موسكو تدين «الاستفزاز المتعمد» من الطيران الإسرائيلي وتتوعد بالرد

بوتين يتحدث عن «صدف مأساوية»

بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تدين «الاستفزاز المتعمد» من الطيران الإسرائيلي وتتوعد بالرد

بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)

تلقت العلاقات الروسية - الإسرائيلية ضربة قوية بعدما أسفرت ثغرة قاتلة في تنسيق التحركات العسكرية للجانبين في سوريا عن إسقاط طائرة استطلاع عسكرية روسية ليل أول من أمس، بنيران المضادات الجوية السورية.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية مقتل طاقم الطائرة المكون من 15 شخصا، وحملت إسرائيل المسؤولية عن الحادثة واتهمتها بالقيام بـ«استفزاز متعمد» أثناء شن هجوم على منشآت سورية في اللاذقية. وتباينت الترجيحات حول ردود الفعل الروسية المحتملة بين فريق تحدث عن «إجراءات قاسية»، وآخر أشار إلى «تدابير لمنع تكرار الحادث»، بينما خفض الرئيس فلاديمير بوتين سقف التوقعات، مشيرا إلى أن «صدفاً مأساوية» أدت إلى الحادث، ودعا إلى إجراء تحقيق شامل.
وفي أول اختبار جدي لقدرة موسكو وتل أبيب على مواجهة صدام مباشر بينهما، بدت لهجة وزارة الدفاع حادة جدا وهي تحمل الجانب الإسرائيلي «المسؤولية كاملة» كما قال المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف، مشيرا إلى أن 4 مقاتلات إسرائيلية من طراز «إف16» تعمدت «التستر بالطائرة الروسية أثناء شن الغارات على المواقع السورية، ما جعلها عرضة لنيران الدفاعات الجوية السورية». مشددا على أن الإسرائيليين «نفذوا هذا الاستفزاز عمدا»، موضحا أنه «لم يكن ممكنا لوسائل مراقبة الطيران الإسرائيلي وطياري (إف16) إلا يكونوا قد رصدوا الطائرة الروسية، لأنها كانت في طريقها للهبوط في قاعدة حميميم وحلقت في المنطقة على ارتفاع 5 كيلومترات».
وزاد أن «إسرائيل لم تحذر قيادة القوات الروسية في سوريا مسبقا، ولم تبلغنا بعمليتها عبر الخط الساخن، إلا قبل أقل من دقيقة من الضربة، الأمر الذي لم يسمح لنا بإبعاد الطائرة الروسية إلى منطقة آمنة».
وشدد الناطق العسكري على أن موسكو «ترى أن الاستفزاز الإسرائيلي تصرف عدائي، وممارسات غير مسؤولة من جانب العسكريين الإسرائيليين أسفرت عن مقتل 15 عسكريا روسيا، بما لا ينسجم مع روح الشراكة الروسية - الإسرائيلية، ونحتفظ بحق الرد بالإجراءات الجوابية المناسبة».
وكانت موسكو أعلنت عن فقدان الاتصال بالطائرة، وهي من طراز «إيليوشين20» قبل منتصف الليل بقليل، أثناء الانشغال بمتابعة سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مواقع في اللاذقية، وأعلنت لاحقا أن الطائرة أصيبت بصاروخ روسي الصنع من طراز «إس200» أطلقته عليها الدفاعات الجوية السورية عن طريق الخطأ. وقال متحدث عسكري روسي إن الطائرات الإسرائيلية قامت بـ«الاقتراب من أهدافها على علو منخفض من جهة البحر المتوسط، معرضة السفن والطائرات الموجودة في تلك المنطقة للخطر بشكل متعمد».
وفور اتضاح تفاصيل الحادث، استدعت وزارة الخارجية الروسية السفير الإسرائيلي في موسكو غاري كورين وسلمته مذكرة احتجاج، فيما أجرى وزير الدفاع سيرغي شويغو مكالمة هاتفية مع نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان خصصت لتحميل إسرائيل المسؤولية عن الحادثة. وقال الوزير الروسي بعد المكالمة إن «وزارة الدفاع الروسية دعت الجانب الإسرائيلي مرارا إلى الامتناع عن شن هجمات على الأراضي السورية في مناطق يمكن أن تهدد أمن الجنود الروس»، مجددا التأكيد على أن «ممارسات الجيش الإسرائيلي لا تعكس روح الشراكة الروسية – الإسرائيلية، ونحتفظ بحقنا في الرد بخطوات مناسبة». وأفادت وزارة الدفاع بأن شويغو أبلغ نظيره الإسرائيلي أنه «على الرغم من الاتفاق بين إسرائيل وروسيا حول منع وقوع حوادث خطرة، فإنه تم إبلاغ الجانب الروسي قبل دقيقة فقط من توجيه المقاتلات الإسرائيلية (إف16) ضربات على سوريا».
وأشار شويغو إلى أن وزارة الدفاع الروسية دعت مرارا الجانب الإسرائيلي إلى ضبط النفس بشأن الهجمات على الأراضي السورية.
وأعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن أسفه لوقوع الحادث، ووصفه بأنه «مصيبة كبيرة لنا جميعا»، لكنه قلص من سقف التوقعات حول الرد الروسي المحتمل، بعدما ارتفعت أصوات في موسكو تطالب بإجراءات قاسية ضد إسرائيل. وقال بوتين إنه «لا يمكن وضع مقارنات بين هذا الحادث، وعملية إسقاط الطائرة الروسية في تركيا عام 2015»، مشيرا إلى أنه «في تلك الظروف تعمدت المقاتلات التركية إسقاط طائرتنا، لكن في هذه الحادثة الطائرات الإسرائيلية لم تتعمد توجيه نيرانها نحو طائراتنا، ولعبت سلسلة من الصدف المأساوية دورا في الكارثة».
ودعا بوتين إلى إجراء تحقيق كامل في الموضوع، مشيرا إلى أن الموقف الروسي تم التعبير عنه بوضوح في بيان وزارة الدفاع الذي «تم تنسيقه معي قبل نشره». ولمح بوتين إلى خطوات جوابية، لافتا إلى أن موسكو «ستقوم بتعزيز أمن مواقعها ورجالها في سوريا، ونحن نقوم بخطوات في هذا الاتجاه يلاحظها الجميع». في إشارة كما يبدو إلى الدفع بتعزيزات دفاعية إضافية في سوريا حول المنشآت العسكرية الروسية.
وكان الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف استبق حديث بوتين بالإعراب عن «قلق بالغ»، مقدماً تعازي الرئيس الروسي لأهالي الضحايا. لكن الناطق الرئاسي شدد في الوقت ذاته على أن التطور «لن يؤثر على الاتفاق الروسي - التركي في منطقة إدلب» مؤكدا التزام موسكو بتنفيذ بنود الاتفاق وفقا للخطة المشتركة.
إلى ذلك، تباينت بقوة التوقعات حول الإجراءات الجوابية التي يمكن أن تقوم بها روسيا ضد إسرائيل، وتحدث بعض المسؤولين العسكريين السابقين عن «تدابير قاسية»، ونقلت وكالة «إنترفاكس» عن الجنرال المتقاعد ليونيد إيفاشوف المحسوب على «الصقور» في وزارة الدفاع أن روسيا يمكن أن تذهب نحو وقف كل أشكال التعاون العسكري مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقية المتعلقة بتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى «إجراءات دبلوماسية قد يكون بينها استدعاء سفيرها من إسرائيل، وخفض مستوى أو تجميد اتفاقية العبور دون تأشيرات بين الدولتين».

