بعد ظلام «داعش»... إذاعات سورية تطرب جمهور الرقة

مبادرات شبابية تخاطب المستمعين بلكنة محلية

المذيعة حورية إسماعيل وزميلها أحمد دالي في استوديو إذاعة «صوت الرقة» في فترة البث الصباحي
المذيعة حورية إسماعيل وزميلها أحمد دالي في استوديو إذاعة «صوت الرقة» في فترة البث الصباحي
TT

بعد ظلام «داعش»... إذاعات سورية تطرب جمهور الرقة

المذيعة حورية إسماعيل وزميلها أحمد دالي في استوديو إذاعة «صوت الرقة» في فترة البث الصباحي
المذيعة حورية إسماعيل وزميلها أحمد دالي في استوديو إذاعة «صوت الرقة» في فترة البث الصباحي

«برنامج صباحكم فرات بلش معي أنا جلنار سعيد... واليوم هو اليوم العالمي لمحو الأمية، وسؤال حلقتنا لليوم: برأيك التعليم شو ممكن يفيد؟»... بهذه الكلمات تبدأ المذيعة جلنار سعيد الفترة الصباحية من إذاعة «أمل إف إم»، وتستمر نحو ساعتين ونصف الساعة، من الساعة 9:30 صباحاً حتى الساعة 12 ظهراً.
تذكّر الجمهور بمتابعة البرامج المنوعة ونشرات الأخبار على مدار الساعة بالرقة وما حولها على الترددات (99.0) إلى (99.5) على موجات الـ«إف إم»، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي والموقع الإلكتروني، وقناة على قمر «نايل سات» العربي.
في بداية حديثها لـ«الشرق الأوسط» قالت جلنار (29 سنة) «طلبت من المستمعين يخبرونا عن وضع المدارس في مدينتي الرقة ودير الزور وريفها، مع بداية العام الدراسي الجديد».
حيث عمد عناصر تنظيم داعش وأثناء سيطرتهم على المدينة منذ يناير (كانون الثاني) 2014 حتى سبتمبر (أيلول) العام الماضي، إلى إغلاق جميع المدارس، وتوقفت العملية التربوية نحو 3 سنوات، لكن المنظمات الإنسانية ومجلس الرقة المدني افتتحوا المدارس والمجمعات التربوية مع بداية العام الدراسي. وتضيف جلنار «نقل لنا المستمعون حالة المدارس بعد حرب استمرت 4 شهور، بدورنا خاطبنا المسؤولين بالمجلس المحلي بالتجاوب مع الأهالي وشرح الخطط التي سيقومون بها لإعادة التلاميذ إلى مقاعدهم».
تعد الفترة الصباحية في «راديو أمل» بشكل خاص والبرامج الاجتماعية عموماً، أكثر البرامج التي يتابعها جمهور الرقة؛ لأنها تركز على هموم الناس اليومية، ولفتت جلنار قائلة «أما أكثر البرامج تفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي (تعاليل فراتية) بالفترة المسائية؛ كونه ينقل الأحاديث والمعلومات الشيقة التي يرسلها لنا متابعو الحلقة»، منوهة بأن قسم التشبيك والاتصال في الإذاعة يستقبل نحو 600 رسالة أسبوعياً، وتقول «الكثير منها تكون شكاوى وطلبات استفسارات، تصلنا إما عبر تطبيق (واتساب) أو صفحة الإذاعة الرسمية على موقع (فيسبوك)».
تقع مدينة الرقة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، تبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع، خرجت عن سيطرة النظام الحاكم ربيع 2013، لكن عناصر تنظيم داعش أحكموا قبضتهم عليها نهاية العام نفسه، قبل أن يطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.
وانطلقت إذاعة «أمل إف إم» بداية أبريل (نيسان) 2017 ويعمل فيها 10 موظفين، من بينهم 4 مقدمين ومذيعات، و4 محررين ومخرج ورئيس غرفة الأخبار، وتحت شعار «صوت كل السوريين» تقدم الإذاعة نشرات إخبارية متخصصة وسلسلة من المواجز الإخبارية على رأس الساعة، إضافة إلى الأخبار العاجلة طوال اليوم، بحسب الصحافي رامي السالم (30 سنة) رئيس قسم الأخبار في «راديو أمل» والمتحدر من مدينة الرقة.
وتابع حديثه «نسلط الضوء على الأخبار المحلية في مدينة الرقة وضواحيها، وريف دير الزور شرق الفرات، عبر شبكة من المراسلين المحليين ومصادر إخبارية»، ويزيد «تسعى أسرة (أمل FM) إلى تسخير كل إمكاناتنا الإعلامية لنقل صوت أهلنا في الرقة وما حولها، لنحمل أمانة هذا الصوت إلى السوريين والعالم والمجتمع الدولي».

