بيروت تتحول إلى فسيفساء فنون مع 3 معارض متزامنة

لوحة فنية للروسية زوي ليتفينوفا تشارك في معرض «بيروت آرت فير»  -  معبد باخوس في بعلبك بعين المصور مانوك اليميان في «أسبوع بيروت الفني»
لوحة فنية للروسية زوي ليتفينوفا تشارك في معرض «بيروت آرت فير» - معبد باخوس في بعلبك بعين المصور مانوك اليميان في «أسبوع بيروت الفني»
TT

بيروت تتحول إلى فسيفساء فنون مع 3 معارض متزامنة

لوحة فنية للروسية زوي ليتفينوفا تشارك في معرض «بيروت آرت فير»  -  معبد باخوس في بعلبك بعين المصور مانوك اليميان في «أسبوع بيروت الفني»
لوحة فنية للروسية زوي ليتفينوفا تشارك في معرض «بيروت آرت فير» - معبد باخوس في بعلبك بعين المصور مانوك اليميان في «أسبوع بيروت الفني»

زحمة فنون تشكيلية وتصويرية وصناعية تغمر شوارع وسط بيروت حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، من خلال تظاهرة ثقافية لا تشبه غيرها، ستترجم مع 3 معارض مرة واحدة. فقد افتتحت أمس أبواب الفن على مصراعيها مع «أسبوع بيروت الفني» (Beirut art week)، ينضم إليه اليوم كل من «بيروت آرت فير»، ليلحق بهما «بيروت ديزاين فير» غداً، وحتى 23 سبتمبر الحالي. وبين الإرث الثقافي والتراثي لمدينة بيروت الذي يعززه الحدث الأول، وفن الصورة الفوتوغرافية التي يحييها المعرض الثاني، يصلنا معرض «بيروت ديزاين فير» في مركز بيال، الواقع على الواجهة البحرية لبيروت، ليخرج المواهب اللبنانية إلى الضوء متفاعلة مع مواهب من بلدان أخرى تبرع بدورها في صناعة أدوات الديكور والأثاث وفنون أخرى.
وينظم معرض «أسبوع بيروت الفني» بالتعاون مع وزارتي الثقافة والسياحة وبلدية بيروت وشركة «سوليدير» ومتاجر وسط بيروت، ويعد بمثابة مقدمة أساسية لانطلاق سكة قطار الحدثين الآخرين. وسيتيح هذا المسار الفني للجمهور اكتشاف الأعمال المركبة الضخمة المعروضة في شوارع العاصمة، من خلال محطات فنية متراصة يقع بعضها إلى جنب بعض، فتؤلف مساراً فنياً مبتكراً يستمر حتى 25 سبتمبر الحالي. كما يؤمن المشاركة في حفلات افتتاح نشاطاته سيراً على الأقدام بين مباني ومساحات تحولت إلى غاليريهات في الهواء الطلق احتفاء ببيروت الثقافة والفن. ويتضمن هذا الحدث أيضاً محطات بصرية، وأخرى سمعية، إضافة إلى عروض سينمائية تقام في مواقع أثرية وساحات بيروت العريقة. فالفن المعاصر سيستقر في قلب بيروت لينبض بلوحات مبهرة تحكي لغة واحدة، ألا وهي الفن.
المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب يشارك في هذا المعرض الذي يتضمن، إضافة إلى مجموعة تصاميمه الجديدة، لفتة تكريمية للمصورة الفرنسية الألمانية كاتلين نوندورف، فيما اختار الفنان جان بوغوصيان عرض أعماله الفنية، من لوحات ورسوم تشكيلية، تحت عنوان «مبنى النار»، في مبنى قديم مقابل «أسواق بيروت». وتطول لائحة الفنانين المشاركين في هذا الأسبوع، لتشمل كلاً من الفنانة الأميركية أورسولا سلفادور (تقدم أشغالاً مكسيكية الطابع)، والأميركي بريان دونيللي، المعروف فنياً باسم «كاوس». فيعرض 40 تمثالاً له، يحكي كل واحد منها شخصيات وقصص خاصة بها، تم إثراؤها بواسطة أشكال غرافيكية وبيوغرافيكية. واختار المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي، تحت عنوان «هواجس»، تقديم صور ملونة عن بيروت القديمة. وفي شارع الجميزة، يقيم نبيل وزوي دبس عروضاً ترتبط بالفن المعاصر الخاص بأميركا الجنوبية.
ومع انطلاقة «بيروت آرت فير»، الذي خصص لفتة تكريمية للرسام التشكيلي الراحل بول غيراغوسيان لمناسبة مرور 25 عاماً على وفاته، سيواكب اللبنانيون من منصات ثقافية محلية وأخرى غربية وعربية الفنون التصويرية على أنواعها.
