الخزّافون في المغرب... صراع من أجل البقاء

-	المعلّم محمد في ورشته («الشرق الأوسط»)
- المعلّم محمد في ورشته («الشرق الأوسط»)
TT

الخزّافون في المغرب... صراع من أجل البقاء

-	المعلّم محمد في ورشته («الشرق الأوسط»)
- المعلّم محمد في ورشته («الشرق الأوسط»)

فيما جلس إدريس أمام متجره لبيع أواني الفخار في منطقة "الولجة" بمدينة سلا القريبة من العاصمة المغربية الرباط، عارضاً سلعه بألوانها الزاهية، والمرتبة بإتقان أمام باب المحل وعلى جنباته، انزوى المعلّم ميلود وراء آلته الخاصة بصناعة الفخار في الورشة القريبة، وانشغلت يداه بتطويع الطين، صانعا منه أشكالا مختلفة، أما محمد فقد نزل في صهريج صغير وشرع في تحريك رجليه بقوة ليخلط الماء بالتراب...
أواخر سبعينات القرن الماضي، أمر العاهل المغربي الحسن الثاني بتجميع 18 حرفياً يمتهنون صناعة الفخار كانوا على ضفة واد أبي رقراق في منطقة الولجة، في مجمع للخزف يقام في المكان نفسه، فارتفع عدد المحلات قبل أن يتقلص بعد سنوات، لأن الحرفة في تراجع مستمر، كما يقول إدريس الذي ورث الحرفة والمحل عن والده.
في هذا المكان يملك كل صاحب متجر ورشة لصناعة الفخار. وفي الورشة التابعة لإدريس التقينا ميلود الذي يعمل على اللولب مشكلاً من الطين الطّيِّع أواني مختلفة، وإلى جانبه بعض القطع الجاهزة، بينما تكوّم طين كثير في أحد الأركان.
يقول ميلود، وقد لطخ الطين ملابسه: "من المفروض أن يكون إلى جانبي الآن طفل أو يافع يتعلم، لكي تستمر هذه الحرفة، فعدم وجود متدرّب معناه أن الحرفة تحتضر". وأضاف لـ"الشرق الأوسط": "من حق الشباب واليافعين النفور من هذه الحرفة، فهي تعيش اليوم إهمالاً، وأوضاع الحرفيين مزرية... لو عاد بي الزمن إلى الوراء لاخترت عملا آخر".

المعلم محمد المتخصص في النقش بالصباغة على الأواني الخزفية، وزميله إبراهيم المتخصص في الطلاء، شاطرا ميلود الرأي، وأوضحا لـ"الشرق الأوسط" أن هذه الورشة كانت تعج بالعمال قبل أعوام، أما اليوم فبالكاد يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

*مراحل متسلسلة
في مكان غير مسقوف من إحدى الورشات، نزل رجل سبعيني يدعى محمد في صهريج خلط فيه الماء والتراب، ووراح يحرك رجليه بقوة لخلطه، قبل أن يمرره من غربال ذي فتحات ضيقة داخل صهريج آخر. وشرح أنه يترك الخليط بضعة أيام قبل تحويله إلى صهريج ثالث حيث يبقى إلى أن تتبخر مياهه. بعد هذه العملية، يُنقل الطين إلى الداخل ويُركل جيدا فيصبح جاهزا للعمل.
وقال حرفي آخر إن الطين بعد أن يعطى شكل أوانٍ على يد الصانع مستعينا باللولب، يوضع في الظل حتى يجف. بعد ذلك يتولى "معلّم" آخر نقشه أو طلاءه بالصباغة، قبل أن يوضع لساعات داخل فرن غاز كبير في حرارة تصل إلى ألف درجة.