الفترة الصباحية الأكثر استماعاً

وكانت سوريا بلد الإعلام الموجه بامتياز خلال عقود مضت، حيث إن الدولة وحزب البعث سيطروا على كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية؛ لكن وبعد انطلاقة الحراك المناهض لنظام الحكم ربيع 2011، تغير المشهد، حيث ظهرت الكثير من الإذاعات والقنوات التلفزيونية الخاصة. هذا، وتعمل خمس إذاعات محلية تبث برامجها عَبر مواقع الإنترنت وصفحات السوشيل ميديا، أو موجات «FM» مخصصة لجمهور مدينتي الرقة ودير الزور ومناطق شرق الفرات، من بينها إذاعة «صوت الرقة».
تعمل المذيعة حورية العيسى (23 سنة) مذيعة ومعدة برامج في «صوت الرقة»، تخاطب الجمهور بلكنة أهالي الرقة المحلية، وتعبر عن مشاعرها قائلة «كوني بنت الرقة، أخاطب المستمعين بلكنة ولهجة محلية وكلام بسيط ومفهوم، رسالتي إرضاء أذواق المستمعين من خلال البرامج المنوعة والترفيهية والأغاني التي يطلبها الجمهور».
ومن بين برامج الإذاعة: في الفترة الصباحية تبث فقرة خاصة بالأبراج، وفي فترة الظهيرة يبث برنامج «نبض الرقة» و«وقت مستقطع» و«شخصيات تراثية»، في حين يأتي برنامجا «شبابيك» و«من كل شباك حكاية» بالفترة المسائية، أما مستمعو مدينة دير الزور وريفها فيكونون على موعد مع برنامجَي «صدى الدير» و«بين الرقة ودير الزور» يأتيان أيضاً في الفترة المسائية. (FM) 97,0
وذكرت حورية المتحدرة من مدينة الرقة، أن تردد الإذاعة على موجةFM) 97.0 (وتشهد الفترة الصباحية التي تمتد ساعتين، تفاعل الجمهور عبر التعليقات وطرح الأسئلة عبر صفحة الإذاعة على صفحات التواصل الاجتماعي، وتضيف: «اخترنا اللكنة المحلية لأنها مفهومة ومريحة لدى المستمعين، فاللغة العامية أو ما تسمى إذاعياً (اللهجة البيضة) مفضلة عند جمهور الإذاعة».
وتبث «صوت الرقة» نشرات الأخبار على رأس الساعة، وفي تمام الساعة الواحدة ظهراً، تبث نشرة أخبار مفصلة، ومثلها في الساعة 8 مساءً، إضافة إلى برامج إخبارية وحوارية يستضيفون مسؤولين وشخصيات رسمية من مجلس الرقة المدني، إلى جانب متحدثين من المنظمات المحلية والدولية الإنسانية العاملة في المنطقة.
ولدى حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال ستير جيلو، المدير التنفيذي لـ«صوت الرقة»، إن الإذاعة انطلقت بداية يونيو (حزيران) 2017، بمبادرة شبابية من أبناء مدينة الرقة، وقال «نغطي أوضاع مخيمات النازحين، ونتابع أعمال مجلس الرقة المدني، ونرصد أنشطة المنظمات الإنسانية الدولية منها والمحلية، عبر شبكة من المراسلين المحلين الذين ينتشرون في معظم مدن وبلدات الرقة».
وتعد إذاعة «صوت الرقة» إلى جانب إذاعة «أمل»، من بين أولى الإذاعات التي بدأت بث برامجها لسكان مدينة الرقة، تمتلك أبراجاً ومقويات لالتقاط موجات الإذاعة التي تتواجد في معظم مدن وبلدات الرقة ودير الزور.
وأضاف جيلو «دورنا رقابي، ومهمتنا تسليط الضوء على هموم ومشكلات الناس اليومية، نسعى للتواجد داخل كل بيت ومكتب ودائرة رسمية لنقل مشكلات الناس، وأن نكون صدى صوتهم».

