«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

عالمة أنساب أميركية رصدت «قاتل ولاية كاليفورنيا الذهبي» بعد أكثر من 4 عقود

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة
TT

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

شكّلت بربارا راي - فينتر، المحققة البارعة المتخصصة بعلم الأنساب الجيني، الذي يحدد النسب والقرابة بين الأشخاص اعتماداً على الجينات، مصدر إلهام للآخرين لمساعدة السلطات الأمنية في القضايا الجنائية التي يكتنفها الغموض، بعيداً عن الجدالات القائمة حول الأخلاقيات والخصوصية.
قررت المحققة التي ساعدت في حل قضية «قاتل الولاية الذهبي» أن تبقي هويتها سرية في بداية التحقيق، وقالت في حديث للإعلام الأميركي «كنت خائفة على سلامتي؛ لهذا السبب تأخرت كثيراً قبل الخروج إلى الأضواء».
لكن المحامية التي تبلغ 70 عاما من العمر وتعيش في ولاية كاليفورنيا، شعرت بأنها باتت جاهزة للإعلان عن هويتها، متسلحة بالتفاعل الذي حاز عليه الدور الذي لعبته في تحديد هوية جوزيف دي آنجلو، شرطي سابق يواجه اليوم تهماً بقتل 13 امرأة في أنحاء كاليفورنيا بين السبعينات والثمانينات.
تعتبر راي - فينتر الشخصية الأحدث ظهوراً في تحقيقات «قاتل الولاية الذهبي»، التي ألهمت الكثير من المتخصصين في علم الأنساب الجيني والمهرة في حل ألغازه لعرض خدماتهم على السلطات الأمنية. وعلى الرغم من أن هذا التحالف بين المحققين والعلماء أثمر عن ثمانية اعتقالات على الأقل في الأشهر الأربعة الأخيرة، فإنه يثير ارتياب البعض في مجتمع علم الأنساب.

تحقيقات جينية

يعود تحوّل راي - فينتر من عملها الأساسي محامية إلى خبيرة في تقنيات التحقيق الجيني إلى جهود بذلتها لمساعدة قريب لها، عرفت حديثاً أنه من عائلتها. وفقد التقى الاثنان عبر موقع «فاميلي تري دي إن إيه»، (أي «موقع شجرة العائلة وفقاً للحمض النووي») عام 2012، بعد أسابيع قليلة من معرفة القريب الجديد أن الرجل الذي رباه ليس والده البيولوجي.
في ذلك الوقت، وجدت المحامية أن موقع DNAAdoption.org، المختص بتحليل الحمض النووي للأشخاص الذين جرى تبنيهم، يقدم صفوفاً تعليمية حول كيفية استخدام مطابقات الحمض النووي، والأشجار العائلية، والسجلات العامة للعثور على الآباء البيولوجيين.
لم تكن راي - فينتر تلميذة عادية؛ لأنها حازت دكتوراه في علم الأحياء قبل حصولها على شهادة الحقوق. وكمحامية متخصصة في براءة الاختراع، ركزت في عملها على اختراعات التقنيات البيولوجية، وكانت غالباً تتعاون مع شركات متخصصة في اختراعات البيولوجيا الجزيئية.
انتقلت المحامية التي تتحدر من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة الأميركية مع زوجها السابق جي كريغ فينتر، عالم الجينات الذي اكتسب لاحقاً شهرة واسعة لمهارته في كشف سلسلة الجينوم البشري.
وبعد فترة قصيرة من إنهائها هذه الدورة، بدأت بتعليمها. وهي اليوم تخوض محادثات مع وكالات أمنية مختلفة لحل ما يقارب 50 قضية تتضمن جرائم قتل غامضة.