*منافسة صينية
جلس أحمد وراء مكتب خشبي صغير، وأواني الخزف حوله من كل جانب، بينما انهمك أحد العمال في نفض الغبار عن بعض القطع وتغليفها بالورق. قال صاحب المتجر بنبرة واثقة إن حركة البيع لا بأس بها، لكنه استدرك أن بعض السلع الصينية المصنوعة من السيراميك أثرت على تجارة الخزف، لكنه لفت إلى أنها ليست العامل الوحيد الذي يهدد صناعة الفخار في هذا المجمع.
وهنا قال إدريس إن و"كالة تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق" منعتهم أخيراً من استخدام المقلع الذي يجلبون منه التراب الخاص بالفخار منذ أكثر من ثلاثين سنة، موضحا أنهم الآن يضطرون لشراء التراب من أصحاب بعض الشاحنات الذين يجلبونه من ورشات البناء، بثمن قد يتجاوز 200 دولار للشحنة الواحدة، الأمر الذي رفع كلفة الإنتاج.
وأضاف إدريس أن الورشات لم تعد تنتج الكثير من القطع، مشيرا إلى أن السلع المعروضة في المحلات ليست كلها من صنع محلي، "بل إن هناك سلعا تأتي من مدن مغربية أخرى كآسفي ومراكش، نشتريها بالجملة ونعرضها هنا".
أما عبد الكبير فاضطر تحت ضغط كل هذه العوامل إلى إغلاق متجره وورشته، ليعمل سائقا لدى إحدى المدارس الخاصة. ورأى أن هذا المجمع مهدد بالاندثار، مضيفا أنه ترك العمل في متجره وورشته لأن مدخوله لم يعد يكفيه لإعالة أسرته.

*من «مبادرة المراسل العربي»


مقالات ذات صلة

زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

يوميات الشرق زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)

زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

أكد الدكتور زاهي حواس، أن رفض مصر مسلسل «كليوباترا» الذي أذاعته «نتفليكس» هو تصنيفه عملاً «وثائقي».

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

وجد علماء الأنثروبولوجيا التطورية بمعهد «ماكس بلانك» بألمانيا طريقة للتحقق بأمان من القطع الأثرية القديمة بحثًا عن الحمض النووي البيئي دون تدميرها، وطبقوها على قطعة عُثر عليها في كهف دينيسوفا الشهير بروسيا عام 2019. وبخلاف شظايا كروموسوماتها، لم يتم الكشف عن أي أثر للمرأة نفسها، على الرغم من أن الجينات التي امتصتها القلادة مع عرقها وخلايا جلدها أدت بالخبراء إلى الاعتقاد بأنها تنتمي إلى مجموعة قديمة من أفراد شمال أوراسيا من العصر الحجري القديم. ويفتح هذا الاكتشاف المذهل فكرة أن القطع الأثرية الأخرى التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ المصنوعة من الأسنان والعظام هي مصادر غير مستغلة للمواد الوراثية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

يُذكر الفايكنغ كمقاتلين شرسين. لكن حتى هؤلاء المحاربين الأقوياء لم يكونوا ليصمدوا أمام تغير المناخ. فقد اكتشف العلماء أخيرًا أن نمو الصفيحة الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر أدى إلى فيضانات ساحلية هائلة أغرقت مزارع الشمال ودفعت بالفايكنغ في النهاية إلى الخروج من غرينلاند في القرن الخامس عشر الميلادي. أسس الفايكنغ لأول مرة موطئ قدم جنوب غرينلاند حوالى عام 985 بعد الميلاد مع وصول إريك ثورفالدسون، المعروف أيضًا باسم «إريك الأحمر»؛ وهو مستكشف نرويجي المولد أبحر إلى غرينلاند بعد نفيه من آيسلندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

لا تزال مدينة مروي الأثرية، شمال السودان، تحتل واجهة الأحداث وشاشات التلفزة وأجهزة البث المرئي والمسموع والمكتوب، منذ قرابة الأسبوع، بسبب استيلاء قوات «الدعم السريع» على مطارها والقاعد الجوية الموجودة هناك، وبسبب ما شهدته المنطقة الوادعة من عمليات قتالية مستمرة، يتصدر مشهدها اليوم طرف، ليستعيده الطرف الثاني في اليوم الذي يليه. وتُعد مروي التي يجري فيها الصراع، إحدى أهم المناطق الأثرية في البلاد، ويرجع تاريخها إلى «مملكة كوش» وعاصمتها الجنوبية، وتقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتبعد نحو 350 كيلومتراً عن الخرطوم، وتقع فيها أهم المواقع الأثرية للحضارة المروية، مثل البجراوية، والنقعة والمصورات،

أحمد يونس (الخرطوم)
يوميات الشرق علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