هواها حرية

ومنذ انتهاء معركة طرد عناصر تنظيم داعش من الرقة شمال سوريا أكتوبر العام الماضي، ينفض سكان المدينة غبار الحرب عن مدينتهم، وينهمك العائدون إليها في إعادة إعمار منازلهم ومحالهم بإصرار وعزيمة كبيرة، في حين كان إسماعيل (37 سنة) يقوم ببناء وتلبين محله التجاري الكائن في شارع تل أبيض التجاري، يستمع إلى «صوت الرقة» عبر مذياع صغير يعمل على بطارية شحن، ووصف مشاعره قائلاً: «تطربني (صوت الرقة) وأنا استمتع إليها يومياً، حيث كل البرامج ونشرات الأخبار عن مدينتي. شعور لا يوصف».
وتحت شعار «هواها حرية» بدأت إذاعة «بيسان إف إم» بث برامجها أواخر أبريل الماضي، وهي إذاعة محلية اجتماعية خدمية إخبارية، تقول عن نفسها إنها مستقلة، تغطي مدينة الرقة والطبقة وريف دير الزور الشمالي، حيث يصل إليها الجمهور عبر موجاتها القصيرة، ويعمل القائمون عليها على تغطية جميع مدن وبلدات شرق الفرات.
ويرى مراقبون ومتابعون للإعلام المحلي الجديد الموجه لمدينة الرقة ومدن وبلدات شرق الفرات بعد أن خلعت هذه المناطق سواد تنظيم داعش، أن تعمل على نشر ثقافة التسامح والسلام وقبول الآخر، إلى جانب بناء ثقة بين المذيع والمستمع، وتعزيز صلة الوصل بين المستقبل والمتلقي.
ومن بين الإذاعات التي تطرب سكان الرقة، «إذاعة شوفي مافي»، شعارها «شوفي مافي، صوتك وصوتنا سوا» محطة الشباب السوري، ومن بين برامجها، «تعالم نسولف» (تعالوا نتحدث)، «يا مرحبا»، «شوفي مافي سبورت»، برنامج «قهوتكم عامرة».
والإذاعة بحسب تعريفها في صفحة من نحن على موقعها الرسمي، «فضاء مفتوح من دون قيود لكل السوريين للتعبير عن أنفسهم وحضارتهم بعيداً عن الحرب التي دمرت جوانب كثيرة في حياتهم، لكن لم تنل من عزيمتهم وإصرارهم على الحياة».
وتقول زينب (27 سنة) المتحدرة من الرقة، وتعمل في مخبز لصناعة الخبز، إنها وزملاءها العمال يستمتعون وهم يتابعون الإذاعات المحلية طوال فترة عملهم الممتدة لثماني ساعات يومياً، وأضافت «ميزة إذاعتَي (أمل) و(صوت الرقة) أنهما تبثان عبر موجات الـ«إف إم» من أي مكان ونسمعهما من الراديو، أما باقي الإذاعات فتحتاج إلى خدمة الانترنت غير المتوافرة في معظم الأوقات بسبب انقطاع التيار الكهربائي».
وقام نشطاء وإعلاميون من أبناء مدينة الرقة، بتأسيس «راديو الرشيد»، وستبث برامجها قريباً على موجات الـ«إف إم» ومنصات السوشيل ميديا، حيث أطلق القائمون عليها صفحة رسمية على موقع «فيسبوك»، وأوضحوا أنها «إذاعة مجتمعية خدمية مستقلة شاملة، نسعى لرسم البسمة على شفاه السوريين بعد سنوات الحرب والاضطرابات التي جعلت الحزن أكثر ما يملأ أوقاتهم».


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.