تحديد الهوية

كيف وصل بها الأمر إلى المشاركة في التحقيق بالجرائم؟ عام 2015، قدمت راي – فينتر المساعدة لمحقق كان يحاول تحديد هوية امرأة تدعى ليزا في العقد الثالث من عمرها، كانت قد اختطفت وهي طفلة.
أمضت ليزا ثلاثين عاماً من حياتها وهي تظن أن الشخص الذي أساء إليها وهجرها، ومن ثم أدين بارتكاب جريمة قتل، هو والدها. وخلال التحقيق، اكتشف المحققون أن حمض ليزا النووي لم يطابق حمض ذلك الرجل النووي. وبدأت الأسئلة حول هوية والديها الحقيقيين، والمكان الذي أتت منه، لكن المتهم رفض الإجابة على الأسئلة المتعلقة بأصولها.
بعد 20000 ساعة من العمل ومساعدة أكثر من 100 متطوع، نجحت راي – فينتر أخيراً بالاعتماد على تقنياتها، في تحديد اسم المرأة عند الولادة وهو «داون»، وتواصلت مع جدها، أقرب أفراد عائلتها الأحياء المهتمين بالتواصل معها.
وتمكنت المحامية المتخصصة في علم الأنساب أيضاً من حصر أسماء الرجال الذين يحتمل أن يكون أحدهم والد ليزا بمجموعة من الرجال الذين تزوجوا بالتزامن مع تاريخ مولدها. لكن الرجال الذين استطاعت أن تصل إليهم رفضوا الخضوع لفحص الحمض النووي. إلا أنها ورغم هذا الرفض، تمكنت ليزا التي لم تكن تعرف شيئاً عن أصولها، من الوصول إلى شجرة عائلية تضم آلاف الأشخاص.
بعدها، علم شخص يدعى هولز، بعمل راي - فينتر في هذه القضية عام 2017؛ مما دفعه إلى التساؤل «بعد نجاحها في التوصل إلى تحديد هوية هذه الفتاة من خلال أدلة قليلة جداً، هل ستعجز عن تحديد هوية أحدهم من خلال عينة محفوظة من السائل المنوي»؟

احتدام الجدل

لم تكن راي - فينتر عالمة الأنساب الوحيدة التي تعاونت مع السلطات الأمنية والقضائية؛ لذا بدأت موجات من الجدل تستعر في مؤتمرات علم الأنساب حول ما إذا كان يجب التعاون مع هذه السلطات أم لا.
لا تستطيع الأجهزة القضائية البحث في مواقع متخصصة بعلم تحديد الأنساب مثل موقع «23 أند مي» (لرصد نوع الحمض النووي) دون إذن من المحكمة، إلا أن حل هذه المشكلة كان متوفراً لدى علماء الأنساب الذين يعملون في حل قضايا التبني، فهم يستطيعون تحميل أدلة من مسرح الجريمة على موقع «جي إي دي ماتش» (GEDmatch)، وهو عبارة عن موسوعة إلكترونية تشبه «ويكيبيديا»، لكن للبحث في الأحماض النووية، وتعرف بشروطها غير الصارمة في خدمة الزبائن.
وقد رأى البعض في مساعدة السلطات المختصة للدخول والبحث في هذا الموقع ثغرة لاستغلال المستخدمين وخيانة ثقتهم، بينما شعر آخرون بأنه لا بأس بهذه المساعدة، لكن كان من الأفضل لو أنها قدمت دون جلبة، لتفادي نفور الناس من الموقع.
أما راي – فينتر، فقد أكدت أنها لم تكن تعلم بهذه الأحاديث، وقالت «لم أدخل في أي من هذه الجدالات». كما أنها قررت، وبعد الاطلاع على قضايا هولز السابقة، أن تساعده. لكنها لم تعرف بتفاصيل قضية «قاتل الولاية الذهبي» إلا لاحقاً.

القاتل الذهبي

وعلمت المحامية لاحقاً أن جرائم الرجل لم تنحصر في قتل 13 امرأة فحسب، بل إنه أيضاً عمد إلى اغتصاب عشرات أخريات، فزادتها هذه المعلومات إصراراً على المساعدة في القضية.
وقالت «يجب منع هذا الرجل من التجول على الطرقات».
يشيع اليوم مفهوم خاطئ مفاده أن حل قضية معينة باستخدام هذه المقاربة الجينية الجديدة بسيط كما هو الحال عند العثور على تطابق جيني في قاعدة بيانات معينة. لكن الحمض النووي هو بنظر راي - فينتر دليل أولي متواضع.
ويعتبر هذا الدليل دون قيمة، وتحديداً إذا وقع بين يدي شخص لا يملك خبرة في مجال علم الأنساب الجيني، وفي حال كان يعود إلى قريب من الدرجة الثانية أو الثالثة عثر عليه في قاعدة بيانات موقع GEDmatch.
تضمنت قضية «قاتل الولاية الذهبي» الكثير من العوائق التي كان يجب تخطيها. وقد تمثلت الخطوة الأهم بملاحقة جميع أقارب المشتبهين المحتملين حتى النجاح في تحديد هوية جد مشترك بينهم. خلال البحث، تبين أن أجداد الكثير من المشتبه بهم هم من المهاجرين الإيطاليين الجدد؛ مما أوصل الفريق إلى طريق مسدود في تحديد البيانات المرتبطة بالأشجار العائلية.
وأخيراً، ومن خلال التركيز على الجانب البريطاني من شجرة العائلة، بدأ الفريق في تحقيق تقدم ووضع خطوط عريضة تقريبية للأشجار، التي سيصار أخيراً إلى دمجها.
بعدها، تولت الباحثة راي - فينتر قيادة الفريق نحو كيفية ملء فروع الأشجار عبر استخدام سجلات الولادة، وقصاصات الجرائد، وحسابات التواصل الاجتماعي، وبيانات الأشجار العائلية.
وكشفت راي - فينتر أن متدربيها، ومن بينهم شخصان من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ومحاميان من وكالة مقاطعة «ساكرامنتو كاونتي» إلى جانب هولز، كانوا طلاباً مهرة وسريعي التعلم.