اتهم علماء آثار مصريون صناع الفيلم الوثائقي «الملكة كليوباترا» الذي من المقرر عرضه على شبكة «نتفليكس» في شهر مايو (أيار) المقبل، بـ«تزييف التاريخ»، «وإهانة الحضارة المصرية القديمة»، واستنكروا الإصرار على إظهار بطلة المسلسل التي تجسد قصة حياة كليوباترا، بملامح أفريقية، بينما تنحدر الملكة من جذور بطلمية ذات ملامح شقراء وبشرة بيضاء. وقال عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس لـ«الشرق الأوسط»، إن «محاولة تصوير ملامح كليوباترا على أنها ملكة من أفريقيا، تزييف لتاريخ مصر القديمة، لأنها بطلمية»، واتهم حركة «أفروسنتريك» أو «المركزية الأفريقية» بالوقوف وراء العمل. وطالب باتخاذ إجراءات مصرية للرد على هذا

عبد الفتاح فرج (القاهرة)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
TT

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب (جهاز صوتي يُستخدَم على السفن للتحذير عند ضعف الرؤية) لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن مسؤول محلّي.

ووقعت الحادثة مؤخراً، بعدما أطلق شخص بوق الضباب من على سفينة كانت تبحر في أحد المضائق البحرية شمال غربي سفالبارد، على مسافة نحو ألف كيلومتر (620 ميلاً) من القطب الشمالي.

وأكد حاكم الإقليم، الخميس، أنَّ الشخص، الذي لم تُكشف هويته، غُرّم 50 ألف كرونة نرويجية (نحو 3890 جنيهاً إسترلينياً) على خلفية الواقعة.

وتنصُّ اللوائح المحلية في المنطقة على أنه «يُحظَر إزعاج الدب القطبي أو استدراجه أو ملاحقته من دون داعٍ». وأُعلن الدب القطبي من الأنواع المحمية في سفالبارد عام 1972.

وكان آخر تقدير علمي لأعداد الدببة القطبية في الأرخبيل، أُجري عام 2015، قد أحصى نحو 250 دباً قطبياً.

وقال حاكم سفالبارد، لارس فوس، في بيان، إنَّ ركاب السفينة، خلال مرورها بالقرب من الحيوان، «يُقال إنهم شاهدوا دباً قطبياً نائماً على اليابسة».

وأضاف أنّ «شخصاً على السفينة استخدم بوق السفن، ممَّا أدى إلى إيقاظ الدب الذي انتقل إلى مكان آخر».

ووافق الشخص المعني على دفع الغرامة. وليست هذه المرة الأولى التي تُفرَض فيها غرامة على أشخاص بسبب إزعاج الحيوانات في منطقة سفالبارد.

فعام 2024، غُرِّم سائح 11500 كرونة نرويجية (نحو 900 جنيه إسترليني) بعدما اقترب أكثر مما ينبغي من حيوان الفظ.

وينصُّ قانون البيئة في سفالبارد على ضرورة أن تُجرى جميع حركات التنقل في الأرخبيل بطريقة لا تؤدّي إلى إزعاج غير ضروري للحياة البرّية المحلّية، التي تشمل الدببة القطبية، والفقمات، والحيتان، وحيوانات الرنة، والثعالب القطبية.


هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
TT

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم، إلى جانب منشأة للمعالجة، بالقرب من ميناء لاس بالماس في جزر الكناري.

ورغم أنّ هذه الكائنات معروفة بصعوبة تربيتها، توقَّعت الشركة أن تتمكن، بحلول عام 2025، من إنتاج 3 آلاف طن من لحم الأخطبوط سنوياً في جزيرة غران كناريا.

وأعقب ذلك سنوات من الجدل؛ إذ ندَّد ناشطون وعلماء بخطط تربية حيوان يحظى بإشادة واسعة لما يتمتّع به من «ذكاء»، بعدما اقترب من مكانة النجوم قبل 5 أعوام، بفضل الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة «الأوسكار»، «أستاذي الأخطبوط».

