الهند والصين تعززان علاقاتهما التجارية مع أفغانستان

باكستان تخسر من وراء هذا التقارب

السلع الهندية والصينية تلقى رواجا في السوق الأفغانية (صورة أرشيفية لسوق في كابل)
السلع الهندية والصينية تلقى رواجا في السوق الأفغانية (صورة أرشيفية لسوق في كابل)
TT

الهند والصين تعززان علاقاتهما التجارية مع أفغانستان

السلع الهندية والصينية تلقى رواجا في السوق الأفغانية (صورة أرشيفية لسوق في كابل)
السلع الهندية والصينية تلقى رواجا في السوق الأفغانية (صورة أرشيفية لسوق في كابل)

تبدو العلاقات التجارية بين الشركات الهندية والأفغانية على قدم وساق، فقد قال السفير الأفغاني لدى الهند محمد العبدلي مصرحا للصحافيين في حوار إعلامي مؤخرا: «بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند وأفغانستان مليار دولار حتى الآن. ولكن الطلب سيبلغ مستويات أكثر من هذا، لذلك فإننا نسعى إلى أن يصل حجم التبادل التجاري بيننا إلى ملياري دولار بحلول عام 2020».
وخلال الفترة بين 12 و15 سبتمبر (أيلول) من العام الحالي شارك مئات من الممثلين التجاريين من أفغانستان، والهند، والشركات الدولية الأخرى في المعرض التجاري المنعقد في مدينة مومباي، العاصمة التجارية والاقتصادية في الهند.
وعرضت أفغانستان منتجاتها من المنسوجات، والسجاد، والأحجار الكريمة، والمجوهرات للمشترين الدوليين. وتمكن البائعون الأفغان كذلك من بيع عينات المنتجات إلى المستهلكين مباشرة.
وتُبنى فعاليات معرض مومباي على حدث تجاري سابق عُقد في عام 2017 وساعد على تعزيز الروابط التجارية بين البلدين. وجذب هذا الحدث التجاري أكثر من 1000 تاجر هندي كانوا يسعون إلى إبرام التعاقدات، والشراكات، والبحث عن فرص الاستثمار المختلفة مع أكثر من 240 شركة ومؤسسة من القطاع الخاص الأفغاني. وتم إبرام التعاقدات التجارية التي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 27 مليون دولار بين المشترين الهنود والبائعين الأفغان في ذلك العام فيما يخص المنتجات الزراعية الخام والمصنعة. وبالإضافة إلى ذلك، وقّع عدد من المشترين الهنود والبائعين الأفغان على مذكرات للتفاهم تُقدر قيمتها بنحو 214 مليون دولار خلال المعرض التجاري الذي استمر لمدة 4 أيام، حيث جرى بيع منتجات من السجاد والأحجار الكريمة والمجوهرات والرخام والمنتجات الغذائية بما يزيد قيمته على 10 ملايين دولار وقتذاك.
وأضاف السفير الأفغاني لدى الهند معلقا: «من شأن معرض مومباي التجاري أن يساعد في تنمية العلاقات الاقتصادية بين أفغانستان والأسواق الدولية، ويعزز التكامل التجاري بين البلدين. ونحن نسعى وراء الاستثمار والتعاون مع الهند في مجالات الزراعة، والتعدين، والصناعات الثقيلة، والتعليم، والزراعة، والرعاية الصحية، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات، والنقل».
وفي وقت سابق من شهر يوليو (تموز) الماضي، وصل أكثر من 50 شركة تصدير أفغانية إلى نيودلهي للمشاركة في فعالية استغرقت يومين تحت عنوان «صُنع في أفغانستان، أفضل ما أنتجته الطبيعة»، في محاولة لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين. ووقّع التجار الأفغان، خلال هذه الفعالية، على صفقات تجارية بلغت قيمتها نحو 68 مليون دولار من المنتجات الزراعية عالية القيمة، مثل الرمان، والزعفران، والتفاح، والمشمش، والبطيخ، والعنب، والمكسرات، والكرز، إثر مشاركتهم في البعثة التجارية الأخيرة في الهند.
وخلال العام الماضي، بدأت خدمات الشحن الجوي في العمل بين أفغانستان والهند، وأسفرت عن شحنات جوية مباشرة من المنتجات الأفغانية إلى مطاري نيودلهي ومومباي.
