موسكو تدين «الاستفزاز المتعمد» من الطيران الإسرائيلي وتتوعد بالرد

بوتين يتحدث عن «صدف مأساوية»

بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تدين «الاستفزاز المتعمد» من الطيران الإسرائيلي وتتوعد بالرد

بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
بوتن خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)

تلقت العلاقات الروسية - الإسرائيلية ضربة قوية بعدما أسفرت ثغرة قاتلة في تنسيق التحركات العسكرية للجانبين في سوريا عن إسقاط طائرة استطلاع عسكرية روسية ليل أول من أمس، بنيران المضادات الجوية السورية.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية مقتل طاقم الطائرة المكون من 15 شخصا، وحملت إسرائيل المسؤولية عن الحادثة واتهمتها بالقيام بـ«استفزاز متعمد» أثناء شن هجوم على منشآت سورية في اللاذقية. وتباينت الترجيحات حول ردود الفعل الروسية المحتملة بين فريق تحدث عن «إجراءات قاسية»، وآخر أشار إلى «تدابير لمنع تكرار الحادث»، بينما خفض الرئيس فلاديمير بوتين سقف التوقعات، مشيرا إلى أن «صدفاً مأساوية» أدت إلى الحادث، ودعا إلى إجراء تحقيق شامل.
وفي أول اختبار جدي لقدرة موسكو وتل أبيب على مواجهة صدام مباشر بينهما، بدت لهجة وزارة الدفاع حادة جدا وهي تحمل الجانب الإسرائيلي «المسؤولية كاملة» كما قال المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف، مشيرا إلى أن 4 مقاتلات إسرائيلية من طراز «إف16» تعمدت «التستر بالطائرة الروسية أثناء شن الغارات على المواقع السورية، ما جعلها عرضة لنيران الدفاعات الجوية السورية». مشددا على أن الإسرائيليين «نفذوا هذا الاستفزاز عمدا»، موضحا أنه «لم يكن ممكنا لوسائل مراقبة الطيران الإسرائيلي وطياري (إف16) إلا يكونوا قد رصدوا الطائرة الروسية، لأنها كانت في طريقها للهبوط في قاعدة حميميم وحلقت في المنطقة على ارتفاع 5 كيلومترات».
وزاد أن «إسرائيل لم تحذر قيادة القوات الروسية في سوريا مسبقا، ولم تبلغنا بعمليتها عبر الخط الساخن، إلا قبل أقل من دقيقة من الضربة، الأمر الذي لم يسمح لنا بإبعاد الطائرة الروسية إلى منطقة آمنة».
وشدد الناطق العسكري على أن موسكو «ترى أن الاستفزاز الإسرائيلي تصرف عدائي، وممارسات غير مسؤولة من جانب العسكريين الإسرائيليين أسفرت عن مقتل 15 عسكريا روسيا، بما لا ينسجم مع روح الشراكة الروسية - الإسرائيلية، ونحتفظ بحق الرد بالإجراءات الجوابية المناسبة».
وكانت موسكو أعلنت عن فقدان الاتصال بالطائرة، وهي من طراز «إيليوشين20» قبل منتصف الليل بقليل، أثناء الانشغال بمتابعة سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مواقع في اللاذقية، وأعلنت لاحقا أن الطائرة أصيبت بصاروخ روسي الصنع من طراز «إس200» أطلقته عليها الدفاعات الجوية السورية عن طريق الخطأ. وقال متحدث عسكري روسي إن الطائرات الإسرائيلية قامت بـ«الاقتراب من أهدافها على علو منخفض من جهة البحر المتوسط، معرضة السفن والطائرات الموجودة في تلك المنطقة للخطر بشكل متعمد».
وفور اتضاح تفاصيل الحادث، استدعت وزارة الخارجية الروسية السفير الإسرائيلي في موسكو غاري كورين وسلمته مذكرة احتجاج، فيما أجرى وزير الدفاع سيرغي شويغو مكالمة هاتفية مع نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان خصصت لتحميل إسرائيل المسؤولية عن الحادثة. وقال الوزير الروسي بعد المكالمة إن «وزارة الدفاع الروسية دعت الجانب الإسرائيلي مرارا إلى الامتناع عن شن هجمات على الأراضي السورية في مناطق يمكن أن تهدد أمن الجنود الروس»، مجددا التأكيد على أن «ممارسات الجيش الإسرائيلي لا تعكس روح الشراكة الروسية – الإسرائيلية، ونحتفظ بحقنا في الرد بخطوات مناسبة». وأفادت وزارة الدفاع بأن شويغو أبلغ نظيره الإسرائيلي أنه «على الرغم من الاتفاق بين إسرائيل وروسيا حول منع وقوع حوادث خطرة، فإنه تم إبلاغ الجانب الروسي قبل دقيقة فقط من توجيه المقاتلات الإسرائيلية (إف16) ضربات على سوريا».
وأشار شويغو إلى أن وزارة الدفاع الروسية دعت مرارا الجانب الإسرائيلي إلى ضبط النفس بشأن الهجمات على الأراضي السورية.
وأعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن أسفه لوقوع الحادث، ووصفه بأنه «مصيبة كبيرة لنا جميعا»، لكنه قلص من سقف التوقعات حول الرد الروسي المحتمل، بعدما ارتفعت أصوات في موسكو تطالب بإجراءات قاسية ضد إسرائيل. وقال بوتين إنه «لا يمكن وضع مقارنات بين هذا الحادث، وعملية إسقاط الطائرة الروسية في تركيا عام 2015»، مشيرا إلى أنه «في تلك الظروف تعمدت المقاتلات التركية إسقاط طائرتنا، لكن في هذه الحادثة الطائرات الإسرائيلية لم تتعمد توجيه نيرانها نحو طائراتنا، ولعبت سلسلة من الصدف المأساوية دورا في الكارثة».
ودعا بوتين إلى إجراء تحقيق كامل في الموضوع، مشيرا إلى أن الموقف الروسي تم التعبير عنه بوضوح في بيان وزارة الدفاع الذي «تم تنسيقه معي قبل نشره». ولمح بوتين إلى خطوات جوابية، لافتا إلى أن موسكو «ستقوم بتعزيز أمن مواقعها ورجالها في سوريا، ونحن نقوم بخطوات في هذا الاتجاه يلاحظها الجميع». في إشارة كما يبدو إلى الدفع بتعزيزات دفاعية إضافية في سوريا حول المنشآت العسكرية الروسية.
وكان الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف استبق حديث بوتين بالإعراب عن «قلق بالغ»، مقدماً تعازي الرئيس الروسي لأهالي الضحايا. لكن الناطق الرئاسي شدد في الوقت ذاته على أن التطور «لن يؤثر على الاتفاق الروسي - التركي في منطقة إدلب» مؤكدا التزام موسكو بتنفيذ بنود الاتفاق وفقا للخطة المشتركة.
إلى ذلك، تباينت بقوة التوقعات حول الإجراءات الجوابية التي يمكن أن تقوم بها روسيا ضد إسرائيل، وتحدث بعض المسؤولين العسكريين السابقين عن «تدابير قاسية»، ونقلت وكالة «إنترفاكس» عن الجنرال المتقاعد ليونيد إيفاشوف المحسوب على «الصقور» في وزارة الدفاع أن روسيا يمكن أن تذهب نحو وقف كل أشكال التعاون العسكري مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقية المتعلقة بتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى «إجراءات دبلوماسية قد يكون بينها استدعاء سفيرها من إسرائيل، وخفض مستوى أو تجميد اتفاقية العبور دون تأشيرات بين الدولتين».