وذكرت «الغارديان» أنه مع حلول نهاية يوليو (تموز) 2026، تراجعت «نويفا بيسكانوفا» عن خطط إنشاء المزرعة. فما أسباب ذلك؟ وما التداعيات المُحتملة على مستقبل صناعة تربية الأخطبوط؟

أبلغت «نويفا بيسكانوفا» هيئة ميناء جزر الكناري بأنها تنسحب من المشروع لأسباب «تجارية وتنظيمية». وفي المقابل، سارع الناشطون، الذين لطالما عارضوا مشروع المزرعة، إلى إعلان القرار انتصاراً لهم. وأكد حزب «باكما» الإسباني المعني بحقوق الحيوان في بيان: «أثمرت جهود الضغط الاجتماعي والعلمي والسياسي في مواجهة هذه الفظاعة الأخلاقية والبيئية».

وقال عالم الأحياء البحرية المشرف على أنشطة الاستزراع المائي في «نويفا بيسكانوفا»، روبرتو روميرو بيريز، في تصريح سابق: «الحقيقة أننا نجد أن الموقف أشد عداءً قليلاً ممّا توقعنا».

من جهتها، عبَّرت الصحافية في صحيفة «كانارياس7»، سيلفيا فرنانديز دياز، التي تابعت القضية منذ بدايتها، عن اعتقادها بأن الاحتجاجات ضدّ المشروع في الجزيرة لم تكن حركة جماهيرية؛ إذ نادراً ما تجاوز عدد المشاركين فيها بضع عشرات. وقالت: «في اعتقادي، الحقيقة أن مشروع المزرعة لم يُنجز لأنه غير مجدٍ، وليس بسبب الرفض الشعبي».

وفي سياق متصل، كشفت مصادر في هيئة ميناء لاس بالماس أنّ أحداً من «نويفا بيسكانوفا» لم يتواصل معها، وأنه لم تُنفذ أي أعمال لإنشاء المزرعة.

وفي السياق عينه، أكد عالم الأحياء البحرية في جامعة توهوكو باليابان، إيان جليدال، الذي أمضى 50 عاماً في دراسة الأخطبوط، أنه حاول على مدى عامين الحصول على ردّ من «نويفا بيسكانوفا» بشأن مشروع جزر الكناري، من دون جدوى.

وأشار إلى أنه «حدث الشيء نفسه هنا في اليابان، مع شركة الصيد (نيسوي). ومع أنّ الشركة ادعت أنها نجحت في حلّ المشكلة، وأنها ستنتج كميات هائلة من الأخطبوط، فإنّ ذلك لم يحدث قط.

وأوضح جليدال أنّ تربية الأخطبوط ظلَّت حتى الآن مهمّة شبه مستحيلة؛ لأنّ يرقات الأخطبوط الشائع تقضي ما لا يقلّ عن 20 يوماً طافية في الماء قبل أن تستقر في قاع البحر، ممّا يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أمراً صعباً. وحتى بعد ذلك، تكون صغار الأخطبوط شديدة الحساسية، ممّا يعرّضها للموت عند حدوث أي خلل.

وأضاف أنّ هناك مشكلة كبيرة أخرى تتمثّل في غذاء الأخطبوط: «أحد أنواع الغذاء معجون مصنوع من الأسماك. إلا أنه حتى لو أكل الأخطبوط هذا الغذاء، فلن يستمر في تناوله، لأنه شديد الانتقائية في طعامه؛ فهو لا يحب أن يأكل الشيء نفسه يوماً بعد يوم».

وقال: «حتى لو تمكنت من حلّ مشكلة الغذاء، فإن الاحتمال الأكبر أن تنفق على العلف أكثر من القيمة التي يمكن أن يحققها الأخطبوط في السوق».

من ناحية أخرى، ثمة اعتراضات أخلاقية على تربية الأخطبوط، تتركز حول أنّ هذه الكائنات تعيش منفردة ولا تميل إلى الاختلاط، فضلاً عن دراسات خلصت إلى وجود «أدلّة قوية» على امتلاكها القدرة على الإحساس والوعي.

وفي هذا الصدد، قال مؤلِّف كتاب «الحياة في مزرعة الأخطبوط»، ريتشارد شوايد، إن كثيراً من علماء الأحياء البحريّة يرون أن للأخطبوط ليس 9 أدمغة فحسب، وإنما عقل كذلك، مضيفاً: «هذا أمر نربطه عادةً بالكائنات الأعلى مرتبة من الثدييات، مثل الكلاب والقطط والرئيسيات والبشر».