ونما التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 30 في المائة نظرا لافتتاح ممر الشحن الجوي المخصص. ومن بين أهم الصادرات الهندية لأفغانستان المنسوجات، والأدوية، والتبغ، والحديد، والصلب، والآلات الكهربائية، في حين تستورد نيودلهي من أفغانستان الفاكهة، والمسكرات، والصمغ، والراتنجات، والقهوة، والشاي، والتوابل. وهناك رحلات جوية أخرى تنطلق من أفغانستان إلى مدن هندية مختلفة مثل تشيناي، وحيدر آباد.
وفي الأثناء ذاتها، وتعزيزا للروابط التجارية مع الهند يقدم الجانب الأفغاني خصومات على الرسوم الجمركية، الأمر الذي يشكل حافزا كبيرا لتنمية سوق التصدير في الهند. كما تحاول الهند أيضا تخفيض الضرائب في المطارات على السلع التي يتم تصديرها إلى الجانب الأفغاني.
وأعربت كل من الهند وأفغانستان في وقت سابق عن رغبتهما المشتركة في أن تفتح باكستان طريقها البري أمام نيودلهي. ولقد رفضت إسلام آباد الطلب. ويعتقد المحللون أن إسلام آباد تخشى من تفوق الهند على الهيمنة الباكستانية في مجال التجارة مع الجانب الأفغاني. ولكن هذا بالضبط ما حدث في نهاية المطاف. فلقد نجحت الهند في تجاوز الهيمنة التجارية الباكستانية بشكل لافت للنظر عندما توجهت للتجارة مع أفغانستان عبر ميناء تشابهار في إيران. ولقد وصلت الشحنة الأولى من القمح الهندي إلى مدينة زارانج الأفغانية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وأشاد بها المسؤولون من كلا الجانبين على اعتبارها بداية موفقة على طريق مزيد من التعاون بين البلدين. ومنذ ذلك الحين، تمكنت الهند من تصدير 170 ألف طن من القمح، و2000 طن من البقول عبر ميناء تشابهار الإيراني.
ومن المتوقع التخطيط لترتيبات ثلاثية تتعلق بالنقل بين الهند وأفغانستان وإيران بهدف صياغة الإطار القانوني الموثوق لضمان التدفق السلس للسلع والمركبات بين ميناء تشابهار الإيراني وأفغانستان عبر إيران.
- الخسائر الباكستانية
أفضت التجارة الهندية المزدهرة مع أفغانستان إلى انخفاض واضح في حصة باكستان التجارية من السوق الأفغانية حتى أقل من 50 في المائة، وهي التي كانت تهيمن في وقت سابق على سوق التجارة الأفغاني.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة «الفجر» الباكستانية، فإن خسائر البلاد تتزايد على هذا الصعيد لصالح كل من الهند والصين أيضا، من حيث البلدان التي تملك أكبر حصة من التجارة مع أفغانستان.
وقال زبير موتيوالا، رئيس غرفة التجارة والصناعة الباكستانية الأفغانية المشتركة، إن الهند على وجه الخصوص قد نجحت في اختراق السوق الأفغانية عن طريق دعم صادراتها إلى كابل. وأضاف زبير موتيوالا، الذي كان في زيارة إلى كابل مؤخرا، أن الاختراق التجاري من جانب الهند والصين قد أسفر عن الحد من الخيارات المتاحة أمام باكستان للمحافظة على نصيبها من السوق الأفغانية، في حين تواصل الهند وبشدة دعم الصادرات المحلية إلى أفغانستان. وصرح بأن التجارة البينية الباكستانية الأفغانية قد تراجعت إلى مستوى 1.2 مليار دولار من أصل 2.7 مليار دولار خلال العامين الماضيين، وأن إسلام آباد أصبحت تفقد حتى الأسواق التقليدية من الطحين، والملابس للجنسين، واللحوم الحمراء.
وقال موتيوالا إن الهند تواصل تقديم السلع والبضائع إلى الجانب الأفغاني بأسعار مدعومة بهدف الاستحواذ على السوق، كما أنها توفر خصما على تذاكر الطيران يصل إلى 75 في المائة، وأضاف أن الأفغان يجدون سهولة بالغة في السفر إلى الهند بتذاكر طيران رخيصة وتأشيرات متعددة لدخول البلاد من دون المرور على تفتيش الشرطة في المطارات.
وكانت كابل لسنوات طويلة سوقا للصادرات والسلع الباكستانية، ولكن هذا الواقع بات في تغير مستمر، إذ إن المنتجات الرخيصة القادمة من الصين والهند صارت في كل مكان من البلاد. وقد أوضح موتيوالا أنه في ذروة التجارة الثنائية بين كابل وإسلام آباد كان نقل 70 ألف حاوية من البضائع والسلع إلى أفغانستان هو الرقم المعتاد، ولقد انخفض الآن إلى 7 آلاف حاوية فقط.