وأشار الخبير إلى أن رد روسيا قد يتمثل أيضا في إسقاط أي طائرة إسرائيلية تنتهك المجال الجوي لسوريا. ولفت إلى احتمال أن «تقوم موسكو بتزويد (حزب الله) بأسلحة دفاعية متطورة، إما مباشرة أو عبر تقديمها إلى لبنان مع الإدراك أنها ستصل إلى أيدي مقاتلي (حزب الله)، إضافة إلى احتمال البدء بتحديث منظومات الدفاع الجوي لدى السلطات السورية لأن منظومات (إس200) قديمة ويجب تسليم السوريين منظومات حديثة بما في ذلك منظومات تشمل تقنيات التعرف على العدو والصديق».
لكن في مقابل هذه التوقعات باتخاذ إجراءات «نارية» ضد إسرائيل، قلل كبير الباحثين في «معهد دراسات إسرائيل» في أكاديمية العلوم الروسية ديمتري مارياسيس من احتمال أن يكون الرد الروسي قويا، مذكرا بحديث بوتين عن «عدم جواز المقارنة مع حادثة إسقاط الطائرة على يد العسكريين الأتراك». ورجح الخبير أن يتم التوصل إلى تفاهمات بين موسكو وتل أبيب لفتح تحقيق واسع يفضي إلى وضع آلية واضحة وكاملة للتنسيق خلال تنفيذ العمليات العسكرية في سوريا.
ورجحت أوساط دبلوماسية أن تذهب موسكو نحو الإفادة من حادثة سقوط الطائرة الروسية لممارسة ضغوط على إسرائيل بهدف حملها على عدم توسيع عملياتها العسكرية في سوريا، والاستجابة لطلب روسي سابق بعدم استهداف مواقع تابعة للحكومة السورية. وقال دبلوماسي روسي إن طبيعة رد موسكو «سوف تتوقف إلى حد بعيد على طبيعة التحرك الإسرائيلي، وفي حال أطلقت تل أبيب تحقيقا شفافا وكاملا، فإنه يمكن للطرفين الجلوس إلى طاولة مفاوضات ومعالجة تداعيات الحادثة».
اللافت أن وسائل إعلام روسية نقلت أن «إيليوشين20»، وهي طائرة استطلاع ورصد سوفياتية الصنع وتعد من أفضل طائرات المراقبة لدى روسيا حاليا، كانت تقوم برصد العمليات العسكرية ونقل مجريات الضربات الجوية ضد مواقع أرضية بنظام البث المباشر، مما يعني أنها في الغالب كانت تنقل معطيات وصورا تتعلق بالضربات الإسرائيلية على مواقع في اللاذقية و«وقعت في الفخ أثناء عودتها» وفقا لتعليق شبكة «نيوز رو» واسعة الانتشار. لكن وزير الدفاع الروسي قال في وقت لاحق إن الطائرة كانت تقوم بمهمة استطلاع فوق إدلب وأصيبت أثناء عودتها.
وفتح الحادث شهية وسائل إعلام روسية معارضة لعقد مقارنات بين حادثتي إسقاط «إيليوشين20» وكارثة الطائرة الماليزية فوق شرق أوكرانيا في عام 2014 لجهة أنه في الحادثتين تم استخدام صواريخ روسية الصنع، من جانب حلفاء لروسيا وجهوا ضربات قاتلة بطريق الخطأ.
واللافت أن بعض التعليقات الروسية أشارت إلى أن الدفاعات الجوية السورية تتحمل جزءا من المسؤولية، رغم أن هذا الأمر لم يبرز في التعليقات الرسمية لوزارة الدفاع؛ إذ لفت خبراء عسكريون إلى أن الدفاعات الجوية السورية «أطلقت بشكل عشوائي، ولم يفكر الأشخاص الذين يتحكمون بها في بذل جهد لتحري الأهداف التي تظهر أمامهم على شاشات الرادار قبل إطلاق النار».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».