وفكرة أنّ الأخطبوط يُشبهنا بطريقة ما، أو على الأقل يُشبه بعض حيواناتنا الأليفة، لاقت رواجاً بفضل فيلم «أستاذي الأخطبوط» لكريغ فوستر، الذي بدا فيه أن فوستر نفسه يُقيم علاقة متبادلة مع أنثى أخطبوط.

وعن ذلك، قال شوايد: «يُعدّ الأخطبوط نموذجاً مثالياً أمام البشر لإضفاء الصفات البشرية عليه، فهو ذكي جداً، وسريع الاستجابة، ومع ذلك مختلف إلى درجة يصعب معها فهمه».

وبغضّ النظر عن حقيقة أسباب توقّف المشروع الإسباني، لم ينجح أحد حتى الآن في استزراع الأخطبوط، باستثناء مشروع صغير في المكسيك استزرع نوعاً مختلفاً عن الأخطبوط الشائع (Octopus vulgaris) الموجود في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

ومع أنّ الأخطبوط يبدو في مأمن من الاستزراع حالياً، فإنّ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تُقدّر أن نحو 370 ألف طن من الأخطبوط تُصطاد سنوياً، معظمها قبالة سواحل المغرب وموريتانيا. وتُعدّ الصين واليابان من أهم أسواق الأخطبوط، بينما تستهلك إسبانيا نحو 40 ألف طن سنوياً، أي نحو كيلوغرام واحد للفرد.

ومع ارتفاع درجة حرارة المياه عالمياً، يجد الأخطبوط طريقه إلى موائد الطعام في مناطق جديدة. فعلى سبيل المثال، شهدت المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين أكبر ازدهار لصيد الأخطبوط منذ عام 1950.

يُذكر أنّ الأخطبوط يتميّز بنموه السريع ودورة حياته القصيرة، علاوة على أنه غني بالعناصر الغذائية ويحظى بطلب كبير، ممّا يشجع على إيجاد طرق لتربيته.

وعن ذلك، قال شوايد: «إنّ معدل تحويل ما يأكله الأخطبوط إلى لحم غني بالبروتين وقليل الدسم أفضل بكثير من أي نوع من الماشية البرّية». واستطرد: «يمكن أن يوفر الأخطبوط لحماً مستزرعاً أكثر استدامة، من الناحية البيئية، من لحم البقر أو الدواجن، وفي عالم يتأثر بارتفاع درجات الحرارة، قد يصبح خياراً مفضلاً للحوم».

وفي غضون ذلك، يُرجّح أن تبقى قوة الحجة الأخلاقية ضد تربية الأخطبوط سلاحاً قوياً في ترسانة معارضيها. وعن ذلك، قالت الناشطة في منظمة «الرحمة في الزراعة العالمية» (كمباشن إن وورلد فارمينغ)، شارلوت ريد: «الأخطبوط حيوان برّي شديد الذكاء، ويعيش بطبيعته في عزلة. هذه حيوانات برّية، ومكانها الطبيعي البرية، وليس تلك السجون تحت الماء».


لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)
TT

لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)

قد يبدأ الأمر بدقائق قليلة من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجد المستخدم نفسه، بعد ساعة أو أكثر، ما زال يمرر الشاشة بحثاً عن منشور جديد أو خبر آخر. هذه العادة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، قد ترتبط بآلية نفسية وبيولوجية أعمق تجعل التوقف عن التمرير أكثر صعوبة مما نتخيل.

وحسب موقع «كيتال نيوز»، يرتبط ذلك، في جانب منه، بطريقة عمل الدماغ البشري، الذي يميل بطبيعته إلى إيلاء اهتمام أكبر للمحتوى الذي يحمل طابعاً سلبياً، خصوصاً عندما يتعلق بالخوف أو الغضب أو الأخبار السيئة. وعندما يظهر هذا النوع من المحتوى أمام المستخدم، قد يجد نفسه أكثر ميلاً إلى التوقف عنده، ثم مواصلة التمرير بحثاً عن المزيد.