وكان الجانب الآخر من الرفض الرسمي الباكستاني لفتح الطريق البري أمام التجارة الهندية والأفغانية قد دفع الحكومة الأفغانية إلى اتخاذ موقف صارم مماثل عبر منع وصول باكستان إلى آسيا الوسطى مرورا بالأراضي الأفغانية. في حين أن الهند صارت قادرة على الوصول الفعال إلى آسيا الوسطى عبر ميناء تشابهار الإيراني وعبر الأراضي الأفغانية.
- أفغانستان والصين
تزامنا مع ذلك، تعمل أفغانستان أيضا على صعيد بدء طريق الشحن الجوي لنقل المنتجات الأفغانية مباشرة إلى الأسواق الصينية. وبدأ خط الصادرات المباشر إلى أفغانستان عبر السكك الحديدية قبل عامين من الصين مرورا بأوزبكستان وصولا إلى أفغانستان. وفي الأثناء ذاتها، كانت السلع والبضائع تصل من الصين إلى أفغانستان في حاويات السكك الحديدية وتعاود الحاويات رحلتها إلى الصين خاوية تماما.
ومع ذلك، في يونيو (حزيران) من العام الماضي، توقفت تلك الخدمات تماما. وفي الوقت الذي أشارت فيه غرفة التجارة الصناعة الأفغانية إلى الافتقار للبنية التحتية اللازمة في ميناء هيراتان الواقع بين أفغانستان وأوزبكستان، على اعتبار أنه أحد الأسباب الرئيسية في توقف عمليات شركة السكك الحديدية الصينية.
ويستورد التجار الأفغان في الآونة الراهنة السلع والبضائع من الصين عبر ميناء بندر عباس الإيراني وميناء كراتشي الباكستاني. وتعتبر الصين من الأسواق الجيدة لمنتجات الزعفران، والصنوبر، والأحجار الكريمة الواردة من أفغانستان.
ووفق الأرقام الصادرة عن مجلس التجارة الأفغاني، فإن أفغانستان تستورد من الصين بضائع بقيمة أكثر من مليار دولار سنويا، في حين أن حجم الصادرات الأفغانية إلى الصين لا يتجاوز 5 ملايين دولار في كل عام.
وتعهدت أوزبكستان بتوفير 500 مليون دولار من التمويل الجزئي المخصص لإنشاء خط السكك الحديدية بطول 657 كيلومترا من مدينة مزار شريف حتى محافظة هيرات الأفغانيتين. ومن شأن الخط المقترح أن يكون امتدادا لمسار بطول 75 كيلومترا من الحدود الأوزبكية حتى مزار شريف الأفغانية، وسوف يتصل في محافظة هيرات بخط سكك حديدية آخر قيد الإنشاء حاليا من إيران. ومن شأن هذه الخطط أن توفر طريق العبور من آسيا الوسطى، وربما الصين، حتى إيران ثم إلى أوروبا.
وقال سيام بيسارلي، المتحدث الرسمي باسم غرفة التجارة الصناعة الأفغانية: «من خلال توسيع علاقات التجارة والعبور مع الصين، سنصير جزءا من المشروعات الكبرى التي تنفذها الصين في المنطقة. والصين تعد واحدة من أهم البلدان في المنطقة من حيث الروابط التجارية القائمة مع أفغانستان، وسوف تستفيد أفغانستان كثيرا من توسيع العلاقات التجارية بين البلدين».
ومن المقرر عقد اجتماع يضم كلا من المسؤولين والمستثمرين والخبراء الأفغان والصينيين خلال الشهرين المقبلين في كابل لمناقشة سبل تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.
وفي الأثناء ذاتها، تعمل الصين على مسار إضافة أفغانستان إلى قائمة طموحاتها الإقليمية ضمن «مبادرة الحزام والطريق» الشهيرة.
ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن الرئيس الأفغاني أشرف غني قد صرح بأن بلاده لن تكون جزءا من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ما لم تملك حق الوصول إلى حدود واغاه وأتاري الباكستانية مع الهند. كما قال الرئيس الأفغاني أيضا إن كابل سوف تواصل تقييد الوصول الباكستاني إلى آسيا الوسطى ما لم تحصل على حق الوصول إلى الهند من خلال مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
TT