وسيتضمن برنامج هذا المعرض محطات مختلفة، يتنقل معها اللبنانيون بين نقاشات طاولات مستديرة تهم هواة جمع الطوابع والنقود القديمة وغيرها، مع جومانا عسيلي وإبراهام كاراباجاك وطارق نحاس، فيما يحضر من «مزاد سوثبي» اللندني كل من روكسان زاند وآين روبرتسون، ليتحدثا عن تطور السوق العربية في الخارج في أيامنا الحالية، وذلك في الثالثة من بعد ظهر الجمعة 21 سبتمبر الحالي. و«في النسخة التاسعة لهذا المعرض، يشارك نحو 40 عارضاً وغاليرياً، من لبنان والخارج، لبوا دعوتنا من روسيا وفرنسا وساحل العاج وتونس والمغرب وفلسطين وبلجيكا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها»، تقول شيرين صباغ، المسؤولة الإعلامية عن المعارض، شارحة الأهمية التي يحملها الحدث هذه السنة، وتضيف في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «تشرع هذه المعارض أبوابها أمام مواهب لبنانية، وأخرى أجنبية، لتتعرف على بعضها، وتساهم في نمو أسواقنا عبرها».
ومن البرامج الشيقة التي يتضمنها «بيروت آرت فير» زيارة إلى معرض «الجدار»، لجوزف دي كولكا، في دار النمر، وأخرى للمؤسسة العربية للصورة في الجميزة. كما يشمل برنامجه جولات ثقافية خارج بيروت، كالتي ستجري السبت 22 سبتمبر الحالي، لتكون محطتها الأولى في أنطلياس، لزيارة المعرض الخاص بالفنان الراحل بول غيراغوسيان، وليكمل الزوار من هناك جولتهم إلى شمال لبنان، وبالتحديد إلى بلدة «راس الشقة»، فيتعرفون إلى حدائق ومتاحف ومواقع ثقافية فيها. أما في بلدة دير القمر، فسيتعرفون هناك، وفي جولة أخرى، إلى تاريخها العريق، وذلك بعد ظهر الخميس، 20 سبتمبر الحالي. أما المحطة التي تتألف من زيارة إلى منطقة الأوزاعي، فستجري الأحد ظهراً، للتعرف إلى شوارع الفن الملونة في مدينة «أوزفيل»، تتبعها وجبة غداء في أحد مطاعمها. وتنظم هذه الجولات انطلاقاً من فندق «لو غراي»، وسط بيروت.
وفي النسخة الثانية من معرض «بيروت ديزاين فير»، الذي ينطلق في 20 سبتمبر الحالي حتى 23 منه، سيتم تسليط الضوء على الصناعات اللبنانية في مجال الديكور والأثاث وزخرفة الخشب وغيرها. وتجري خلاله مسابقة للمواهب الشابة في عالم فن التصميم، بالتعاون مع «ميزون & أوبجيه» (مؤسسة فرنسية)، ويتم خلالها اختيار فائز واحد يتبنى مسيرته القيمون على المعرض.
«لقد اخترنا موضوع الصناعة اللبنانية لوضعها من جديد على خريطة الصناعات العالمية، حيث إنها لا تقل أهمية عن أي صناعات غربية أخرى، في ما يتعلق بأفكارها وجودتها وطريقة تنفيذها»، تقول هالة مبارك، المؤسسة الشريكة لهذا الحدث، وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لقد استعنا بالمهندس جلال محمود، ليخبرنا قصة بيروت بأسلوبه الهندسي المتطور، فيما سيكون عدد المشاركين فيه نحو 60 شخصاً، مقابل 47 شخصاً في العام الماضي».
ودأب منظمو «بيروت ديزاين فير» على مشاركة غاليريهات عريقة في لبنان، اشتهرت بمهاراتها في مجال صناعة الطاولات والمقاعد وغيرها من أثاث المنازل. ولذلك، سنلاحظ عودة قوية لـ«بواسولييه دي ريف» و«غاليري بيار غطاس»، التي ستعرض تصاميم كراس من نوع «فانتيدج»، للعالمي جان بول غوتييه، فيما ستتاح الفرصة أمام هواة التصاميم الأجنبية للوقوف على أحدثها من خلال غاليريهات إيطالية، وأخرى من سويسرا وأميركا وسنغافورة، لتعزز لغة التحاور الفني بين البلدان. «إن لبنان هو أهم مركز ثقافي وصناعي فني في العالم العربي، فلقد كنا السباقين في هذا المجال، من خلال منتجاتنا في مدن لبنانية اشتهرت بصناعاتها هذه، كما في طرابلس وصيدا وغيرها. وسنحاول إعادتها إلى الضوء، وتثبيت دور لبنان الفني فيها من خلال هذا المعرض»، تقول هالة مبارك التي تركت أعمالها خارج لبنان لتستقر فيه، وتعمل على إعادة إحياء تراثه الفني العريق، كما ذكرت لنا.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.