رصد المجرم

لكن الفصل الصعب يكمن في تعلم كيفية مقارنة ملفي حمض نووي كروموسومي (من كل الكروموسومات عدا الجنسية)، وفهم ما تشير إليه الأجزاء المتداخلة، لمعرفة الفرع الذي يجب التركيز عليه من الشجرة، وتوضيح ما إذا كانت هذه الأجزاء ستتوافق مع بعضها لتحديد الشخص المجهول.
وقال هولز، إن علماء الأنساب الجينية أمثال راي - فينتر قيّمون جداً لأنهم «يفهمون اختبار الحمض النووي، ووراثة الحمض النووي، وجوانب علم الأنساب»، وهذه المهارة نادراً ما تتوافر في شخص واحد. بعد أشهر عدة، برز عدد من المشتبهين المحتملين الجدد بناءً على أعمارهم وتاريخهم في كاليفورنيا؛ مما فرض تحقيقات إضافية. استخرج الفريق عينة حمض نووي من الرجل الأكثر شبهة بينهم. لم يجد المحققون تطابقاً، لكنهم أكدوا أنه من أفراد العائلة القريبين من القاتل الذهبي؛ مما ساهم في توفير معلومات مهمة.
بعدها، لجأت راي - فينتر إلى أداة للتوقع لتحديد لون العينين على موقع GEDmatch، فتوصلت إلى أن عيني القاتل زرقاوان. من جهة أخرى، رجح موقع «برومتياز.كوم»، المتخصص في تحليل المخاطر الصحية بأن يكون المشتبه به يعاني من الصلع المبكر.
رجل واحد من بين المشتبهين الذين كان المحققون يبحثون في معلوماتهم كانت عيناه زرقاوين، وهو «دي آنجلو»، ليلاحظوا بعدها أيضاً من خلال صورة رخصة القيادة انحسار الشعر في رأسه.
عرف المحققون أن هذا النوع من التوقعات قد يكون مضللاً بعض الشيء، لكنهم أخذوا بعين الاعتبار الأدلة المتراكمة التي تدفعهم إلى السير باتجاه محدد. وانطلاقاً من هذا الاتجاه، رجحت الإجراءات البوليسية التقليدية أن يكون دي آنجلو هو غالباً المشتبه به. وأخيراً، بعد الحصول على عينة منسية من حمضه النووي وإثبات التطابق، تم اعتقاله.
بعد فترة قصيرة من إعلان تحديد هوية قاتل الولاية الذهبي، أعلنت شركة «بارابون»، المتخصصة في استشارات علم الأدلة الجنائية، أنها تعتزم إطلاق ذراع متخصصة في علم الأنساب. من جهتها، كشفت سيسي مور، عالمة متخصصة في علم الأنساب الجيني ومعروفة بعملها في قضايا التبني، عن اختراقات تم تحقيقها في قضايا تعود لست جرائم قتل وجريمتي اعتداء جنسي.
ورأى كولين فيتزباتريك، عالم متخصص في الصواريخ، تحول لاحقاً إلى علم الأنساب الجيني، أن قضية قاتل الولاية الذهبي تثبت أنهم يستطيعون الدخول في مجال حل جرائم القتل. وتجدر الإشارة إلى أن فيتزباتريك يشارك اليوم في التحقيق بعشرات جرائم القتل لصالح منظمة «آيدينتيفايندر إنترناشيونال» العاملة في مجال البحث الجنائي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.