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)

انخفضت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وذكر مصدران، وفقاً لـ«رويترز»، أن إنتاج الإمارات العربية المتحدة اليومي من النفط انخفض بأكثر من النصف؛ حيث أجبر الصراع الإيراني والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز شركة النفط الحكومية العملاقة أدنوك على تنفيذ عمليات إيقاف واسعة النطاق للإنتاج.

وأفاد مصدران آخران باستئناف بعض عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، وأشار أحدهما إلى أن اثنين من مراسي الميناء الثلاثة ذات النقطة الواحدة، التي ترسو فيها السفن، يعملان بكامل طاقتهما.

وذلك بعد تعليق «أدنوك» عمليات تحميل النفط الخام في ميناء الفجيرة بالإمارات، بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة في اندلاع حرائق في محطة التصدير الرئيسية.

وتعد الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، منفذاً لنحو مليون برميل يومياً من خام مربان، وهو النفط الرئيسي للإمارات، أي ما يعادل نحو 1 في المائة من الطلب العالمي.

وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، يوم الاثنين، بأن الرئيس دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن فتح مضيق هرمز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين أيضاً، إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء على خطة «قابلة للتطبيق» لإعادة فتح مضيق هرمز.

وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «سي إن بي سي» بأن وزارة الخزانة لم تتدخل في أسواق النفط، وأن أي إجراء أميركي للحد من ارتفاع الأسعار سيعتمد على مدة الحرب.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن الحرب في الشرق الأوسط تتسبب في أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ؛ حيث خفضت دول منتجة رئيسية للنفط، مثل السعودية والعراق والإمارات، إنتاجها.

ويوم الأحد، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط ستبدأ بالتدفق إلى السوق قريباً من دول مجموعة السبع بالتنسيق، في سحب قياسي يهدف إلى مكافحة ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب الشرق الأوسط.

ويرى المحلل تاماس فارغا من شركة «بي في إم» أن المستثمرين يدركون أن عواقب نزاع مطوّل ستكون وخيمة، لا سيما مع استنزاف المخزونات بشكل مطرد، في ظل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالإنتاج والصادرات والتكرير جراء أسبوعين فقط من الاضطرابات في مضيق هرمز.


الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

بدأ الاقتصاد الصيني العام على أسس أكثر صلابة، مع تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، وانتعاش مبيعات التجزئة والاستثمار في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، مما وفر ارتياحاً مبكراً لصناع السياسات، في ظل ما تُضفيه الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران من حالة عدم يقين جديدة بشأن النمو.

وجاءت هذه المرونة في أعقاب طفرة في الصادرات مدفوعة بالطلب المتزايد على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والذي دعم أيضاً قطاع التصنيع، على الرغم من تحذير المحللين من مخاطر التوترات الجيوسياسية، وهشاشة ثقة المستهلك، والضغوط في أسواق التجارة والطاقة العالمية على التوقعات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً نسبة النمو المسجلة في ديسمبر (كانون الأول)، والبالغة 5.2 في المائة. وقد تجاوز هذا النمو توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والتي أشارت إلى نمو بنسبة 5 في المائة، مسجلاً بذلك أسرع نمو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين في شركة «غوتاي جونان» الدولية: «على الرغم من ازدياد المخاطر التي تهدد التوقعات، وسط التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها أسواق التجارة والطاقة العالمية، تشير أحدث الأرقام إلى أن الصين دخلت العام بقاعدة نمو أقوى مما كان يُعتقد سابقاً».

وقفزت مبيعات التجزئة -وهي مؤشر على الاستهلاك- بنسبة 2.8 في المائة، متسارعة من وتيرة 0.9 في المائة المسجلة في ديسمبر، محققة بذلك أكبر زيادة لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكان المحللون قد توقعوا نمواً بنسبة 2.5 في المائة. ويعود هذا الزخم القوي جزئياً إلى طول عطلة رأس السنة القمرية في البلاد خلال شهر فبراير، وساهمت الاحتفالات في رفع إجمالي الإنفاق السياحي بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت أقصر بيوم واحد.

ولكن الإنفاق السياحي الداخلي لكل رحلة انخفض بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى استمرار حذر المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات صدرت مطلع الأسبوع الماضي انخفاض مبيعات سيارات الركاب محلياً بنسبة 26 في المائة خلال الشهرين الأولين.

وتجمع الصين بيانات شهرَي يناير وفبراير لتخفيف حدة التشوهات الناتجة عن عطلات الأعياد التي قد تقع في أي من الشهرين.

انتعاش غير متوقع للاستثمار

وقدمت بيانات يوم الاثنين مؤشراً مشجعاً آخر لصناع السياسات؛ حيث خفف الانتعاش غير المتوقع في الاستثمار من حدة التحدي المتمثل في التراجع المطول في قطاع العقارات الحيوي.

وارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يشمل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.8 في المائة خلال الشهرين الأولين، متجاوزاً التوقعات بانخفاض قدره 2.1 في المائة بعد انكماشه بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي له منذ نحو 3 عقود.

وقاد الاستثمار في البنية التحتية هذا الانتعاش، مسجلاً نمواً بنسبة 11.4 في المائة، مع بدء تأثير الدعم الحكومي، بما في ذلك أداة تمويل جديدة من البنوك لتمويل المشاريع الرئيسية. ورغم أن البيانات الإجمالية تُظهر بعض الزخم الإيجابي، فإنها لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطلب الخارجي القوي وضعف استهلاك الأسر، وهو ما يحذر المحللون من أنه قد يعيق آفاق النمو الصيني على المدى الطويل.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «لا يمكن استبعاد استمرار تعرض بيانات الطلب المحلي في مارس (آذار) لضغوط نزولية»، مضيفاً أن البيانات الإجمالية لا تدعم خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأشارت بيانات الإقراض الصادرة الأسبوع الماضي إلى استمرار تراجع اقتراض الأسر. كما أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح- ارتفع إلى 5.3 في المائة في أول شهرين من العام، مقارنة بـ5.1 في المائة في ديسمبر، وهو ما يثير القلق بشأن توليد الدخل.

