزيزة النقراشي النموذجية».
وأضاف المعلم «امتدت علاقتنا لسنوات طوال ونشرنا له الكثير في مجلة (وجهات نظر)، التي شاركنا في اجتماعات مجالس تحريرها، ثم نشرنا له الكثير من الكتب في (دار الشروق)، بجانب مقالات في جريدة (الشروق) أيضاً، وكان الحوار والخلاف الفكري معه أحياناً ينافس في البهجة والمرح نقاشات التوافق والاتفاق».
في السياق نفسه، نعى الكاتب الصحافي أنور الهواري، المفكر الراحل، قائلاً «آل أمين... الأستاذ أحمد أمين، السفير حسين أحمد أمين، الدكتور جلال أحمد أمين، من نبلاء المصريين، وأكابرهم، وعظمائهم، انحدروا من صلب هذا الشعب، وعاشوا وماتوا دون استعلاء على من دونهم، ودون انسحاق أمام من أعلى منهم، ارتقوا بالعلم والعمل والانتماء والأصالة والبساطة والترفع، رحمهم الله أهل بيت علماء كرام أفاضل طيبين».



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.