وتقوم منصات التواصل الاجتماعي على إبقاء المستخدم في حالة ترقب لما سيظهر أمامه في التمريرة التالية. فقد يصادف خبراً مثيراً، أو صورة لافتة، أو تعليقاً يثير غضبه أو فضوله. ومع كل تمريرة، يتجدد هذا الفضول، فيستمر في البحث عن محتوى أكثر إثارة، من دون أن يدرك أن دقائق قليلة من التصفح تحولت تدريجياً إلى وقت طويل أمام الشاشة.

وتزداد هذه الحلقة السلوكية وضوحاً مع ما يعرف باسم «التمرير المظلم» (Doomscrolling)، حيث يجد الشخص نفسه عالقاً في متابعة سيل متواصل من الأخبار والمحتوى السلبي. وغالباً ما ترتبط هذه العادة بمشاعر كامنة مثل القلق والتوتر والملل وعدم اليقين.

وقد يتحول البحث المستمر عن «ما الذي يحدث؟» إلى وسيلة للهروب مؤقتاً من مشاعر أكثر إزعاجاً. ومع كل محتوى جديد، يحصل الدماغ على جرعة من الترقب والمكافأة، وهي آلية ترتبط بعمل الدوبامين، الناقل العصبي المرتبط بالتحفيز والمكافأة.

وتشير أبحاث إلى أن التعرض لأنواع معينة من المحتوى الإعلامي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في الحالة العاطفية للإنسان. وقالت الدكتورة كافاكلي، الأستاذة المساعدة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة ولاية لويزيانا في شريفبورت (LSUS)، إن كبرى منصات التواصل الاجتماعي درست هذه الظاهرة وتأثيراتها.

وأضافت كافاكلي أن «فيسبوك» أجرى، خلال العقد الماضي، تجارب بحثية لدراسة تأثير تعريض المستخدمين لأنواع مختلفة من المحتوى في حالتهم العاطفية، موضحة أن الأشخاص الذين عُرضت عليهم أخبار سلبية خرجوا بتصورات أكثر سلبية عن العالم من حولهم.

ولا يحتاج الأمر دائماً إلى دراسة علمية حتى يلمس المستخدم هذا التأثير بنفسه، فكثيرون يجدون أنفسهم منجذبين، بصورة متكررة، إلى الأخبار المثيرة للجدل والمحتوى الغاضب، حتى وهم يدركون أن متابعته لا تجعلهم يشعرون بصورة أفضل.

ويصف كاميرون بيرس، الطالب في جامعة LSUS، تجربته مع هذه العادة قائلاً إنه كان يمارس «التمرير المظلم» بصورة أضرت بصحته، لكنه في الوقت نفسه وجد صعوبة في التوقف عنه.

وقال بيرس: «لم أكن أريد رؤية الأشياء الإيجابية، بل كنت أريد رؤية الجدل والخلافات، والأشياء التي أختلف معها». وأضاف أن الإنسان، بطبيعته، يميل أحياناً إلى البحث عن الجانب السلبي والاستمتاع بقراءة الأمور المثيرة للجدل، معتبراً أن ذلك قد يشكل نوعاً من التنفيس.

لكن المشكلة، وفق الخبراء، أن هذا التنفيس قد يتحول إلى دائرة مغلقة. فالشخص يشعر بالقلق أو الملل، فيفتح هاتفه بحثاً عن شيء يشتت انتباهه، ثم ينجذب إلى الأخبار السلبية، فيزداد توتره أو قلقه، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الهاتف بحثاً عن مزيد من المعلومات.

واللافت أن كثيراً ممن يمارسون «التمرير المظلم» لا يدركون بالضرورة أنهم دخلوا في هذه الحلقة السلوكية، ولا ينتبهون إلى الأسباب العاطفية التي تدفعهم إلى الاستمرار فيها.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذه الدائرة هي ببساطة الانتباه إليها: لماذا فتحت الهاتف؟ وما الذي تبحث عنه تحديداً؟ وهل أصبحت الأخبار التي تتابعها تجعلك أكثر معرفة بما يحدث، أم أنها تجعلك أكثر قلقاً؟

ويؤكد الخبراء أن إدراك هذه الحلقة والتعرف على المحفزات العاطفية التي تقف وراءها يمكن أن يساعدا بصورة كبيرة في الحد من هذه العادة. ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في التمرير نفسه، وإنما في السبب الذي يجعلنا نعود إلى الشاشة مرة بعد أخرى، حتى عندما نكون قد قررنا التوقف.