وقال خريج جامعي يُدعى باي، متخصص في التعليم، في أثناء حضوره معرضاً للتوظيف في بكين: «لا تزال سوق العمل الحالية مليئة بالتحديات، ويصعب العثور على وظائف».

وفي الاجتماع السنوي للبرلمان الذي اختُتم الأسبوع الماضي، حدد صناع السياسات هدف النمو الاقتصادي لهذا العام بنسبة تتراوح بين 4.5 في المائة و5 في المائة، بانخفاض عن هدف العام الماضي الذي كان نحو 5 في المائة. وقد تحقق هذا الهدف في عام 2025 بفضل فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، مما زاد من قلق شركاء الصين التجاريين.

ويقول المحللون إن الصين تواجه تحديات كبيرة في سعيها لتحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وبينما تعهدت الحكومة بارتفاع «ملحوظ» في استهلاك الأسر، فقد أوضحت إجراءات محدودة تشير إلى توجه نحو إصلاحات جذرية في جانب الطلب.

ويُضيف الصراع في الشرق الأوسط مزيداً من عدم اليقين؛ إذ يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، مما يزيد من أهمية زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين في أواخر مارس الجاري للقاء الرئيس شي جينبينغ.

وصرَّح فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين، بأن حرب الشرق الأوسط قد فاقمت تقلبات أسعار النفط واضطرابات السوق، ولكن إمدادات الطاقة الإجمالية للصين من شأنها أن تُساعد في تخفيف الصدمات الخارجية. وأضاف أن تأثير الصراع على الأسعار المحلية سيتطلب مزيداً من التدقيق.

وعلَّق تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، بالقول: «من المتوقع أن تظهر آثار الاضطرابات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة... وأتوقع أن يستجيب صناع السياسات من خلال السياسة المالية إذا لزم الأمر».


اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار خطوةً تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يمثل حتى الآن «حرب عملات» معلنة، فإنه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، مشككاً في استعداد إيران للتفاوض، في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الآن مغلقاً، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أي تحركات حول طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر ترمب من أن حلف شمال ‌الأطلسي (ناتو) يواجه مستقبلاً «سيئاً ‌للغاية» إذا ‌تقاعس ⁠حلفاء الولايات المتحدة ⁠في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز، على الرغم من استمرار تل أبيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية حتى كتابة هذه السطور.

إزاحة الدولار

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجهاً عالمياً أوسع نحو «تنوع العملات» في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الأوسط» على المقترح الإيراني، يشير بن صقر إلى أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية؛ ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار «إعادة هيكلة» تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير - من 65.3 في المائة في 2016 إلى 59.3 في المائة في 2024 - يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يُعدّ تطوراً طبيعياً في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك، من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك، من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

مضخة نفط في حقل نفط مهجور في سارجينتيس دي لا لورا بالقرب من بورغوس شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

تأثير رمزي

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلّام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود «عملياً» على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلاً «رمزياً» استراتيجياً طويل الأمد.

وقال سلّام، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري، وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق؛ فبدلاً من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تُدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تُعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين

ويوضح سلّام أن بكين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية «الموازنة الدقيقة»؛ فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني «رمزياً» ضمن إطار «بريكس» لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

تاجر عملات يمر أمام شاشة إلكترونية تعرض أسعار خام برنت وخام دبي في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا (أ.ف.ب)

ارتدادات الأزمة

ويرى سلّام أن هذه الضغوط الإيرانية – بين المتوسطة والقوية – تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. أميركياً، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة؛ ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام «خطر الركود» في توقيت سياسي حساس، ويُضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دولياً، فإن «صدمة الأسعار» الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعاً نقديّاً منقسماً يزيد من تكاليف التجارة العالمية؛ ما يعزز في المحصلة شعوراً عاماً بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلّام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرّع رمزياً من وتيرة التحول عن الدولار (De-dollarization)، وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيداً بعوائق دبلوماسية وعملية جمّة. ويشدد على أن «جوهر الأزمة» يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته. ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.