وأشار الخبير إلى أن رد روسيا قد يتمثل أيضا في إسقاط أي طائرة إسرائيلية تنتهك المجال الجوي لسوريا. ولفت إلى احتمال أن «تقوم موسكو بتزويد (حزب الله) بأسلحة دفاعية متطورة، إما مباشرة أو عبر تقديمها إلى لبنان مع الإدراك أنها ستصل إلى أيدي مقاتلي (حزب الله)، إضافة إلى احتمال البدء بتحديث منظومات الدفاع الجوي لدى السلطات السورية لأن منظومات (إس200) قديمة ويجب تسليم السوريين منظومات حديثة بما في ذلك منظومات تشمل تقنيات التعرف على العدو والصديق».
لكن في مقابل هذه التوقعات باتخاذ إجراءات «نارية» ضد إسرائيل، قلل كبير الباحثين في «معهد دراسات إسرائيل» في أكاديمية العلوم الروسية ديمتري مارياسيس من احتمال أن يكون الرد الروسي قويا، مذكرا بحديث بوتين عن «عدم جواز المقارنة مع حادثة إسقاط الطائرة على يد العسكريين الأتراك». ورجح الخبير أن يتم التوصل إلى تفاهمات بين موسكو وتل أبيب لفتح تحقيق واسع يفضي إلى وضع آلية واضحة وكاملة للتنسيق خلال تنفيذ العمليات العسكرية في سوريا.
ورجحت أوساط دبلوماسية أن تذهب موسكو نحو الإفادة من حادثة سقوط الطائرة الروسية لممارسة ضغوط على إسرائيل بهدف حملها على عدم توسيع عملياتها العسكرية في سوريا، والاستجابة لطلب روسي سابق بعدم استهداف مواقع تابعة للحكومة السورية. وقال دبلوماسي روسي إن طبيعة رد موسكو «سوف تتوقف إلى حد بعيد على طبيعة التحرك الإسرائيلي، وفي حال أطلقت تل أبيب تحقيقا شفافا وكاملا، فإنه يمكن للطرفين الجلوس إلى طاولة مفاوضات ومعالجة تداعيات الحادثة».
اللافت أن وسائل إعلام روسية نقلت أن «إيليوشين20»، وهي طائرة استطلاع ورصد سوفياتية الصنع وتعد من أفضل طائرات المراقبة لدى روسيا حاليا، كانت تقوم برصد العمليات العسكرية ونقل مجريات الضربات الجوية ضد مواقع أرضية بنظام البث المباشر، مما يعني أنها في الغالب كانت تنقل معطيات وصورا تتعلق بالضربات الإسرائيلية على مواقع في اللاذقية و«وقعت في الفخ أثناء عودتها» وفقا لتعليق شبكة «نيوز رو» واسعة الانتشار. لكن وزير الدفاع الروسي قال في وقت لاحق إن الطائرة كانت تقوم بمهمة استطلاع فوق إدلب وأصيبت أثناء عودتها.
وفتح الحادث شهية وسائل إعلام روسية معارضة لعقد مقارنات بين حادثتي إسقاط «إيليوشين20» وكارثة الطائرة الماليزية فوق شرق أوكرانيا في عام 2014 لجهة أنه في الحادثتين تم استخدام صواريخ روسية الصنع، من جانب حلفاء لروسيا وجهوا ضربات قاتلة بطريق الخطأ.
واللافت أن بعض التعليقات الروسية أشارت إلى أن الدفاعات الجوية السورية تتحمل جزءا من المسؤولية، رغم أن هذا الأمر لم يبرز في التعليقات الرسمية لوزارة الدفاع؛ إذ لفت خبراء عسكريون إلى أن الدفاعات الجوية السورية «أطلقت بشكل عشوائي، ولم يفكر الأشخاص الذين يتحكمون بها في بذل جهد لتحري الأهداف التي تظهر أمامهم على شاشات الرادار قبل إطلاق النار».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.